تواصل هذه الحلقة من الكتاب، الذي بين أيدينا، رصد حياة العرب في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948، حيث المواجهة على أشدها بين شعب أعزل بصورة مطلقة ومعزول عن محيطه الاقليمي ،وقوة احتلال غاشمة تملك كل وسائل القهر والبطش.

وتفتقر لأدنى الكوابح الأخلاقية، ما يجعلها لا تتورع عن أي ممارسة مهما كانت مخالفة لقواعد السلوك الإنساني المتعارف عليه، ويبين مؤلفا الكتاب ان سلطة الاحتلال الإسرائيلية قد وضعت لنفسها منهجاً ثابتاً وصارماً تجاه العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر يتلخص في عزلهم بصورة كاملة عن جذورهم ومحيطهم وتاريخهم.

وحتى عن عاداتهم وتقاليدهم، إلا ان كل تلك السياسات العدوانية كانت عاجزة ،على الدوام، عن تحقيق أغراضها الخبيثة. فلقد تمكن هذا الجزء الحيوي من الشعب الفلسطيني من البقاء حياً نابضاً بكل المقومات الوطنية والقومية، التي حافظت عليه دائماً في قلب القضية المركزية للأمة العربية.

مرت الكتلة السكانية العربية الفلسطينية، التي بقيت فوق أرضها عام النكبة، بمراحل عصيبة، وخاصة خلال الفترة التي امتدت منذ عام 1948 وحتى عام 1966، حيث ساد الحكم العسكري في كل التجمعات الفلسطينية، التي تستأثر على نحو 3, 1 مليون فلسطيني، غالبيتهم في منطقة الجليل شمال فلسطين المحتلة، حيث تعتبر مدينة الناصرة عاصمة تلك المنطقة.

فقد بقي وصمد في الجزء المحتل من الأرض الفلسطينية التي قامت عليها الدولة العبرية عام 1948 حوالي 156 ألف فلسطيني، بعد طرد نحو 850 ألفاً على يد العصابات الصهيونية شتيرن، والهاغانا، والبالماخ، والأرغون.

وبفعل الزيادة الطبيعية العالية، والخصوبة المرتفعة بين النساء الفلسطينيات داخل الخط الأخضر، فإن الفلسطينيين هناك يتضاعفون كل عشرين عاماً. وباتت الكتلة السكانية العربية الفلسطينية في الكيان الصهيوني تشكل نحو 18% من إجمالي السكان هناك.

والبالغ نحو 3 ,6 ملايين نسمة وفق احصاءات نهاية العام 2005، هذا في وقت لم يطور النشاط السياسي للعرب إلى حدود تتوافق ونسبتهم في المجتمع.

حيث تركزت الأهداف الأساسية للأحزاب العربية وللأعضاء العرب داخل الكنيست، حول ضرورة رفع موازنات التعليم والصحة والضمان والاجتماعي للسلطات المحلية العربية.

الحفاظ على الخصوصية

برزت خصوصية المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، أي داخل المنطقة الفلسطينية التي أقيمت عليها إسرائيل على 78% من مساحة أرض فلسطين التاريخية والبالغة 27009 كيلو مترات مربعة، فتركت النكبة آثارها عام 1948 وبعدها، وما ترتب على ذلك من أثر ديموغرافي، وسياسي واجتماعي على صعيد السكان أنفسهم.

إضافة إلى السياسة الإسرائيلية في شتى المجالات، والتي حاولت، أن تهضم هذا المجموع العربي، وتجعله جماعة إثنية هامشية، في إطار دولة تعتبر نفسها دولة اليهود وحدهم.

وتسود فيها الصهيونية كأيديولوجيا، وكثقافة ومؤسسات، فبعد نكبة عام 1948 لم يبق من الشعب الفلسطيني في المناطق التي أقيمت عليها الدولة الصهيونية سوى 156 ألف مواطن عربي فلسطيني، تركزوا في مناطق رئيسية هي الجليل، والمثلث، والنقب، وفي المدن التي أصبحت فيما بعد مختلطة كمدن حيفا، ويافا، واللد، والرملة، وعكا.

ويمكن القول إن هذا التركز السكاني العربي في الجليل والمثلث، بهذه الكثافة جاء بناء على متطلبات السياسة العامة للحركة الصهيونية، التي حاولت في الفترة الأولى من حرب عام 1948 استثناء هذه المناطق، لأنها تخضع لسياسة عربية وفق قرار التقسيم، حيث لم تحتل بعض مناطق المثلث إلا في عام 1949، وذلك بعد اتفاقية رودس.

