رغم الفرص الهائلة التي أتاحتها الثورة المتسارعة في وسائل الاتصال وتقنية المعلومات والإمكانات الكبيرة التي وفرتها للإعلاميين بمختلف مجالاتهم وتخصصاتهم، إلا أن التحديات والمخاطر التي تهدد حياة وعمل المنتمين إلى مهنة المتاعب والبحث عن الحقيقة تتزايد هي الأخرى بصورة مطردة ومتعاظمة وتتعدد مصادرها أكثر فأكثر.
فلم تعد الحكومات وسلطاتها الأمنية والرقابية هي مصدر التهديد الوحيد لحياة الصحافيين أو لأداء رسالتهم الإعلامية والتنويرية، بل أصبحت هناك جماعات ضغط و«لوبيات» متنوعة ومافيات متصارعة ومجموعات إرهابية ليست لها أهداف معروفة أو دوافع واضحة.
فضلاً عن الحروب والنزاعات التي تنشر العنف والفوضى وتعصف بالأمن وتدوس على المواثيق والأعراف الدولية المتعلقة بحرية التعبير وحماية الصحافيين في أوقات الحرب والسلم على السواء.
لذلك عمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1993 إلى إقرار الثالث من مايو يوماً عالميا لحرية الصحافة بناء على توصية سابقة من منظمة اليونسكو.
لكن السؤال الملح الذي يفرضه واقع الممارسات المشينة التي يتعرض لها الإعلام والإعلاميون في مختلف أنحاء العالم، من قتل وتعذيب ومصادرة للحقوق والحريات، هو: هل يكفي يوم واحد في السنة لحماية الإعلاميين ومواجهة ما يتعرضون له من ممارسات تعسفية ضدهم ومن تهديد لحياتهم؟
إن الجهود الحثيثة التي تقوم بها المنظمات والنقابات المهنية الإقليمية والدولية لم تفلح حتى الآن في حماية الصحافيين من التعرض للقتل والاغتيال والسجن والتعذيب والمصادرة والإغلاق، ليس في الدول التي توصف بـ «النامية» أو «دول العالم الثالث» فحسب، وإنما في دول كانت تعتبر «جنة الحريات» وراعية الحقوق الفردية والمثال الأرقى للشفافية الإعلامية وحرية التعبير، قبل أن تتحول إلى «سجان أكبر» ونموذج لعولمة انتهاكات حقوق الإنسان وحريات الأفراد والشعوب!
وقد كان العام المنصرم 2005 أكثر الأعوام دموية بالنسبة للصحافيين منذ عام 1995، حيث قتل العام الماضي 63 صحافيا مقارنة مع 53 عام 2004، بينما كان عدد شهداء الكلمة 64 عام 1995.
حسبما جاء في التقرير السنوي لمنظمة «مراسلون بلا حدود» الصادر منتصف أبريل الماضي كما تعرض أكثر من 1300 صحافي للاعتداء أو التهديد خلال 2005 وارتفعت حالات مصادرة وسائل الإعلام بنسبة تجاوزت 61% مقارنة مع عام 2004!
ومنذ بداية العام الحالي 2006 وحتى الخامس من أبريل قتل 15 صحافيا وستة من العاملين الفنيين في مجال الإعلام، بينما تعرض للسجن 120 صحافيا و59 من الفنيين والمشتغلين في الصحافة الإلكترونية وعبر مواقع الانترنت.
وفي كل هذه السنوات كانت الدول العربية صاحبة النصيب الأكبر من شهداء الصحافة وصناع الكلمة الباحثين عن الحقيقة والساعين لكشفها وإيصالها إلى جمهور المتلقين، فقد قتل في الجزائر وحدها 22 صحافيا عام 1995 في ذروة الحرب الإرهابية المجنونة التي روعت البلاد.
بينما قتل 24 العام الماضي في العراق تحت سلطة الاحتلال على الرغم من الانتشار الكثيف لقواته ومن مسؤوليته القانونية عن حفظ الأمن والنظام في البلد المحتل، كما قتل فيه ستة صحافيين خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام!
وبمقارنة مراكز الدول العربية في الترتيب العالمي للحريات الصحافية الذي تصدره سنويا منظمة «مراسلون بلا حدود» نجد أن حالة الحريات الصحافية لم تتحسن في معظم الدول العربية، وربما تراجعت أكثر من السابق، حيث إن لبنان الذي تصدر الدول العربية عام 2001 تراجع إلى المركز الخامس عام 2005 تاركا موقع الصدارة للكويت التي جاءت في المرتبة الخامسة والثمانين عالميا بعد أن كانت في المركز الثامن والسبعين عام 2001.
كما أن العراق الذي احتل المرتبة الأخيرة في ذلك العام تقدم خطوة واحدة العام الماضي لتحل محله ليبيا في المركز الأخير عربيا وفي الترتيب 163 عالميا!
غير أن الصورة ليست كلها بهذه القتامة، حيث ما زالت هناك بقع عربية مضيئة تحتضن الإعلام والإعلاميين وتمنحهم التقدير والتكريم اللائق بجهودهم وتضحياتهم في سبيل التعبير الحر والكلمة الصادقة والكشف عن الحقيقة التي قد يدفعون حياتهم ثمنا للوصول إليها.
والنموذج الأبرز لهذا التقدير والتكريم يتمثل في جائزة الصحافة العربية التي أنشأها عام 1999 صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، والتي تمنح سنويا للمتميزين في 12 فئة مهنية مختلفة إضافة إلى شخصية العام الصحافية، ويتم خلال فعاليات الجائزة السنوية تكريم الصحافيين الذين تعرضوا لاعتداءات أثناء أداء عملهم وكذلك تكريم اسر شهداء الكلمة الذين قتلوا أو اغتيلوا.
كما يصاحب هذا «الأوسكار» الصحافي «منتدى الإعلام العربي» الذي حضره هذا العام أكثر من ألف صحافي من شتى الأقطار ومن مختلف المؤسسات الإعلامية العربية، ليكون بذلك أكبر تجمع يؤمه الإعلاميون العرب من داخل الوطن الكبير أو من مهاجرهم المختلفة، لعرض تجاربهم ورؤاهم والبوح بهمومهم، نحو مزيد من إثراء التجارب الإعلامية العربية وتحقيق التكامل الإعلامي علّه يقود إلى التكامل في مجالات عربية أخرى.
والأهم من مناسبة الجائزة وفرصة اللقاء والحوار، هو القناعة الراسخة والرؤية العميقة لدى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم التي كان من ثمارها هذه الجائزة وهذا المنتدى، والتي عبر عنها أثناء لقائه مع نخبة من الإعلاميين الذين شاركوا في أعمال المنتدى عندما قال سموه: «إن الصحافة والإعلام هما لسان حال الأمة فإذا فسدتا فسدت وإذا صلحتا صلحت واستقامت».
وهكذا يمكن التوصل إلى حل لمعادلة الجمع بين الحرية والمسؤولية، وتحقيق الانسجام والتكامل بديلا للتنافر بين سلطة الحكم وسلطان الكلمة وفي أجواء هذا الحدث الإعلامي المتميز وعشية اليوم العالمي لحرية الصحافة التقينا بعض الوجوه والشخصيات الإعلامية التي جمعت بين التجربة المهنية والمعاناة الإنسانية في سبيل أداء واجبها المهني أو دفاعا عن حرية الكلمة والتعبير.
إعداد: عبد الله إسحاق