تمضي هذه الحلقة الجديدة من كتابنا في سرد جانب مهم من مسار القضية الفلسطينية معتمدة على لغة الأرقام والتوقعات الخاصة بتحولات الخارطة الديمغرافية في أرض فلسطين.

حيث تبين حجم الجهد المبذول، إن لم نقل المسعور، الذي تقوم به الحركة الصهيونية عموماً والدولة العبرية على وجه الخصوص للحيلولة دون اختلال الميزان الديمغرافي هناك لصالح الفلسطينيين، الذين من واجب محيطهم العربي تجاههم توفير شروط استمرار وتصاعد حالة الصمود الأسطورية، التي يسطرونها على الأرض المقدسة، لا سيما وراء الخط الأخضر.

حيث بؤرة الصراع الأولى وجبهة التماس الأولى أيضاً مع دولة تثبت يوماً بعد يوم انها دولة الإرهاب المنظم الأولى في العالم، وانها لا تتورع عن تسخير كل إمكانياتها الهائلة في خدمة مشروعها العدواني، مدعومة من قبل القوى الكبرى المتعاقبة في التاريخ المعاصر.

ثم يحاول الكتاب طرح العديد من الأسئلة المشروعة والإجابة عليها، من نوع: ما هي حقيقة المجزرة في الفكر الصهيوني ،وما هي المجازر التي ارتكبها أربابه على مدار 58 سنة مرت منذ النكبة الكبرى؟

تحاول إسرائيل بناء المداميك القوية لرسم صورتها المستقبلية عام 2020 كدولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، بعد ان أصبحت حقيقة في المشهد السياسي الدولي، وقد عزز هذا التفكير في إسرائيل بنيتها الديمغرافية التي يشكل الاشكناز نحو 40% من سكانها، ناهيك عن نظامها الديمقراطي إزاء اليهود بشكل خاص.

وكان الهاجس الديمغرافي لأصحاب القرار في إسرائيل حاضراً بقوة نظراً لحساسيته، حيث العديد من الركائز في إسرائيل تعتمد عليه، فالهجرة اليهودية إلى الأراضي المحتلة وطرد العرب من أرضهم، وبناء المستوطنات بعد مصادرة الأراضي العربية، والإبقاء على عوامل الجذب لمزيد من يهود العالم تعتبر عناوين رئيسية تخدم الأهداف الديمغرافية والاستراتيجية لإسرائيل في نفس الوقت.

ففي نهاية كل عام يصدر عن مكتب الإحصاء الإسرائيلي تقرير يبرز أهم المعطيات عن السكان والاقتصاد وبعض الخصائص الاجتماعية وتقديرات وإسقاطات لما سيكون فيه الوضع في أعوام مقبلة، ويقوم بذلك أكاديميون وباحثون متخصصون في علم الاجتماع والإحصاء والديمغرافيا، كما ويشارك في التخطيط بناء على المعطيات الرقمية أصحاب قرار إسرائيليون واستراتيجيون.

وفي المجموعة الإحصائية الإسرائيلية السنوية لعام 2004 الصادرة عن مكتب الإحصاء نستطيع تلمس معطيات ديمغرافية مهمة جداً، ومن أهمها احتمال حدوث خلل في الميزان الديمغرافي لصالح العرب في فلسطين التاريخية على المدى البعيد.

حيث يتزايد العرب مقارنة باليهود بوتائر عالية بفعل الخصوبة المرتفعة عند النساء العربيات، وذهب بعض السياسيين الإسرائيليين وكذلك الأكاديميين إلى إطلاق تصريحات تضمنت حلولا عنصرية خاصة بالمواطنين العرب داخل حدود دولة إسرائيل التي أنشئت بالقوة عام 1948 في ظروف استثنائية دولية وإقليمية.

فقد أثارت المعطيات الديمغرافية التي حملتها المجموعة الإحصائية الإسرائيلية مخاوف كبيرة لدى معظم السياسيين الإسرائيليين أيضاً حين شملت هذه المعطيات سكان إسرائيل في عام 2004.

حيث بلغ مجموعهم حوالي ستة ملايين وسبعمائة وخمسين ألف نسمة، بما في ذلك سكان الأراضي المحتلة في مدينة القدس الشرقية وهضبة الجولان السورية المحتلتين منذ عام 1967، ولا يشمل هذا العدد الأجانب الذين يسكنون في إسرائيل، الذين بلغ عددهم حتى نهاية عام 2004، نحو 238 ألفا.