وبالنسبة للنمو السكاني العربي داخل الخط الأخضر، فقد ارتفع مجموعهم من 156 ألفا عام 1948، إلى 889500 فلسطيني في عام 1995، ثم إلى 998672 مواطنا عربيا عام 1998، ومن المقدر أنه وصل إلى 1059491 مواطنا عربيا بحلول عام 2000 ثم إلى 3,1 مليون عربي في عام 2002.

وبذلك لا تتعدى نسبة السكان العرب من إجمالي السكان اليهود والعرب داخل الكيان الصهيوني 17%، في حين تقدره الإحصاءات الإسرائيلية بأكثر من 18%، نظراً لاعتبار مجموع سكان القدس من العرب، من إجمالي مجموع السكان العرب داخل الكيان.

وذلك لاعتبارات سياسية، في مقدمتها اعتبار مدينة القدس الكبرى، حسب التصورات الإسرائيلية، بأنها العاصمة الأبدية للكيان الصهيوني.

ومن المؤشرات الأساسية التي يجب إظهارها، التوزع الجغرافي للعرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر الذي يعكس سياسة سكانية إسرائيلية واضحة، فقد استأثرت منطقة الشمال الفلسطيني التي تضم منطقة الجليل بأكمله، وعكا وسهل بيسان، وصفد ومرج بن عامر، بما في ذلك مدينة العفولة.

والتي تشمل 65 قرية ومدينة صغيرة، استأثرت بنحو 55% من إجمالي عدد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر في عام 2002، وذلك بعد استبعاد سكان القدس الشرقية، وتضم مدينة عكا في الجليل 31% من المجموع العام للسكان العرب، في مقابل ذلك يتركز في منطقة حيفا 6 ,18%.

ويضم لواء حيفا كلا من مدينة حيفا، والخضيرة، في حين استحوذت المنطقة الوسطى التي تضم مدينتي اللد والرملة ومنطقة وادي عارة المعروفة باسم منطقة المثلث على حوالي 8 ,11%.

وقد استحوذت منطقة تل أبيب على 3%، أما اللواء الجنوبي الذي يضم عسقلان وبئر السبع فقد استأثر بنحو 6 ,11% من إجمالي العرب داخل الخط الأخضر.

دعاة الترانسفير

وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى المعاناة الكبيرة التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني في منطقة النقب، حيث حملات التطفيش الإسرائيلية، وعدم الاعتراف بالقرى البدوية، وذلك لإحداث عملية التهويد الكاملة في منطقة النقب.

الأمر الذي أفصح عنه دعاة الترانسفير في مؤتمر هرتسيليا السادس الذي يعقده معهد السياسات والاستراتيجيات في المركز متعدد المجالات.

وفي بؤرة ورقة العمل التي وضعها نائب رئيس مجلس الأمن القومي ايهود برافر وليريت سربوس من قسم الشؤون الداخلية في المجلس.

وتبناها رئيس المجلس اللواء احتياط غيورا ايلاند، حيث أوصى المؤتمر بفرض السياسة الحكومية من خلال إخلاء قسري للبدو، واسكانهم في أماكن سكن جديدة وهدم المباني غير القانونية التي يسكن فيها البدو اليوم.

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن سكان القرى في السنوات الأخيرة قد شكلوا في الأعوام الأخيرة 1990 - 2002 نحو 7 ,71% من إجمالي مجموع العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر.

ويسكنون 104 من القرى العربية، بينما شكل سكان المدن النسبة الباقية، يعيش نصفهم في مدينتين عربيتين هما، الناصرة، وشفاعمرو، والنصف الآخر، يتوزع في المدن المختلطة عكا، يافا، حيفا، اللد، الرملة، ويشكل البدو 10% من إجمالي فلسطينيي الـ 48 نصفهم في النقب، والنصف الثاني في منطقة الجليل الفلسطيني.

ومن المؤشرات المختلفة الأساسية للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، نسبة الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر التي بلغت في السنوات 1990 - 2002 40% من إجمالي المجموع، أي أن المجتمع الفلسطيني في الجزء المحتل عام 1948، هو مجتمع فتي، تبعاً للمقاييس الديموغرافية الدولية، في حين لا تتعد نسبة الشيوخ فوق الـ 65 سنة من العمر 1 ,3%.

أي أن نسبة القوة البشرية 15 - 64 سنة من العمر، بلغت نحو 9 ,56%، مقابل ذلك لم تتعدى نسبة الأطفال في التجمع اليهودي في الكيان الصهيوني 27%.

