تعد جامعة كولومبيا الأميركية، تلك الجامعة العريقة التي تقع في قلب مدينة نيويورك، إحدى أشهر وأغنى جامعات العالم على الإطلاق. وقد أبصرت النور عام 1754 تحت اسم كلية الملك (كينجز كوليدج)، لتكون بذلك واحدة من أقدم مؤسسات التعليم العالي في الولايات المتحدة الأميركية.
ومنذ بداياتها المبكرة ضمت كولومبيا العديد من الكليات المتخصصة والمراكز الطبية الرائدة التي عززت بها عبر السنين كليتيها الأصليتين كلية كولومبيا للشبان، ثم كلية بارنارد للبنات. و تشير سجلات التاريخ إلى أن العام 1784، أي أثناء الثورة الأميركية، شهد تغير الاسم الأصلي للجامعة وهو كلية الملك إلى اسم «كلية كولومبيا» تماشياً مع الروح الوطنية التي كانت سائدة في البلاد وقتها.
وفي 1896 تغير اسم الجامعة إلى «جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك» من أجل التمييز بين المؤسسة الأصلية الخاصة بالدراسة في مرحلة ما قبل التخرج. والتي تحمل اسم «كولومبيا كوليدج»، وبين الجامعة ككل التي كانت في تلك الآونة تتكون من كلية لتدريس العلوم الهندسية في مرحلة ما قبل التخرج وعدد من الكليات الخاصة بالخريجين في مجالات الطب والحقوق والتدريس والعلوم السياسية والفلسفة والعلوم الطبيعية بالإضافة إلى كلية كولومبيا الأصلية للطلبة في مرحلة ما قبل التخرج.
واليوم تُعرف الجامعة من الناحية القانونية باسم جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. والكليات الخاصة بالطلبة غير المتخرجين بها هي كولومبيا كوليدج وكلية فو للهندسة والعلوم التطبيقية وكلية الدراسات العامة.
أقدم سادس الجامعات
و تعتبر جامعة كولومبيا أقدم سادس جامعة في الولايات المتحدة الأميركية وأقدم جامعة في ولاية نيويورك. وأسس الجامعة مجموعة من رجال الدين المنتمين إلى كنيسة الثالوث المقدس ردا منهم على إنشاء الكنيسة البروتستانتية لجامعة برينستون وانتخبوا صامويل جونسون أول رئيس للجامعة. وبدأت الجامعة أولى محاضراتها في السابع عشر من يوليو 1754.
وفي غضون أشهر قليلة أصدر الملك جورج الثاني، ملك بريطانيا العظمى وقتها، ميثاقا ملكيا بتأسيس الجامعة وكان ذلك في الحادي والثلاثين من أكتوبر 1754.
و منذ قيامها، أحاط جدل كبير بالجامعة، وذلك بسبب أنها كانت مؤسسة تابعة بشكل كامل للكنيسة الإنجليزية وقتها وكان يسيطر عليها مسؤولو التاج البريطاني بشكل كامل. وجاء الثراء الكبير الذي تمتعت به الجامعة في تلك الآونة ليؤكد تلك المخاوف، إذ كانت الجامعة تتفوق عمليا بفضل إمكاناتها المادية الرهيبة على جميع الكليات التي كانت موجودة في تلك الفترة.
حرب الاستقلال
وجاءت حرب الاستقلال الأميركية لتضع حدا للنمو المتواصل للجامعة والذي فاق كل الحدود في ضوء ما كانت تتمتع به من إمكانات ودعم مالي كبيرين من التاج البريطاني. ومع مرور السنين بدأت الجامعة تضم وتنشئ عددا من الكليات لتعمل تحت مظلتها. ففي عام 1767 أُنشئت أول كلية أميركية للطب تمنح درجة الماجستير.
ومن بين الطلاب الأوائل الذين درسوا وتخرجوا بكينجز كوليدج كان جون جاي، أول وزير للعدل في الولايات المتحدة الأميركية وأليكسندر هاميلتون، أول وزير خزانة في الولايات المتحدة، وجوفيرنور موريس، مؤلف النسخة النهائية للدستور الأميركي وروبرت آر. ليفينجستون، الذي كان عضوا في لجنة تكونت من خمسة أعضاء كان منوطا بهم صياغة إعلان الاستقلال الأميركي.
وفي 1784 أُعيد فتح الكلية بعد إغلاقها بسبب الحرب الأميركية وذلك تحت اسم كولومبيا كوليدج، وهو الاسم الذي جاء متوافقا مع الروح الوطنية التي كانت تتملك مختلف فئات الشعب في سعيه نحو الاستقلال من المستعمر البريطاني.
وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، استطاعت الجامعة أن تخطو خطوات كبيرة في اتجاه التحول إلى جامعة عصرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وفي 1858 أُنشئت كلية الحقوق ثم صدر قرار بتبعية كلية بارنارد للفتيات إلى الجامعة في 1889. وفي 1891 انضمت كلية الفيزيائيين إلى الكليات التي تعمل تحت مظلة الجامعة وتلى ذلك انضمام كلية التربية في 1893.