وخاصة أولئك الذين اصطلح على تسميتهم « اليهود المطعون بيهوديتهم « وآخرين نصفهم يهودي والنصف الثاني مسيحي، بينهم 516 ألفا من اليهود المهاجرين الجدد المطعون بيهوديتهم والمسجلين بغير اليهود في سجلات وزارة الداخلية. وأظهرت المجموعة الإحصائية أن نسبة العرب في إسرائيل بلغت حوالي 19%.

فيما بلغت الزيادة السكانية في إسرائيل مائة وستة عشر ألفاً. ونوهت دائرة الإحصاء في تقريرها إلى أن نسبة الزيادة السكانية في العام 2004 كانت الأقل منذ عام 1990.

ومرد هذا الانخفاض في وتيرة الزيادة السكانية، يعود إلى انخفاض عدد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل حيت ساهمت الهجرة اليهودية إلى إسرائيل بنسبة 9 % من مجمل الزيادة السكانية، في حين ساهمت الهجرة بنحو 65% من الزيادة خلال الفترة الممتدة منذ عام 1990 وحتى عام 1999، وقد هاجر إلى الأراضي المحتلة نحو مليون ومئتي ألف يهودي من دول الاتحاد السوفييتي السابق.

وأشارت المعطيات السكانية الخاصة بالعرب الفلسطينيين الموجودين بين النهر البحر إلى أن عددهم قد بلغ نحو خمسة ملايين ومائتي ألف فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وداخل إسرائيل.

وأفادت معطيات دائرة الإحصاء الإسرائيلية، أن اليهود سيصبحون أقلية في هذه المنطقة في غضون أقل من عشر سنوات، فيما أفاد الخبير وعالم الاجتماع الإسرائيلي أرنون سوفر، أن اليهود هم الآن عملياً أقلية، خاصة إذا ما تم ضم أكثر من 350 ألف نسمة من غير اليهود من أصل نحو (4,5) ملايين يهودي في إسرائيل، فإن اليهود يصبح عددهم أقل من عدد العرب.

في حين لم يتفق بقية خبراء الديمغرافيا في إسرائيل مع رأي سوفر المذكور، فهم يشيرون إلى أن التوازن الديمغرافي القائم حالياً بين اليهود وبين العرب داخل الخط الأخضر يصل إلى نسبة 20 % ـ 80 % وكان هؤلاء الخبراء يردون على التصريحات العنصرية التي أطلقها نتنياهو في مؤتمر هرتسيليا قبل عامين، وإن هذا التوازن سوف يستمر داخل إسرائيل في حال استمر تدفق موجات الهجرة اليهودية إلى إسرائيل. غير أن سوفر، يصر على رأيه قائلاً:

«إننا نمر بعملية انهيار ديمغرافية، فالخريطة الديمغرافية في القدس، وفي النقب، وفي الجليل، تؤشر إلى مظاهر الخراب التي تداهم إسرائيل»، ويؤسس سوفر أقواله، على معطياته التي تشير إلى ان العرب الذين يقطنون في منطقة النقب وصل عددهم إلى 140 ألف عربي، فيما بلغت نسبة العرب في الجليل 75 %.

والأخطر من ذلك، في نظره، انه فيما يحدث تواصل ديمغرافي خطير من الجليل حتى جنين، يغادر الجيل اليهودي الشاب الجليل للانتقال إلى تل أبيب بوتائر كثيفة. فهذا هو المؤشر الحقيقي لخراب الخريطة الديمغرافية في إسرائيل»، بحسب سوفر نفسه.

والملفت للنظر، أن تقرير دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، يطرح لأول مرة، تقريراً حول المعطيات الديمغرافية للمسيحيين العرب الفلسطينيين، حيث بلغ عددهم، نحو 142 ألف نسمة في نهاية عام 2004 بنسبة 1 ,2 % من نسبة إجمالي السكان في إسرائيل من بينهم 27 ألفاً عادوا إلى البلاد من المهجر في السنوات العشر الأخيرة.

ورغم الخلاف الدائر بين أصحاب القرار والأكاديميين في إسرائيل حول مستقبل الصراع الديمغرافي بين العرب واليهود ،وبالتالي تعدد أوجه التقديرات الرقمية، إلا ان هناك أوجه شبه في تلمس ما يسمى بالمخاطر الديمغرافية للعرب سواء في داخل الخط الأخضر، أو في حدود فلسطين التاريخية.

