الحوار مع الآخر وفهمه لا بد أن يكون نابعا من قناعة وإيمان بأهمية هذا الآخر وضرورة التعايش معه وهذه القناعة لن تتواجد بين ليلة وضحاها وان حرصنا على عقد المؤتمرات وتنظيم اللقاءات التي تجمعنا بالآخر.
ولكن المطلوب الحقيقي هو أن تكون لغة الحوار والانفتاح ثقافة وسلوكا يدرس في مدارسنا وجامعاتنا وأن ينشأ الشباب على قناعة بأهمية التواصل مع أمثالهم من مختلف الدول العربية والأجنبية.
وليس مجرد البقاء في أماكننا والتواصل مع بعض الأصدقاء من خلال الانترنت بل يجب أن يأخذ التواصل شكلا مرتبطا بتبادل الخبرات والمعارف والثقافات بعيدا عن التعصب الديني أو العرقي أو اللغوي لأننا أحوج في المرحلة الراهنة لهذا التقارب مع العامل السابق فلا يمكن تجاهل الآخر واعتباره غير مهم أو غير مؤثر.
الداعية الإسلامي الحبيب الجفري ذكر أننا نؤمن كثيرا بالتعايش مع بعضنا البعض والنقاش والحوار البناء دون تجريح أو مساس بالعقائد والأديان ونحن كعرب ومسلمين مقصرون كثيراً في توصيل الصورة الصحيحة عن الدول الإسلامية وشبابها المثقف والمتعلم.
مشيرا الى أن لديهم قناعة كاملة بدور الشباب لأنهم الأكثر قدرة على التواصل مع الثقافات الأخرى وهم قادة المستقبل ويجب تفعيل دورهم في تحقيق التقارب الحضاري والثقافي.
وقال إن الحرص على إقامة الفعاليات والمؤتمرات المشتركة التي تعطي المجال للتواصل بين شبابنا العربي والشباب الغربي يأتي بهدف إبراز الواقع الفعلي لنا الذي يتميز بالتسامح والرقي والانفتاح ولنقدم نماذج عربية مضيئة وواقعية كما لا بد من تفعيل دور الإعلام العربي لدينا وتقديم رسائل إعلامية حقيقية تبرز العرب المسلمين وتواجه ما يبث من إعلام موجه ضدنا.
وأشار إلى أنه لمس العديد من المفاهيم الخاطئة لدى الشباب الغربي حول الواقع العربي الإسلامي وهذا يعني أن علينا مسؤولية كبيرة تجاه تصحيح هذه المفاهيم وكذلك الشباب العربي ليس لديه خلفيات واضحة حول ما يدور في الدول الأوروبية وبالتالي هناك حاجة ماسة إلى مزيد من التقارب والحوار لأننا مقصرون كعرب ومسلمين في حق أنفسنا.
وأشار الجفري إلى ضرورة أن تدرس ثقافة الحوار في المدارس وأن نعمل على توعية أبنائنا منذ الصغر بأساليب الحوار البناء ونوجه الشباب للحديث عن نفسه ليكون شبابا منتجا يدرس الحوار كسلوك وأسلوب حياة في مجتمعاتنا.
مفاهيم راقية
الدكتور سليمان موسى الجاسم مدير جامعة زايد ذكر أهمية الانفتاح على الآخر والتواصل مع الثقافات الأخرى وأن دولة الإمارات تؤمن بالحوار البناء مع العالم لذلك تحرص على استضافة الفعاليات التي تدعم هذا التوجه.
والتي تناقش حرية الفكر والعقيدة دون مساس بالمقدسات والأديان وهذا يعبر عن هوية الدولة العربية والإسلامية الأصيلة واحترامها للقيم والعادات وحرصها على نشر مبادئ التسامح والإخاء بين الشعوب.
وأشار إلى حرص الجامعة على طرح هذه المفاهيم الراقية الحضارية لطالباتها من خلال المساقات الدراسية وبرامجها المتطورة وبعثاتها الخارجية بهدف اطلاع الطالبات على الحضارات والثقافات المختلفة كما تهتم الجامعة باستقطاب كبار المفكرين وتنظيم المؤتمرات والندوات التي توسع مدارك الطالبات وتزيد من وعيهن الثقافي والفكري وتعمق أساليب الحوار والنقاش مع الآخر.