وهكذا تواصل نمو الجامعة على مدار السنوات حتى جاء العام 1893 الذي شهد أحد أبرز المحطات في تاريخ الجامعة وهو تأسيس مطبعة جامعة كولومبيا بهدف تعزيز دراسة العلوم الاقتصادية والتاريخية والأدبية والعلمية ودعم نشر الأعمال الأدبية والبحثية الأصلية في مختلف المجالات والميادين. ومن أبرز الإصدارات التي خرجت عن تلك المطبعة كانت موسوعة كولومبيا.
وفي 1902 منح الملياردير النيويوركي جوزيف بوليتزر، صاحب جائزة بوليتزر المرموقة للصحافة، مبلغا كبيرا من المال للجامعة من أجل تأسيس كلية لتدريس علم الصحافة، مما أسفر عن افتتاح كلية الصحافة في 1912.
وتُعرف الجامعة بتميز طبقة الطلاب الذين يدرسون بها، إذ تخرجت منها أجيال من العلماء والباحثين ورجال القانون من أمثال تشارلز أيفانز هيوز وهارلان فيسك ستون اللذين توليا منصب وزير العدل في فترتين متعاقبتين.
وفي عقد الخمسينيات من القرن الماضي، تولى دوايت إيزنهاور منصب رئيس الجامعة قبل أن يتولى مقاليد البيت الأبيض. وقد تسببت البحوث الذرية التي قام بها أعضاء من هيئة التدريس في الجامعة ـ جون آر. دونينغ وآي آي رابي وإنريكو فيرمي وبوليكاربكوس ـ في الشهرة العالمية التي اكتسبها قسم علوم الفيزياء بالجامعة في عقد الأربعينيات من القرن الماضي، وهي البحوث التي ساهمت في قيام ما عُرف بعد ذلك بمشروع مانهاتن، الذي من خلاله صُنعت القنبلة الذرية التي حسمت الحرب العالمية الثانية.
وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أنشئت الجامعة كلية الشؤون الدولية في 1964 بغية التركيز على تخريج أجيال من الدبلوماسيين والاختصاصيين في العلاقات الدولية، حيث تقدم الجامعة لطلابها درجة الماجستير في العلاقات الدولية.
ومن أجل تلبية رغبة عدد كبير من المتخصصين في أن تكون هناك كلية لتخريج محترفين في فن العلاقات العامة والسياسة الجماهيرية، بدأت الكلية منح درجة الماجستير في الإدارة العامة في 1977. وفي 1981 تغير اسم الكلية إلى كلية العلاقات العامة والدولية، وفي 2004 بدأت منح درجة الدكتوراة في التنمية المستديمة.
ويمتد الحرم الحالي للجامعة على مساحة 35 فدانا في حي مانهاتن ويشمل مباني التدريس والمختبرات والمكتبات. كما يجاور الحرم مبنى كلية المعلمين الشهيرة، المرتبط بالجامعة. وتقع في أماكن أخرى من مانهاتن المراكز الطبية التابعة لها. بينما يقع في أقصى شمال المدينة ملعبها الرياضي «بيكر فيلد» في حي برونكس.
وتُولي الجامعة أهمية خاصة للدراسات الشرقية بشكل عام، إذ بدأت في دراسة مختلف الفنون الآسيوية منذ قرن، لتكون بذلك أول جامعة أميركية تفتح فصولا للدراسة الآسيوية.
ويقول رئيس الجامعة ليي بولينجر إن جامعته بها اكبر مكتبة للدراسة الآسيوية خارج آسيا حيث تزخر ب750 ألف مجلد من الكتب و5500 مجلة حول اللغات الصينية واليابانية والكورية، إلى آخره.
وتُظهر الإحصاءات غير المكتملة أن حوالى40 في المئة من الطلبة الدوليين والباحثين الزائرين في جامعة كولومبيا يأتون حاليا من شرق آسيا وجنوب شرق آسيا ويأتي ما بين600 إلى 1000 منهم من الصين.
وقال بولينجر إن جامعة كولومبيا تجذب العقول الممتازة من آسيا وتستفيد أيضا من اتصالاتها الوثيقة مع خرجيها في جميع أنحاء آسيا. وذكر بولينجر انه أعجب بشدة بالتغييرات الجذرية التي حدثت في عدد من الدول الآسيوية وعلى رأسها الصين وحيوية المدن الكبرى بها مثل بكين وشانغهاى.
وأكد أن الجامعات الصينية على سبيل المثال، والتي يرى من وجهة نظره أنها تحتاج بشكل ملح إلى بناء نفسها لتصبح جامعات من الدرجة الأولى، تسعى بشكل فاعل إلى التعاون مع نظيراتها الأجنبية.
وقال إنه بفضل مساعدة التمويلات الحكومية، تقوم الجامعات الأميركية بعمل جيد في تحويل نتائج الأبحاث العلمية إلى الاستخدام الفعلي، وإن جامعة كولومبيا، التي تحتل المرتبة الأولى بين مؤسسات التعليم العالي في الولايات المتحدة الأميركية على مستوى الأبحاث العلمية، تحصل على400 مليون دولار أميركي من التمويلات الحكومية سنوياً.
إعداد وترجمة: حاتم حسين