ولذلك عقدت ندوات عديدة في هرتسيليا خلال السنوات الخمس السابقة، وفي مراكز البحث الإسرائيلية خاصة في معهد جافي في تل أبيب وفي الجامعات الإسرائيلية وضمت أهم الاستراتيجيين والأكاديميين في إسرائيل الذين استشرفوا فيها صورة إسرائيل في عام 2020 واهم التحديات التي ستواجهها والوسائل والسبل لمواجهتها في الوقت نفسه.

مؤشرات أخرى

تعتبر التنمية البشرية بين اليهود في الكيان الصهيوني مرتفعة، بحسب المعدلات المتحققة، فقد أكدت ذلك معطيات تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادرة خلال الفترة 1990 ـ 2005، فمن بين 173 دولة أتت عليها التقارير تبوأت إسرائيل المرتبة ما بين 21 ـ 23.

وحققت معدلا للقراءة والكتابة بين الكبار قدره 95 في المائة خلال الفترة المذكورة ،ودخلاً للفرد تجاوز 18 ألف دولار للفرد من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2005، هذا فضلاً عن عمر متوقع قدره بالمتوسط للفرد نحو 78 عاماً، وقد ساعد في ذلك نسب الإنفاق الكبيرة على قطاعي الصحة والتعليم في الكيان الصهيوني .

ولم تتعدد معدلات وفيات الأطفال الرضع بين اليهود ،إذ تراوحت بين 7 ـ 21 بالألف في مقابل 60 بالألف في الضفة والقطاع بين الفلسطينيين، نتيجة السياسات الإسرائيلية المختلفة للضغط على الفلسطينيين.

وقد ساعد في تحسين الأداء في قطاعي الصحة والتعليم والبحث العلمي في إسرائيل، إضافة إلى الناتج المحلي الذي وصل إلى نحو 105 مليارات دولار، المساعدات الأميركية لإسرائيل التي بلغت خلال الفترة 1948 ـ 2006 نحو 90 مليار دولار أميركي .

هذه المعطيات أيضاً ساعدت إسرائيل في التوسع بمخططاتها الاستيطانية، وبناء جيش قوي ويحتوي على تقنيات حديثة في المستويات البرية والجوية والبحرية أيضاً، وذلك أسس لصناعات عسكرية تقليدية وغير تقليدية.

حيث يهتم أصحاب القرار في إسرائيل في مجالات البحث العلمي والأكاديمي والعسكري وتخصص له موازنات ضخمة في إطار الموازنات الإسرائيلية التي تصادق عليها الكنيست الإسرائيلي في نهاية كل عام.

وخلاصة القول، إن المجتمع اليهودي في إسرائيل نشأ وفق معطيات غير طبيعية، شأنه في ذلك شأن إسرائيل، التي أنشئت في ظروف استثنائية في عام 1948، وستبقى الهجرة اليهودية رغم تراجع أرقامها مقارنة مع النصف الأول من عقد التسعينات، ستبقى هاجساً يؤرق أصحاب القرار في إسرائيل.

حيث تعتبر الهجرة حجر الزاوية لإنجاح المشروع الصهيوني في شقه البشري على الأرض الفلسطينية، وبناءً على ذلك، فإن مقاومة اسرائيل وتوسعها والانتفاضات التي يقوم بها الشعب الفلسطيني للحفاظ على أرضه وبغية طرد المحتل الإسرائيلي.

من شأنها أن تحد من العوامل التي تدفع لتحقيق حلقات متقدمة من المشروع الصهيوني، عبر الحد من تدفق المهاجرين إلى فلسطين المحتلة، وبالتالي الحد من محاولات التفوق الديمغرافي اليهودي المطلق على العرب في أرضهم فلسطين، وهذا يتطلب اهتماماً إعلامياً ومادياً وسياسياً متزايداً عربياً.

وبالأقلية العربية داخل الخط الأخضر، باعتبارها العنصر البشري الأهم، في الصراع الديمغرافي مع اليهود في فلسطين، وصمودهم في أرضهم وتمكينهم من ذلك يعتبر خطوة مهمة لمواجهة السياسة السكانية الصهيونية الهادفة إلى طرد مزيد من العرب من أرضهم.