مؤتمرات التقارب
وذكر وليد محمد من مؤسسة طابة لتنظيم المؤتمرات أن المؤتمرات التي تعني باظهار الصورة الحقيقية للعرب والمسلمين وتفسح المجال أمام الشباب الغربي لرؤية الواقع في الدول العربية أصبحت مطلبا أساسيا.
ومهما لأننا لا نعدل من صورة بل نحن نزيل التشويه الذي حدث على صورة العرب والمسلمين في الغرب بعد العديد من الأحداث العالمية، وهذا واجب كل مسلم وعربي منا تجاه ذاته وتجاه المسلمين الموجودين في العالم الغربي.
مشيرا إلى أن الدانمارك أحد البلدان التي أثير حولها جدل في الآونة الأخيرة بسبب الرسومات الكاريكاتورية التي تمس بالرسول صلى الله عليه وسلم تضم نحو 200 ألف مسلم، فالمسلمون جزء من حضارات دول عديدة لذلك فإننا ندعو إلى هذا الفهم للحضارات لأن الحضارة تضم أكثر من ديانة فمثلا في الإمارات هناك أناس يمثلون أجزاء من حضارات عدة والجميع يتعايش ويشعر بالاستقرار.
حوارات غير رسمية
الطالبة حسنة سالمان من سنغافورة وتدرس دراسات إسلامية في الجامعة العالمية الإسلامية في ماليزيا، ذكرت أنها زارت الإمارات مؤخرا في إطار ملتقى الحوار الإسلامي الدانماركي وأنها لأول مرة تزور بلدا عربيا.
ولكنها اعتبرت الزيارة فرصة للانفتاح والاندماج مع ثقافات وحضارات أخرى في ظل اختلاف الشباب المشارك من عرب وأجانب، مشيرة إلى أن المؤتمرات التي تعقد تتميز بأنها تتيح الفرصة لوجود حالة غير رسمية للتقارب.
حيث يلتقي الشباب ويتناقشون بحرية دون قيود ويتم تبادل الأفكار والمعلومات بينهم. وقالت إن الحوار درجات وأفضلها الحوارات غير الرسمية بين الطلاب من مختلف بلدان العالم ولكنها تحتاج إلى وقت للتفاهم والتقارب لذلك هناك إمكانية للتواصل عبر الانترنت ولكن الحوار المباشر أكثر فائدة كونه يجعل منهم سفراء حقيقيين في بلدانهم لنقل ما يرونه أمامهم.
الأديان واحدة
مورتن سكرويلرونج طالب من الدانمارك زار عدة دول عربية وإسلامية منها لبنان والجزائر ودرس عن الإسلام في الهند ولكنه زار الإمارات لأول مرة خلال فعاليات ملتقى الحوار العربي الإسلامي وهي أول دولة يزورها في منطقة الخليج.
وهو سعيد بالتعرف على الدول والثقافات الأخرى لأنه مؤمن بأننا جميعا بشر تجمعنا صفات عديدة مشتركة ونعيش في كوكب واحد ويرى كذلك أن هناك أشياء مشتركة بين الديانتين الإسلامية والمسيحية لأنهما تدعوان للمحبة والتسامح والتفاهم والإنسانية.
الوحدة العربية
أما الطالب مادس ايريك شيونيمان من جامعة كوبنهاجن في الدانمارك ويدرس إدارة أعمال أوضح أن له العديد من الأصدقاء من العرب والمسلمين الذين اكتسب معرفتهم من زياراته لدول مثل الأردن ومصر والسودان وأذربيجان.
وذلك كونه يهوى السياحة والمشاركة في الفعاليات العالمية التي تخلق جوا مشتركا بين الشعوب والثقافات وأشار إلى أنه لا يجهل العرب كثيرا لأن هناك عربا في الدانمارك وقد تعامل معهم وعرفهم.
الوفود الطلابية
الطالبة بدور القبيسي من جامعة زايد شعرت بالفارق الكبير بين من يخرج من تفكيره المحدود وبين من ينعزل داخله، فهي في جامعة زايد تعرضت للعديد من فرص الاحتكاك بثقافات مختلفة سواء داخل الدولة أو خارجها، فالزيارات التي تقوم بها وفود طلابية من مختلف بلدان العالم إلى الجامعة ويتم استضافتهم أمر أثر كثيرا في تبادل الأفكار والخبرات بينهم وبين شباب من حضارة وفكر مختلف.
