يحذر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني من أن العراق آخذ بالتحول إلى «معسكر لتجنيد المتشددين، الذين يصدّرون الإرهاب إلى بلدان أخرى في المنطقة»، الأمر الذي يجعل من «إرساء دعائم الاستقرار والأمن في ذلك البلد» أمرا ملحا.

في مقابلة مع وكالة الأنباء الإسبانية «إفي»، بمناسبة الزيارة التي قام بها العاهل الإسباني وعقيلته إلى الأردن أخيرا، يعبر الملك الهاشمي أيضا عن اعتقاده بأن اللحظة التي تمر بها عملية السلام في الشرق الأوسط «خطيرة بصورة لا تصدق».

وفيما يلي نص الحوار:

ـ هل تعتقدون بوجود خطر حرب أهلية في العراق؟ وهل تعتقدون بأن التدخل الأميركي من أجل الإطاحة بصدام حسين كان فكرة جيدة؟ وهل تظنون بأن الاستقرار يمكن أن ينتشر في المنطقة كلها؟

ـ تأثيرات الحرب محسوسة في كل المنطقة، لأن العراق آخذ بالتحول إلى معسكر للتجنيد بالنسبة للمتشددين، الذين يصدّرون الإرهاب إلى بلدان أخرى في المنطقة، على غرار ما حصل في عمّان خلال نوفمبر الماضي.

حين قام ثلاثة إرهابيين بقتل 60 شخصا في اعتداءات انتحارية ضد ثلاثة فنادق. لذلك، فإن الأولوية في هذه اللحظة ليست لتقويم من هم مع الغزو ومن هم ضده، وإنما الأولوية هي لإرساء الاستقرار والأمن في العراق وصون وحدته.

ـ في ظل مشهد عام آخذ بالتعقيد بصورة متعاظمة، هل تعتقدون، مثل غالبية البلدان العربية، بإمكانية الوصول إلى الحل عن طريق انسحاب القوات الأجنبية؟ ألا تظنون بأن تلك الخطوة قد تغرق البلاد في الفوضى؟

ـ كلنا قلقون من تدهور الوضع الأمني في العراق، وهمنا يتمثل في قدرة العراقيين على حكم أنفسهم بأنفسهم في بلد آمن، ونحن ما زلنا ملتزمين بمساعدتهم على استعادة السيطرة على بلادهم دون تعريض أمنها للخطر.

لقد قلنا مرات كثيرة إنه من أجل الحيلولة دون أن تفلت الأوضاع من بين الأيدي، فإن الحاجة ملحة لجهد الجميع، من قادة سياسيين ودينيين في العراق ومن الدول العربية والمجتمع الدولي.

الأردن من جانبه يبذل كل ما بوسعه من أجل أمن العراق والحفاظ على وحدته وسيواصل تقديم العون له بأي طريقة متاحة. القوات المسلحة الأردنية قامت بتدريب أكثر من 7000 جندي عراقي، أكثر من ثلثيهم داخل العراق، وأكثر من 3200 رجل شرطة.

ـ شهد الشرق الأوسط في الأشهر الأخيرة انقلابا في المشهد السياسي العام. هل ترون عملية السلام في خطر إثر فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية؟

ـ منذ فترة ونحن نحذر من أننا سنجد أنفسنا، خلال عام أو عامين، أمام وضع ليس فيه أي شيء نتفاوض عليه. وفي هذه اللحظة، ثمة عدد من العوامل من داخل المنطقة وخارجها يهدد بشكل مباشر عملية السلام، أحد تلك العوامل هو عدم القدرة على فهم الواقع الدولي.

وهناك عامل آخر يكمن في خطر الأعمال أحادية الجانب وأخيرا هناك قرار معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره الديمقراطي والسيادي، الأمر الذي يمكن أن يقودنا إلى أزمة إنسانية على مستوى كبير ستغذي مجددا موجة من السخط والاستياء وستجعل من الصعب العودة إلى المفاوضات في المستقبل القريب.

ـ هل ترون أننا أقرب إلى السلام في ظل حكومة جديدة يشكلها حزب «كاديما» بالتحالف مع حزب العمل في إسرائيل؟ وما الذي بوسع العرب القيام به للحيلولة دون إقدام إسرائيل على خطوات أحادية الجانب؟

ـ هذا الزلزال السياسي قد غيّر إسرائيل والأراضي الفلسطينية وعملية السلام تواجه الآن وضعا خطيرا بصورة لا تصدق، ولمصلحة الفلسطينيين والإسرائيليين.

وكل شعوب المنطقة التي تعاني جراء النزاع، ينبغي على المجتمع الدولي والدول العربية والسلطة الفلسطينية وإسرائيل التصرف بمسؤولية وتحديد الفرص في هذه الرمال المتحركة وهذا ينطبق على جميع الأطراف المعنية، حيث لا يقتصر الأمر على هذا الطرف أو ذاك فحسب.

