انتهز الأمين العام للأمم المتحدة فرصة وجوده في مدريد للاجتماع بمسؤولي مؤسسات الأمم المتحدة وأعطى نفسه استراحة من هموم العمل لبضعة أيام قضاها في مزرعة عربية قديمة تقع في ضواحي مدينة اشبيلية وتحولت إلى فندق بديع متخصص بفنون الطبخ يحمل اسم «إل بولي».
وفي جو يعبق بشذى زهر البرتقال و تشدو فيه الطيور المغردة على أطراف بركة ماء ساحرة، بعيدا عن ضوضاء النزاعات التي تعصف بالعالم، استقبل المسؤول الدولي الأول مندوب صحيفة «إيه بي سي» الاسبانية في أجواء احتفالية بمناسبة عيد ميلاده الـ 68، حيث تلقى كعكة العيد من يد وزير الخارجية الاسباني ميغيل أنخيل موراتينوس. وقد أجرى معه مندوب الصحيفة الحوار التالي:
* تؤكد صحيفة «واشنطن بوست» أن البيت الأبيض يقوم بالتحضير لعمل عسكري ضد إيران. هل نحن بصدد نموذج آخر لما يسمى بالحرب الاستباقية دون الاعتماد على الأمم المتحدة؟
ألم تتعلم واشنطن أي درس من الأخطاء المرتكبة في العراق؟ـ أعتقد بأن القضية تدار بشكل مناسب من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما أني مازلت أعتقد بأن الحل الأمثل هو التفاوض ولا أرى أنه يمكن البت بعملية عسكرية. ونحن لا نرى حاجة لتبني تحركات يمكن أن تفاقم وضعا ساخنا زيادة عن اللازم أصلا. آمل أن تسود روح التفاوض وان يكون الخيار العسكري ثمرة تفكير عميق.
* منذ 1992 والمغرب تحاصر الاستفتاء الشعبي حول مستقبل الصحراء الغربية. أليس هناك خيار آخر غير انتظار الأقوياء حتى يصادقون على هذا الأمر أو ذاك، أم أن للمجتمع الدولي وخصوصا الأمم المتحدة طرقاً أخرى لفرض حل عادل؟
ـ بصراحة، الأمم المتحدة لا تستطيع فرض حل. وذلك يبين لماذا سعينا وبصورة مكثفة للغاية إلى حل يمكن قبوله من جميع الأطراف. هذا هو الذي سعى إليه مبعوثي الخاص، وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، الذي حاول خلال سبع سنوات تقريبا التوصل إلى اتفاق وما يسعى إليه أيضا ممثلي الخاص الجديد فان ويلسون.
نحن ننطلق من قضية معقدة تتمثل بأن قيادة الصحراء الغربية تصر على حق تقرير المصير، الذي كان جزءا من الاتفاق الذي قبل به الطرفان، فيما تتشبث المغرب الآن بمنح حكم ذاتي. بين هذين الخيارين، يسعى المجتمع الدولي إلى إيجاد حل متفق عليه. ومع أن هذه القضية تأخذ وقتها، إلا أنني مازلت واثقاً من أننا سنوفق الى النجاح فيها.
* كيف يتوجب محاربة الإرهاب؟ أليس من الممكن أن يكون غوانتانامو والعراق مصدرين لتغذية هذه الظاهرة؟
ـ إن وجود قوات أجنبية في أي بلد يثير رد فعل قومي، وبهذا المعنى، لا بد من الاعتراف بأن ذلك الوجود العسكري في العراق يمثل مشكلة كبيرة. لكن يسود في الوقت نفسه شعور بأن ذلك الانتشار يمكن أن يكون نافعا لتحسين الأوضاع هناك.
ونحن نواجه حجتين على الطاولة، حجة الذين يقولون بأن القوات الأجنبية لا تيسر السلم وحجة الذين يعتبرون أن الخروج المتسرع لن يساهم في تهدئة الأوضاع في البلاد. إنها إحدى الحالات التي لا يوجد لها أي مخرج جيد كليا.
لكني مازلت أشعر بالثقة في إمكانية إنشاء جيش وطني يعمل لصالح عراق موحد، مع أنه من الواضح أن المشهد الإجمالي في هذه اللحظات لا يوحي بأن الأمور تسير على خير ما يرام في أي شيء. فالوضع الذي يعيشه العراق، في ظل حالة من عدم الأمان لمواطنيه، لا يمكن قبوله أبدا.
* وماذا عن غوانتانامو؟
ـ يذكر التقرير الذي أعده المقرر الخاص للأمم المتحدة، الذي لفت الانتباه إلى اعتبارات خطير جدا. ولقد صرح العديد منا بأن أفضل شيء يمكن القيام به حيال غوانتانامو هو إغلاقه.
* الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي يطالبان حماس بالتخلي عن العنف. في حين باتت خارطة الطريق أسوأ من الأنقاض وإسرائيل تضع بصماتها الأخيرة على جدارها غير القانوني وتصر على الاحتفاظ بمستوطناتها. من أين يجب البدء من جديد؟
ـ ليست اللجنة الرباعية (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي وروسيا) هي الوحيدة التي تطالب حماس بتنازل واضح عن العنف. فمجلس الأمن الدولي أصدر العديد من القرارات التي تتحدث عن مبدأ السلام مقابل الأرض. واضح أن حماس هي المسؤولة الآن عن الأراضي .