ويمكن التأكيد من خلال ما تقدم ان كل شيء، الحياة السياسية، المجتمع، الاقتصاد ما هو إلا روافع حيوية في خدمة الاستراتيجية العليا في إسرائيل، ومن خلال هذه المقولة يمكن إجراء التوصيف الدقيق لأهداف السياسة العامة والسياسة المالية العامة في إسرائيل.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار بأن السياسة هي اقتصاد مكثف، تتكشف بوضوح جلي التداخلات بين الأداء السياسي والاقتصادي في إسرائيل، حيث مرَ اقتصادها بمراحل مختلفة منذ عام 1948 وصولاً حتى عام 2005، بحيث كانت كل مرحلة تؤسس لمرحلة أخرى لها متطلباتها الاقتصادية.

ولتثبيت نجاحاتها على الأرض تستخدم إسرائيل كل الوسائل الممكنة، وتثبت يوماً بعد يوم أنها دولة الإرهاب المنظم في العالم دون منازع، وقد انكشفت صورتها الحقيقية أمام العالم منذ انطلاقة الانتفاضة في أيلول من عام 2000، حيث قتل الجيش الإسرائيلي مئات الأطفال الفلسطينيين.

وتكررت صورة المجازر حتى وصلت ذروتها في يوم 17 مايو 2004 حين أطلقت المروحيات والدبابات قذائفها على مظاهرة فلسطينية سلمية في رفح ،وتم قتل أكثر من 20 فلسطينياً غالبيتهم من الأطفال والنساء، فما هي حقيقة المجزرة في الفكر الصهيوني؟ وما هي المجازر المرتكبة على مدار أكثر من ستة وخمسين عاماً من النكبة الكبرى؟ أسئلة سنحاول الإجابة عليها في سياق عرضنا المبسط.

لغة القوة

«إن الوضع في فلسطين سيسوى بالقوة العسكرية» بهذه العبارة الشهيرة لديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء إسرائيلي، اختزلت إسرائيل وأصحاب القرار فيها منذ عام 1948 وحتى اللحظة، أي بعد مرور نصف قرن على إنشائها، أهم المنطلقات الاستراتيجية لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية وإسرائيل.

وتنفيذ برامجها التوسعية في فلسطين والمنطقة العربية، فكانت المجازر المنظمة من قبل العصابات الصهيونية والجيش الإسرائيلي ضد أهل القرى الفلسطينية، أبرز عنوان للتوجهات الصهيونية والإسرائيلية، وخاصة لجهة حمل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين للرحيل عن أرضهم وإحلال اليهود مكانهم، وبينما كان عرب فلسطين غير مستعدين للحرب على الإطلاق وغير مسلحين في الغالب.

وفي وضع دفاعي، شنت مجموعات الهاغانا والإرغون وشتيرن العسكرية الصهيونية، ضربات هجومية منسقة ضد المدنيين العرب في المدن الرئيسية الثلاث، حيفا والقدس، ويافا، وكذلك في الريف الفلسطيني، فتمت المجازر المنظمة وتدمير المنازل، لحمل العرب على الرحيل.

ففي 29 سبتمبر 1947، هاجمت عصابات الهاغانا، سوق حيفا، فدمرت المتاجر بالعبوات الناسفة، وفي 12 ديسمبر 1947، دخلت قوة من عصابات الإرغون ترتدي الثياب العسكرية البريطانية، بلدة الطيرة قضاء حيفا في الساحل الشمالي الفلسطيني.

وقتلت العشرات، وبعد يوم من هذه المجزرة ألقت عصابة الإرغون قنابل على تجمعات عربية عند باب العمود في مدينة القدس، فقتلت أعداداً إضافية من المدنيين العرب، وفي اليوم نفسه هاجمت تلك العصابة الصهيونية مقهى عربياً في مدينة يافا، في شارع الملك جورج، واستشهد بعض المواطنين العرب.

وتبعاً لمعطيات إحصائية، فإن العصابات الصهيونية تابعت مجازرها المنظمة في القرى والمدن والخرب والمضارب الفلسطينية المختلفة، لكن المجزرة الأكبر كانت في 30 ديسمبر 1947، حين رمت جماعة من الإرغون في الساعة العاشرة والدقيقة العشرين صباحاً، صفيحتي حليب تحويان قنابل على مجموعة مكونة من نحو 100 عامل فلسطيني، كانوا واقفين أمام مصفاة النفط في حيفا لتسجيل أسمائهم للعمل.