ـ فيما يتعلق بالاعتداء الثلاثي الذي وقع في عمان في نوفمبر الماضي، أدانت حكومتكم بقوة «منطق تبرير العنف» الموجود في العالم العربي على خلفية دينية. ما الذي تستطيع الحكومات العربية القيام به لمحاربة هذه الظاهرة؟

ـ الأردن يدين الإرهاب بشكل غير مشروط ولا لبس فيه. كما أننا نعتقد أنه من الضروري الأخذ في الاعتبار منابع الشعور بالخيبة والإحباط، التي تجعل الناس يقعون ضحية أيديولوجيات متشددة..

بوسعنا المساعدة على شل جاذبية الأيديولوجيات المتشددة عن طريق إنهاء النزاعات الإقليمية والقضاء على فئة الإحباط واليأس، التي تغذي خطاب التطرف. ونحن في الأردن أدركنا أننا لا نستطيع التعامل مع ديننا بطريقة لا جدال فيها، ذلك أنه ثمة أناس يحاولون تشويهه بمقاصد سياسية خسيسة. لذلك، فإن أولويتنا في البلاد ستكون إعادة التأكيد على القيم النبيلة في الإسلام.

ـ هل الإسلام منيع على الديمقراطية؟ وإذا لم يكن كذلك، فلماذا لا يوجد سوى القليل من الديمقراطية في العالم الإسلامي؟

ـ يمكن للدين والديمقراطية أن يتكاملا، وهناك ثروة عظيمة من الأدب الذي عرض لهذه العلاقة بينهما، لا سيما فيما يتعلق بالإسلام. في الواقع، الإسلام يعانق المبادئ الديمقراطية، لكن، في الوقت نفسه، استبعاد الدين من الحياة العامة ليس شرطا لإقامة الديمقراطية.

ـ إيران واقعة وسط إشكالية كبيرة مع الغرب بسبب برنامجها النووي. هل تتفقون مع الفكرة السائدة في العالم العربي القائلة بأن الغرب يكيل بمكيالين؟

ـ هدف الأردن هو السلام في الشرق الأوسط. ولقد طالبنا في ظل هذا الهدف بمنطقة خالية من الأسلحة النووية ومن أسلحة الدمار الشامل الأخرى والأردن هو أحد الموقعين على معاهدة عدم الانتشار، التي تطلب إلى جميع البلدان، بما فيها البلدان التي لديها أسلحة ذرية، إقامة عالم خال من الأسلحة النووية.

ـ على ضوء زيارة العاهل الإسباني وعقيلته إلى بلدكم، ما طبيعة اللحظة التي تمر بها العلاقات الثنائية؟

ـ العلاقات الإسبانية- الأردنية لها تاريخ طويل ودافئ، مضى عليها عقود من الزمن.

فلقد كان كل من جدي ووالدي على حد سواء يكنان تقديرا خاصا لإسبانيا وبلدكم كان من البلدان الأولى التي استقبلتني عام 1999، بعد أن توجت ملكا، وزيارة العاهل الإسباني وعقيلته للأردن لها وقع خاص لدى الأردنيين جميعا.

وبلدانا يتشاطران قيما كثيرة وثمة جوانب كثيرة أيضا في الثقافة الإسبانية التي تحظى بالإعجاب في الأردن، حيث يتم انتهاز فرصة وجود معاهد مثل معهد سيرفانتيس لتعلم ثروتكم الثقافية. كما أن إسبانيا قد ساهمت بشكل نفيس في ميادين الصحة والسياحة والزراعة والمياه والتعليم في الأردن.

ـ ما الدور الذي يمكن لإسبانيا أن تلعبه في السعي إلى مزيد من الاستقرار في الشرق الأوسط. وهل يمكن أن يشكل تحالف الحضارات( مبادرة أطلقها رودريغيز ثباتيرو ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان) طريقا لتفاهم أوسع؟

ـ أي مبادرة تؤخذ على أساس احترام الآخر واحترام معتقداته وتقاليده وتهدف إلى تجاوز الأحكام المسبقة والاستقطاب هي مبادرة مرحب بها للغاية.. أعتقد بأنه فضلا عن آلاف الأمور الأخرى التي ساهمت بصياغة السلام والاستقرار في المنطقة، قد وفرت مساهمة لا تقدر بثمن بالنسبة لموضوع الأمن .

ـ ما هي أولويات الأردن على صعيد السياسة الداخلية؟

ـ لقد أطلقنا الأجندة الوطنية في نوفمبر الماضي،وهي تمثل خارطة طريقنا إلى التطور في السنوات المقبلة وتضم عناصر من الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ونحن نعمل، من منظور سياسي صرف، على تعزيز الأحزاب السياسية.

ترجمة: باسل أبو حمدة