قد يكون من السابق لأوانه الوصول إلى النتيجة النهائية التي يصبو اليها الكتاب، الذي بين أيدينا، لكن الكثير من المعالم الفارقة لهذه النتيجة أو الخلاصة قد راحت تتضح تدريجياً عبر عملية سرد وتحليل تاريخ علاقة الشرق الغامض والساحر في آن بالغرب الشفاف والعملي، هذه العلاقة التي أستهلت بشغف العالم والباحث والمفكر في ميادين علمية واجتماعية وتاريخية وحتى لاهوتية عديدة.
ومرت بتعرجات متنوعة جمعت بين الشغف المعرفي المذكور وآلت في نهاية المطاف الى الاهتمام بجانب واحد فقط من القضية والمعبر عنه في تصاعد حدة البحوث العلمية حول الشرق الأوسط، التي غالباً ما تبين بواطن الأمور التي يمكن لمصالح الغرب أن تنفذ منها لتحقيق تلك المصالح على خير وجه.
ولقد تزامن هذا التحول الاستشراقي مع ظهور حركة تقييم نقدية لمذاهب المستشرقين في أواخر القرن العشرين وكان جل القيمين على هذه الحركة من المفكرين العرب المتنورين أمثال أنور عبد الملك وسمير أمين وإبراهيم أبو لغد وإداورد سعيد، وتبع ذلك أيضاً بروز ما يمكن تسميته بمدارس الاستشراق الجديد، التي تعنى بقضايا المرأة والمجتمع والاقتصاد.
في الفصل الخامس من هذا الكتاب يتردد كثيرا بين السطور اسم أكاديمي عربي بارز هو المفكر المصري الدكتور أنور عبد الملك.
الرجل بحكم النشأة والتكوين الفكري بدأ بين صف اليسار الماركسي. وخلال الحقبة الناصرية هرب خوفا من الاعتقال إلى باريس ودرس في السوربون وأخرج مع مطالع الستينات كتابه المهم تحت عنوانه الشهير: «مصر.. مجتمع يحكمه العسكريون».
البروفيسور أنور عبد الملك حاليا مفكر موسوعي.. فقد تطورت أفكاره مع نضج العمر ومع انفتاحه بصورة أعمق وربما على مسافة أقرب على جهود عبد الناصر في قيادة حركة المد القومي وفي محاولة تحقيق الذات وتجسيد الشخصية القومية المستقلة والمتحضرة للإنسان العربي في إطار عالمه.
وفي سياق عصره، هذه المراجعات الفكرية افضت بالبروفيسور أنور عبد الملك إلى تناول موضوع الاستشراق وإلى تحليل نقدي لأبرز اتجاهات المستشرقين الأوروبيين يقول مؤلف كتابنا في هذا الخصوص (ص 148):
ـ لقد عمدوا إلى اختزال شعوب الشرق إلى قوالب نمطية جامدة مما أفضى بهذه النظرة إلى موقف عنصري.. والمعنى هو أن الاستشراق ظل يصدر في الغالب الأعم عن نظرة تقسم الجنس البشري إلى أنواع (أو أنماط) مختلفة ومتميزة فيقال مثلا الإنسان العربي.. الإنسان الصيني.. الإنسان الافريقي..
وهكذا وكل من هذه «الإنسانات» يقاس عند أهل الاستشراق الغربي على أساس مقارنته مع الإنسان العادي وهو بداهة الإنسان الأوروبي المتطور تاريخيا منذ أيام الاغريق.
ولقد، رأى أنور عبد الملك (ومعه الحق) أن حركة الاستشراق شغلت نفسها بالماضي بأكثر مما يجب، وكان أن تجاهلت بالتالي حقيقة التحولات المثيرة والمشهودة والجذرية (الدرامية كما يسميها) التي عاشتها وناضلت من أجلها شعوب وأقطار الشرق الأوسط المعاصر وكانت النتيجة أن حركة الاستشراق عزلت نفسها عن الخطاب السائد وعن أوجه التقدم التي أمكن إحرازها في مجالات الإنسانيات والعلوم الاجتماعية.
ما العمل إذن، وبالتحديد ما هو العلاج!
سؤال يطرحه مؤلفنا (ص 149) ثم يجيب عنه من واقع استقرائه وتحليله لأفكار أنور عبد الملك فيقول:
ـ إن المفكر (المصري العربي) يدعو إلى إخضاع هذه النزعة النرجسية الأوروبية إلى النقد والتقييم بعد أن أدت هذه النزعة إلى اعتبار أوروبا (والغرب بشكل عام) هي النموذج والقدوة ومعيار المقارنة والقياس..
وهذه الدعوة تفضي - كما يوضح مؤلفنا - إلى النظر إلى الإسلام، لا بوصفه كيانا معزولا ولا عالما مستقلا بذاته ولكن بوصفه شأنا إنسانيا وجزءا لا يتجزأ من العالم الذي يعيش فيه البشر أجمعين.
عقد الحوار الفكري
إن أفكار أنور عبد الملك ما كانت تصل إلى هذه الدرجة من البلورة والوضوح لولا أنها نبعت واستوت خلال سنوات إقامته الطويلة في فرنسا وفي عقد الستينات بالذات حيث كانت السوربون .
والكوليج دي فرانس وما في مستواهما من معاهد البحث العلمي المرموقة ومنتديات الحوار الفكري الرفيعة تموج باجتهادات مستشرقين أعلام في قامة مكسيم رودنسون ورفاقه من العلماء .