وقد قتل في الهجوم ستة من العرب وجرح 46 آخرون كان بينهم 25 في حالة الخطر، وفي الاشتباكات داخل المصفاة قتل العرب دفاعاً عن النفس 41 يهودياً، كما استشهد ستة من العرب وجرح 48 يهودياً، و42 عربياً.

ويذكر أن العصابات الصهيونية ارتكبت أثناء فترة الانتداب البريطاني 12 مذبحة، في حين ارتكبت 44 مجزرة بعدها ضد الفلسطينيين العزل.

وتابعت العصابات الصهيونية مجازرها وتدمير المنازل، والضغط على الفلسطينيين في كل القرى والمدن الفلسطينية خاصة خلال الفترة من يناير 1948 وحتى مايو من العام نفسه، وكان الهجوم والطوق ينفذان من ثلاث جهات، في حين تترك الجهة الرابعة كمنفذ وحيد لهروب الفلسطينيين الناجين من المجازر الصهيونية، والحديث عنها في القرى القريبة، حتى يدب الرعب في قلوب أهل القرى الفلسطينية الأخرى.

وتوجت المجازر الصهيونية والإسرائيلية فيما بعد، بقتل الوسيط الدولي «الكونت برنادوت» في القدس في 18 سبتمبر 1948، على يد العصابات الصهيونية ومن بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق شامير.

وذلك لأن الوسيط الدولي حمل في تقريره الذي رفعه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16 سبتمبر 1948، حمل إسرائيل مسؤولية بروز قضية اللاجئين، وأكد بأن أي تسوية لا يمكن أن تنجح دون عودتهم إلى ديارهم. وبناءً على تقريره، صوتت الجمعية العامة على القرار

(194) بتاريخ 11 ديسمبر 1948.

وبشكل عام، فإن المجازر الصهيونية والإسرائيلية فيما بعد أدت إلى التهجير القسري لنحو نصف مجموع سكان فلسطين العرب خلال عامي 1948 ـ 1949، فقد كان سبب تهجير 25% من سكان نحو 532 قرية وخربة عربية يعود إلى الطرد المباشر والمجازر بواسطة القوات اليهودية، في حين هُجّرَ 55% من سكان تلك القرى، التي دمر منها 400 قرية، هُجّرَ أمام هجوم عسكري على القرية.

كما هُجّرَ 10% من سكان القرى العرب تحت وطأة هجوم قادم متوجه إلى القرية، أي أن الهجرة العربية تحت الضغط العسكري اليهودي شملت 89% من المهجرين العرب، في حين هُجّرَ تحت وطأة الحرب النفسية والإيحاء للأهالي بهجوم قادم نحو 10%، ولم تتعد نسبة التهجير من أوامر صادرة عن رئيس العائلة أو المختار 1% من مجموع العرب الفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم.

وموجز القول، إن الهجمات العسكرية والمجازر المرتكبة بحق الفلسطينيين في العديد من القرى والخرب الفلسطينية (دير ياسين، قبية، أم الفحم، بلد الشيخ، الطنطورة) إنما هي عملية عسكرية منظمة استهدفت الطرد الجماعي للفلسطينيين، وليست المجازر عمليات فردية بل أنها كانت بمثابة أفعال تمت في سياق الاستراتيجية الصهيونية لطرد المواطنين الفلسطينيين من على ترابهم الوطني.

وعلى الرغم من فرض الهوية الإسرائيلية على العرب الذين صمدوا في ديارهم عام 1948، إلا أنهم لم يعاملوا معاملة اليهودي، فقد استمرت مصادرة أراضي العرب.

وأدت المواجهات من الجيش الإسرائيلي في 30 مارس 1976 (يوم الأرض) إلى استشهاد ستة أشخاص فلسطينيين من سخنين وعرابة وغيرهما من القرى الفلسطينية دفاعاً عن أرضهم، وأصبح يوم الأرض يوماً وطنياً لكل الفلسطينيين في كل أماكن تواجدهم، ولم تتوقف المجازر الصهيونية وتدمير المنازل، فهجر 460 ألف فلسطيني في عام 1967 أصبحوا نازحين خارج ديارهم.

وفي فترة الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي أتت رداً على وجود الاحتلال وسياساته وإجراءاته، قتلت السلطات الإسرائيلية نحو 2000 فلسطيني، كما جرحت عشرات الألوف، وقطعت آلاف الأشجار.