وأنها لم تعد حركة على هامش النظام. فهي تمثل الآن السلطة الفلسطينية ويتعين عليها تحمل مسؤولياتها وسيتعين عليها تبني إجراءات ملموسة واتخاذ قرارات صعبة كي يواصل المجتمع الدولي التعاون معها.
وأود إضافة أن السلطات الإسرائيلية يجب ألا تغلق أبواب المفاوضات وأعتقد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد سيقدم على خطوات بهذا الاتجاه. وعلى الرغم من أن الانسحاب من غزة تم بصورة أحادية، إلا أني أعتقد أن الانسحاب النهائي وتثبيت الحدود لا يمكن أن يتم دون مفاوضات.
* لماذا لم تقل أي كلمة بحق عبدالرحمن، الرجل الأفغاني الذي حكم عليه بالموت بسبب تحوله إلى المسيحية والذي حصل على اللجوء في إيطاليا؟
ـ صحيح أني لم أقل شيئا بصورة شخصية، لكن الأمم المتحدة تكلمت. وممثلي على الأرض كان أحد الأوائل في الإعراب عن وجهة نظره. ولم نكتف بالكلام، فلقد تحركنا كذلك وعملنا مع السلطات الأفغانية، لكننا لم نرغب بإحداث ضجيج أكثر مما هو ضروري.
* وسط رد الفعل العنيف ضد الرسوم المسيئة للرسول الكريم محمد(صلى الله عليه وسلم)، طالبتم باحترام جميع الديانات!
ـ أنا أؤمن بالفصل بين الكنيسة والدولة، وأعتقد بأنه لا يجوز الخلط بين كلا الميدانين.
لكن عندما أدليت بتصريحاتي تلك، أكدت في الوقت نفسه على أنه رغم وقوفنا مع حرية وسائل الإعلام، إلا أن هذه يجب أن يمارس بطريقة حساسة، في ظل معيار جيد واحترام لما هو مقدس بالنسبة للبعض، وهذا لا يعني أني أدافع عن تدخل الدين في الشؤون العلمانية. الرسالة التي أردت إيصالها هي أنه لدينا حقوق، لكن لا بد وأن تمارس بطريقة مسؤولة.
* البعض توقع فعل المزيد من الأمين العام للأمم المتحدة خلال الأيام التي سبقت الحرب على العراق؟
ـ عملت بجد كبير للحيلولة دون وقوع الحرب، لكن لا بد أيضا من فهم أنه حين تكون المنظمة منقسمة على نفسها وحين يكون الأعضاء الذين يشكلون منظمة الأمم المتحدة منقسمين على أنفسهم، فإن مسؤولية الأمين العام تتمثل في محاولة تقريب المواقف وتوحيد الإرادات للتوصل إلى اتفاق يسمح بالمضي قدما.
* في ولايتك الثانية والأخيرة على رأس منظمة الأمم المتحدة، يبدو أن إصلاح المنظمة وأهداف الألفية بتقليص الفقر في العالم لم تحقق الكثير؟
ـ لا أعتقد بأنه بوسعنا أن ننتظر معجزات في العالم الذي نعيش فيه. فيما يتعلق بأهداف الألفية المرتبطة بالتنمية والتطوير، يبدو لي أن التاريخ المحدد لقياس النتائج هو عام 2013. معك حق، فبعض البلدان لا تتمكن من تحقيق جميع الأهداف، في حين تستطيع بلدان أخرى القيام بذلك وحتى أن بعضها قادر على الوصول إلى ما هو أبعد من ذلك.
المهم هو أن نكون قادرين على إبقاء إطار عام للتطوير. وأهداف الألفية كانت، بهذا المعنى، مقبولة بصورة شمولية، وهذا الأمر يتفهمه الناس العاديون، حيث الحرب ضد الفقر متواصلة وإصلاح الأمم المتحدة متواصل أيضا.
وكما أشرت غير مرة، فإنها عملية كاملة متكاملة وليست حدثا عابرا. على كل حال، أنا أعتقد بأن أمورا كثيرة تحققت منذ شهر سبتمبر الماضي، مثل الذي حصل عندما وافقت البلدان الأعضاء على مفهوم المسؤولية التي تقع على عاتق الدول في حماية مواطنيها.
ولقد ثبتنا لجنة سلمية لمساعدة البلدان على الخروج من النزاعات ولقد قمنا بإصلاح لجنة حقوق الإنسان. كما أقمنا مركزا لتقويم النزاعات وسيسمح لنا هذا المركز بالتحرك بسرعة أكبر.
وأنشأنا صندوقا جديدا للمساعدة على الانتقال إلى الديمقراطية واقترحت مراجعة مدة الخدمة في موقع المسؤولية داخل الأمم المتحدة وكل شخص له أكثر من خمس سنوات على رأس هيئة ما سيخضع للتقويم للتأكد مما إذا كان قد التزم بشكل مناسب أم لا.
* هل طبيعة كوفي عنان في آخر سنة من ولايته مازالت هي نفس الطبيعة التي كان يتمتع بها قبل عشر سنوات عندما تولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة؟
ـ ليس بوسعي الزعم بأني الشخص نفسه الذي كان قبل عشر سنوات، فلقد تعلمت كثيرا حول الطبيعة الإنسانية. ومع ذلك، لم أفقد لا الأمل ولا التفاؤل. كما أعتقد أني لم أفقد القدرة على التعاطف مع الناس، والشعور بالتضامن مع معاناة الآخرين.
ترجمة: باسل أبو حمدة
عن «إيه بي سي» - اسبانيا