وتصل نسبة كبار السن نحو 9 % كانعكاس لتحسن الأوضاع الصحية، وبقي معدل النمو الطبيعي في السنوات الأخيرة 1990 - 2002 في حدود 4,3% سنوياً، وهو مشابه لمعدلات النمو السائدة بين الفلسطينيين بشكل عام، وفي الدول النامية والعربية.

ومن المؤشرات، التي يمكن إبرازها، التزاحم في المسكن الواحد، فقد بلغ هذا التزاحم للعرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر 1 ,5 افراد عرب في المسكن الواحد، مقابل 3 ,3 افراد يهود في المسكن الواحد داخل الكيان الصهيوني، الأمر الذي يوضح الضائقة السكنية التي يعاني منها العرب، ففي حين بلغ مجموع المساكن اليهودية 1314800 مسكن لليهود، فإن مجموع المساكن العربية في عام 1995 بلغ 194400 مسكن للعرب.

ومن المؤشرات أيضاً، نلحظ الهوة الكبيرة بين العرب واليهود في مجال مخصصات التربية والتعليم نتيجة التمييز العنصري المبرمج من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

فقد دلت الإحصاءات أن 12% من البالغين العرب فوق 15 سنة من العمر لا يحصلون على تعليم مدرسي في إسرائيل، وذلك مقارنة بنحو 4% من اليهود الإسرائيليين، بينما 51% من اليهود تتوفر لهم فرص الحصول على التعليم الثانوي، مقارنة بنحو 34% عند العرب.

وتفوق نسبة اليهود المسجلين في الجامعات الإسرائيلية، نسبة الطلاب من الأقلية العربية المسجلين في الجامعات بنحو ثلاثة أضعاف ونصف الضعف، وثمة عشرة أكاديميين عرب متفرغون، يعملون في مؤسسات التعليم العالي في إسرائيل، وهو عدد متواضع، إذا أخذنا بعين الاعتبار نسبة وعدد العرب داخل إسرائيل من جهة.

وعدد الأكاديميين العاملين بشكل عام في مؤسسات التعليم في إسرائيل والذي يصل إلى خمسة آلاف أكاديمي ، وهذا بالطبع يعكس السياسات التربوية الإسرائيلية الموجهة داخل المجتمع العربي لتهميشه في المدى البعيد.

مؤشرات اقتصادية

بلغ مجموع القوة البشرية بين العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر في عام 1994 نحو 461 ألف عربي، ارتفع إلى 529 ألفاً في عام 1998، منهم 5 ,37 في المئة من ذوي النشاط الاقتصادي، وهي نسبة متدنية مقارنة بكثير من المعدلات في الدول المتطورة، والنامية على حد سواء.

ومرد ذلك التركيبة السكانية، التي تتسع فيها قاعدة الهرم الممثل للأطفال، الذين تصل نسبتهم إلى نحو 40%، ما يعكس ارتفاع حجم الإعالة، إلى نحو 4 أشخاص، وتلعب مستويات مشاركة المرأة العربية المتدنية أصلاً في النشاط الاقتصادي، دوراً أساسياً في انخفاض معدلات النشاط السكاني إلى إجمالي السكان العرب داخل الخط الأخضر.

تستحوذ قطاعات الزراعة والصناعة والبناء الإسرائيلية على 49 % من مجموع قوة العمل العربية في إسرائيل، في حين تستحوذ القطاعات الأخرى على 51%، وهي في طبيعة الحال، القطاعات غير المذكورة من خدمات عامة وخاصة، وتجارة وغيرها.

ويمنع العربي من العمل في الصناعات الاستراتيجية، خاصة العسكرية منها، ترتفع معدلات الأمية بين العرب لتصل إلى 11% -12% بين الكبار، مقابل 5% بين اليهود، كما ترتفع معدلات البطالة لتصل إلى نحو 18% بين العرب، مقابل 8% - 10% بين العمال اليهود في السنوات الأخيرة 1995 - 2002 .

هناك مؤشرات أخرى تدل على التمييز العنصري ضد العرب أهمها:

أولاً : 6, 57% من الطلاب العرب يواظبون على الدراسة في المرحلة الثانوية، في حين يواظب عليها 90% من اليهود في سن 17 عاماً.

ثانياً : 2 ,89% من العرب يدرسون في المدارس، مقابل 6 ,96% في سن 6 ـ 13 عاماً من اليهود.

ثالثاً : 44% من الأطفال العرب يرتادون رياض الأطفال مقابل 95% من اليهود في سن 3 سنوات.