ومنذ انطلاقة انتفاضة الأقصى في نهاية سبتمبر 2000 قتل الجيش الإسرائيلي 3300 فلسطيني بدم بارد، وجرح 45 ألفاً آخرين، وكان الجيش الإسرائيلي قد صادر نحو 60% من مساحة الضفة الغربية، وأقام 160 مستوطنة في الضفة الغربية.

وعشرة أحياء استيطانية في القدس الشرقية، وفي سياق مجازرها المنظمة، ارتكبت السلطات الإسرائيلية مجزرة كبيرة في ساحة المسجد الأقصى في عام 1990، ذهب ضحيتها ثلاثة عشر فلسطينياً، كما ارتكب مستوطن صهيوني مدفوع من الأحزاب الإسرائيلية، مجزرة في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، ذهب ضحيتها في عام 1993 نحو60 فلسطينياً من المدنيين العزل .

ولم تكن المجازر الإسرائيلية محصورة في فلسطين، بل تعدت ذلك إلى المناطق العربية ألأخرى، وكان من أهم فصولها قصف الطيران الإسرائيلي لمنطقة قانا في لبنان، التي استشهد إبانها نحو 100 من النساء والشيوخ والأطفال اللبنانيين.

وذلك في مقر لقوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب اللبناني، وقد حصل ذلك على مسمع ومرأى من عيون العاملين في القوات الدولية في صيف 1996، فضلاً عن ذلك ارتكب الموساد الإسرائيلي مجازر عديدة داخل فلسطين وخارجها، ناهيك عن الاغتيالات المنظمة للعديد من سفراء فلسطين ومثقفيها في الخارج.

ولم تنته فصول الاغتيالات والمجازر الصهيونية الإسرائيلية، فخلال الفترة الواقعة بين عامي 1948 ـ 2004، استخدمت الدولة الصهيونية، العسف والمجازر كأدوات أساسية للحفاظ على البقاء، خاصة وأن مشكلة الأمن الإسرائيلي كانت ولا تزال الشغل الشاغل لأصحاب القرار في إسرائيل، التي أقيمت قبل ستة وخمسين عاماً في ظروف دولية وإقليمية استثنائية.

ولن تكون المجازر التي ارتكبت في مدينة رفح في مايو 2004 نهاية خطة معينة، بل هي حلقة في سلسلة سياسات ثابتة في العقيدة الصهيونية لدفع الفلسطينيين خارج أرضهم وتحقيق أهداف ديمغرافية استراتيجية.

التمييز العنصري

نشرت في السنوات الأخيرة كتب ودراسات عديدة حول بداية انتفاضات متوقعة لليهود الشرقيين (السفارديم) ضد الوضع السائد في إسرائيل وخاصة هيمنة اليهود الغربيين (الاشكناز) على مفاصل الحياة المختلفة العسكرية والسياسية والاقتصادية.

وفي هذا السياق يندرج كتاب سامي شطريت (النضال الشرقي) حكاية اليهود العرب في إسرائيل من 1948 ـ 2003 والصادر عن مركز مدار للدراسات في رام الله عام 2005، ويعتبر مركز مدار من أهم المؤسسات التي تسلط الضوء على مختلف جوانب وظواهر الحياة في إسرائيل.

يؤكد الكاتب على أن حركة اليهود الشرقيين في إسرائيل، باعتبارها حركة سيرورة مقاربة ومشابهة لمجمل النشاط السياسي للسود في الولايات المتحدة إبان سنوات الخمسينات والستينات، باعتبارها حركة حقوق مدنية، تقاس إنجازاتها بناء على الحصيلة الكلية لمجموعة أجزائها.

ومن خلال الاستعانة بهذا المفهوم، فإنه يشخص إنجازين رئيسيين ينطويان على قدر من الأهمية للحركة الشرقية، أولهما إجبار الدولة على الاعتراف بشكل أو بآخر بسياسة اللامساواة المنتهجة من قبلها، والثاني تحقيق الشرعية للحركات الشرقية ونضالها في إسرائيل.

يتوقف شطريت في هذا الكتاب طويلا أمام الظروف الرئيسية التي أدت إلى شل وتعطيل النضال الشرقي، ويلخصها في:

أولاً، لم يكن النضال الشرقي في أي وقت على الإطلاق نضالا مشروعا في نظر النظام السياسي ووسائل الإعلام الإسرائيلية والمؤسسة الأكاديمية، رغم أنه كان دوما في معظم أهدافه نضالاً اجتماعياً مألوفاً لا يشذ عما هي عليه الحال في أماكن أخرى من العالم.