وكثيرا ما رافقت وزميلاتها الوفود الطلابية وتحدثوا إليهم، كذلك المؤتمرات العالمية التي تنظمها الجامعة يكون هناك حرص على تفعيل الحوار غير الرسمي مع الطلاب والشخصيات المشاركة من خلال ورش العمل وحلقات النقاش المفتوحة والتي تخلق جوا من التعارف والصداقة والوئام يصعب تواجده في أماكن أخرى.
شعوب منغلقة
وتشير بدور إلى الرحلات الخارجية التي توفرها الجامعة للطالبات حيث شاركت في رحلتين إحداهما إلى فرنسا والأخرى إلى الأمم المتحدة، وأهم نتائج تلك الزيارات الاطلاع على حضارات تلك البلدان وطريقة معيشة وتفكير الناس هناك وخبراتهم عن العرب والمسلمين .
وأضافت ان الفكرة عن العرب محدودة لدى الكثير من الغربيين بسبب طبيعة الإعلام لديهم التي تظهر العرب على أنهم شعوب منغلقة على ذاتها بينما عندما نلتقي الشباب الغربي نجد أنه يفاجأ بابنة الإمارات وما تحمله من تقدم ورقي وانفتاح ولذا فإنهم كبنات زايد يعملن كسفيرات لبلدهم ويسعين إلى تقديم صورة حقيقية وصحيحة عن المرأة العربية والمسلمة.
وذكرت أن الشباب الغربي يحاول القراءة عن الدول العربية وحياة العرب أكثر من الشباب العربي في قراءته عن الغرب وأن الغالبية منا يستقي معلوماته من الإعلام، لذا فان الصورة المنقولة لكل طرف عن الآخر غير دقيقة ومشوهة والحوار والانفتاح هما السبيل إلى التقارب والتفاهم لأن الخلافات كلها نابعة من جهل وعدم فهم للآخر.
مهارة الإقناع
مي الطائي تعمل في معهد الابتكار التكنولوجي التابع لجامعة زايد أوضحت أنها لمست لدى الأجانب تخوفا من التعرف على العرب والمسلمين وذلك خلال تواجدها في بريطانيا حيث كانت العربية الوحيدة التي تدرس بين 120 طالبا وطالبة، ولكن مع الوقت تحول التخوف إلى فضول وبدأ بعض الطلاب التعامل معها والاستفسار حول العرب والإسلام، وأهم شيء.
كما تقول مي أن يكون لدى الشخص قدرة على الحوار الصحيح دون هجوم أو تجريح في الآخر كما أنه لا يجب الاهتمام بمجرد إيصال معلومات بل إن بعض الطلاب تحدثوا إليها عن رغبتهم في معرفة الإسلام أكثر وربما الدخول فيه إذا هي أقنعتهم وبالتالي فان الإقناع مهارة لا بد أن يتمتع بها الشباب اليوم.
بناء شخصية الطالب
وأضافت الطائي أن الغرب يشعر أننا مختلفون عنهم ولكن موضع وطبيعة الاختلاف غير واضح لديه لأن الإعلام لديهم يتحدث عنا بعشوائية ودون أساس صحيح أو منصف وبالمقابل إعلامنا لا يبذل الجهد المطلوب لتوضيح الصورة الحقيقية للعرب والمسلمين.
كما تذكر مي أن شباب اليوم عليه مسؤولية كبيرة تجاه التقارب والحوار مع الآخر كل من موقع عمله وهواياته لأن الأحداث الراهنة وعصر العولمة يتطلب منا ذلك.
وترى أن أسلوب وسلوك الحوار البناء مهارة يجب أن ينشأ الأبناء عليها في المدارس والجامعات وأنها تطورت موهبتها في الحوار من خلال جامعة زايد التي تحرص على بناء الشخصية ولكن المدارس لم تكن تعنى بهذه الجوانب من الشخصية الطلابية ولكن بدأت الأنشطة المدرسية تتجه نحو تعويد الطالب التعبير عن رأيه والمشاركة الفعالة.
تحقيق: لبنى أنور