وتبعاً للمقدمات الاقتصادية والتربوية، وسوء الدخل نتيجة التمييز، وكذلك التمييز في موازنات المجالس المحلية العربية، مقارنة بمثيلاتها اليهودية، فإن 7 ,26% من الأطفال العرب داخل إسرائيل يعيشون تحت خط الفقر، مقابل 9 ,17% بين الأطفال اليهود.

وبصورة عامة، فإن الأقلية العربية في إسرائيل تعيش في وضع اقتصادي واجتماعي يختلف اختلافاً جذرياً عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأغلبية اليهودية.

ومما لا شك فيه أن هذا الاختلاف إنما هو نتيجة التمييز العنصري، الذي مارسته إسرائيل والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ضد العرب، طوال السنوات الحادية والخمسين الماضية 1048 - 1999، فالعمال العرب لا يسمح لهم بولوج قطاعات أساسية في الاقتصاد الإسرائيلي.

وكذلك في المنشآت الحكومية المهمة، ناهيك عن التمييز في مخصصات الإنفاق وخاصة الضمان الصحي والاجتماعي، ويميز الباحثون ثلاث فترات مرت بها علاقة الأقلية العربية بالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة.

مصادرة واعتقال

أولاً : فترة الحكم العسكري 1948 - 1966، و كانت تلك الفترة قاسية جداً، وقد تركت بصماتها المميزة على مجمل أوضاع الاقتصاد العربي في إسرائيل، فقد كان الجيش الإسرائيلي قادراً على اعتقال أي عربي دون محاكمة، كما أن الأراضي العربية كانت تصادر دون أي مرجع قانوني.

وخلال تلك الفترة سنت السلطات الإسرائيلية 34 قانوناً لمصادرة الأراضي العربية من أصحابها الغائبين اللاجئين، أو من أصحابها الموجودين في إسرائيل، وتلك القوانين كانت تعتمد على الحق اليهودي في تملك الأرض، وكان محظوراً على العرب التنقل بلا تصريح من الحاكم العسكري.

وهكذا وجد العرب أنفسهم غير قادرين على العمل في الأرض على نحو مجدٍ، وذلك جراء المصادرات، والتحكم في موارد المياه من جانب إسرائيل، ولأنهم في الوقت نفسه لم يكونوا أحراراً ليبحثوا عن العمل في المدن.

ثانياً : الفترة الثانية 1967 - 1974، نجحت فترة الحكم العسكري السابقة في عزل الأقلية العربية عن حركات التحرر العربي التي سادت المنطقة في الخمسينات، والستينات، ولكنها لم تنجح في دفع العرب إلى ترك أراضيهم، واللجوء إلى البلاد العربية، بل على العكس ازداد عدد العرب.

وأصبح لهم وزن معين، وبدأوا يحاولون إيجاد هويتهم المستقلة وتعبيرهم السياسي، لذا وجدت الحكومة الإسرائيلية أنه من مصلحة إسرائيل عدم ترك تطور العرب يتم بمعزل عن المصالح الإسرائيلية.

ولهذا أخذت الحكومات الإسرائيلية تبدي بعض الاهتمام بالوضع الاقتصادي العربي وتجري محاولات بسيطة لدمجه في الاقتصاد الإسرائيلي، ففي أواخر السبعينات بدأت الهستدروت تقبل العرب أعضاء في صفوفها، وبدأت الأحزاب الصهيونية تولي المناطق العربية مزيداً من الاهتمام.

ثالثاً : الفترة الثالثة 1976 - و حتى الآن، تتميز هذه الفترة بزيادة الوعي الوطني عند الأقلية العربية، وبقيام تنظيماتها السياسية، وقد تجلى ذلك في تظاهرات الثلاثين من مارس 1976، التي أصبحت تعرف فيما بعد بيوم الأرض، الذي أصبح يوماً وطنياً على امتداد فلسطين وفي الشتات.

وأماكن التواجد الفلسطيني، إذ سقط ستة شهداء من العرب احتجاجاً على سياسة الحكومة الإسرائيلية آنذاك ومصادرتها لنحو 21 ألف دونم من قرى سخنين وعرابة وغيرها من القرى الفلسطينية في الجليل والمثلث.

ولقد توضح في الفترة الثالثة التي مازلنا نشهد فصولها، بأن أصحاب القرار والمخططين في إسرائيل، لا يفكرون في دمج العرب في الحياة الاقتصادية والاجتماعية الإسرائيلية .

والتي يمثل فيها اليهود أكثرية، بل يذهب أصحاب القرار لجهة دخول المناطق العربية، وإقامة مشاريع مشتركة مع العرب، في وقت تعاظم الاهتمام بموضوع الخطر الديموغرافي، وضرورة تهويد الجليل.