ومن هنا فإن السلطة ووسائل الإعلام، وفي كل مرة قمعت فيها النضال الشرقي، إنما عطلت عملية النضال الاجتماعي برمته في إسرائيل، ذلك لأنه لم يكن هناك من نضال اجتماعي عداه.

يضاف إلى هذه العملية، عملية نزع شرعية النضال الشرقي، والأزمة التي واجهتها حركة النضال العربية-الإسرائيلية، التي رأت السلطة في سائر احتجاجاتها الاجتماعية نشاطاً معادياً يهدد أمن الدولة، وبناء عليه جوبهت بقمع عسكري، فيما تعرض قادة هذه الحركة للملاحقة من جانب النظامين السياسي والقضائي.

ثانياً، نالت أيديولوجية حزب «الليكود» الاستيطانية «صفقة» دعم وتأييد من جانب الشرقيين عندما تحول هؤلاء إلى تأييد «الليكود» في نطاق تمردهم ضد حزب العمل «المباي» وليس كتحول أيديولوجي وفق الاعتقاد السائد.

وقد تحولت هذه الأيديولوجية، التي توفر المسوغات لقمع الفلسطينيين والتي تقوم طوال الوقت بتصعيد الصراع الدامي العنيف خلال العقد الأخير، إلى وسيلة خداع وتلاعب شديدة التأثير تشل وتعطل أية بادرة احتجاج أو أية دعوة للتغيير الاجتماعي.

لكن كل ذي بصيرة يدرك أن المسائل الاجتماعية والمدنية ستعود لتفرض نفسها بقوة على رأس جدول الأعمال السياسي في إسرائيل حالما ينتهي الاحتلال والقمع ضد الفلسطينيين.

ثالثاً، من ناحية عملية تحولت حركة ـ حزب «شاس» الديني الشرقي، التي طرحت نفسها بالنسبة للكثيرين من الشرقيين كبديل لحزبي «الليكود» و«المفدال»، مستخدمة عناصر رمزية من خطاب النضال الشرقي، إلى صمّام تنفيس لهذا النضال و«عامل امتصاص» للاحتجاج الاجتماعي.

فقد كان حزب «شاس» لغاية العام 2003 شريكاً في جميع حكومات اليمين الصهيوني، بل وساند سياسة تقويض مؤسسات الرفاه في إسرائيل، وهذا في الوقت الذي واصلت فيه الحركة ـ الحزب امتصاص واحتواء كل مظاهر التوتر والغليان الاجتماعي لدى التجمعات الشرقية.

ويرصد الكتاب في أحد محاوره الرئيسية مسار تطور الخطاب الشرقي الانتقادي، الذي أنتج وصاغ عمليا الخطاب الاجتماعي الراديكالي في إسرائيل عامة، وأثر كثيراً على تطور الخطاب الأكاديمي النقدي الذي يسمى أحيانا تيار الـ «ما بعد صهيوني».

غير أن جلّ الكتاب ينصب على وصف وتحليل ردود فعل الشرقيين السياسية تجاه سياسة القمع الثقافي والاقتصادي، التي مورست ضدهم منذ اللحظة التي وطئت فيها أقدامهم الأرض الفلسطينية.

وقد تدرجت ردود الفعل هذه، سواء تجاه السلطة أو تجاه «الزعامة الشرقية» المحسوبة عليها، من أعمال وأنشطة التمرد والاحتجاج الواسعة التي اتخذت طابعاً محلياً، مروراً بأعمال التمرد المنظمة، وانتهاء بإقامة حركات اجتماعية ومنظمات تعليمية وثقافية وأحزاب سياسية.

وتشكل العلاقات بين حركات الاحتجاج وقادة النضال وبين « الزعماء» الشرقيين الذين يعملون برعاية الأحزاب الأشكنازية، أو بعبارة أخرى، بين الراديكاليين والمعتدلين، المسألة المركزية الموجهة للنقاش والبحث في هذا الكتاب.

وقد يكون فوز عمير بيرتس وقيادته لحزب العمل في ديسمبر 2005 بداية نشاط حقيقي لليهود السفارديم الشرقيين في إسرائيل لجهة صعود أعداد منهم للعديد من المراتب القيادية في الأحزاب والمؤسسات الإسرائيلية، وذلك بعد قيادة للاشكناز استمرت في كل مناحي الحياة منذ إنشاء الدولة العبرية في مايو عام .