ومن تلاميذ هؤلاء العلماء الذين أداروا حوارات وتفاعلات خصبة وبنّاءة مع أندادهم أبناء المشرق والمغرب العربي الدارسين أو المدرسين في معاهد فرنسا وجامعاتها.
هكذا مُهدت الأرضية لنضوج مدرسة استشراقية أكثر إنصافا للحقيقة وأعمق اطلاعا وتفاعلا مع عالم العروبة والإسلام وأقل تركيزا على نرجسية الغرب والذات الأوروبية.
وفي هذا الإطار أيضا يشير كتابنا إلى عدد من الأكاديميين والمفكرين العرب والمسلمين الذين أسهموا في حفر هذه القنوات المعرفية الجديدة التي أنقذت حركة الاستشراق من سلبياتها.
وفي مقدمة هذه الكوكبة، يقف كتابنا عند المفكر الاقتصادي سمير أمين (من مصر) صاحب نظرية التنمية بين عاصمة الاستعمار وعاصمة الاستقلال أو بين المركز والمحيط.. كما يقف عند المفكر عبد الله العروي (من المغرب) الذي شغل نفسه بعمق بقضية التفاعل بين أصالة التراث ومقتضيات المعاصرة.
أصداء هذه الاجتهادات المبتكرة كان لها ردود فعلها في حركة الاستشراق في انجلترا وفي هذا الإطار أصدر نورمان دانييل كتابه عن «الإسلام والغرب» ثم أعاد إصداره في طبعة منقحة بعنوان «الإسلام وأوروبا والإمبراطورية» حيث طرح الإنجليزي رؤيته عما وصفه بأنه «الأفكار الجديدة للعالم الإسلامي التي تبلورت في أوروبا الغربية خلال فترة التوسع الاستعماري».
بعدها - وفي عقد الستينات أيضا، الذي كان يموج بكل جديد وكل مثير وكل واعد، دخل إلى الحلبة باقتدار وكفاءة المفكر العربي الأصيل البروفيسور البرت حوراني (ت 1993) الأستاذ بجامعة أكسفورد الذي أثرى المكتبة التاريخية بدراساته التي عمد فيها إلى تقييم موضع الإسلام: الدين والثقافة والحضارة في سياق علم التاريخ الأوروبي.
وكان أن استرعى أنظار أقرانه ومن ثم تلاميذه إلى أهمية التركيز على واقع الشرق الأوسط - العربي بالذات باعتباره أو باعتبار جذوره تركة موروثة عن عهود السيطرة العثمانية.
فيتنام وحقوق السود
في نفس الفصل الخامس نفسه، يتحول بنا المؤلف عبر مياه الأطلسي إلى أميركا، ويقف أيضا عند أوضاع الولايات المتحدة خلال عقد الستينات حيث طرأت على المجتمع والثقافة الأميركية تغييرات تركت آثارها بعمق، لا على الساحة السياسية وحسب ولكن أيضا على الساحة الفكرية والأكاديمية. كان ثمة عوامل تتفاعل معا وتحرك هذه المؤثرات مثلا:
** حركة الحقوق المدنية المطالبة بالعدل للسود.
** حركة العصيان المدني المطالبة بوقف عجلة الحرب في فيتنام.
ومثلا:
** حركة الفنانين والمثقفين الذين تسامعوا بإنجازات حركات الاستقلال والتحرير الوطنية في العالم الثالث وخاصة في أميركا اللاتينية (تأثير الزعيم الثوري الشاب تشي جيفارا بالذات) ولقد تبلورت هذه التيارات لتضع سبيكة سياسية وعقائدية وثقافية حملت في تلك الأيام اسما خاصا وهو: اليسار الجديد .
ويفسر المؤلف (ص 152) هذا الشق على أنه حركة جديدة نشأت وقتها في مواجهة اليسار القديم.. المستند إلى دوغما الأفكار الماركسية الاشتراكية التي كان قد تجاوزها الزمن.
وقد امتدت تأثيرات هذا اليسار الجديد في عقد السبعينات وأفضت إلى تغييرات جذرية أحيانا في مناهج البحث وطبعا في نتائج الدراسات التي شهدتها المعاهد والمراكز العلمية الأميركية في مجالات شتى وفي مقدمتها مجالات التنمية والاقتصاد والإعلام والثقافة والعلوم الاجتماعية.
وكان طبيعيا كذلك أن تنشغل مثل هذه التيارات الجديدة بالتغيرات العميقة التي شهدتها المنطقة التي باتت تمثل محور اهتمام صانع القرار في الولايات المتحدة وهي: منطقة الشرق الأوسط.
صحيح - كما يعترف المؤلف - أن دراسات الشرق الأوسط كانت قد تعثرت إلى حد ما خلف الإيقاع اللاهث الذي شهدته الدراسات التي أجريت عن مناطق أخرى من ذلك العالم الثالث وكان لهذه الوتيرة السريعة جداً ما يبررها:
** في آسيا كان لا بد من المسارعة إلى دراسة الصين وتطوراتها وآفاق مستقبلها وكيف لا وقد ملأت ثورة ماو الثقافية أرجاء الدنيا وشغلت الناس.
** في أميركا اللاتينية كان الخوف يستبد بأميركا من انتقال تأثيرات ثورة كاسترو الكوبية وأفكاره اليسارية المتطرفة إلى سائر أنحاء القارة التي تمثل الفناء الخلفي لكيان الولايات المتحدة.
وربما كان الأمر بحاجة إلى حدث كبير تشهده منطقة الشرق الأوسط لكي يسلط الأضواء على ضرورة التفاعل الاستشراقي مع المنطقة من منظور متطور وجديد.
صاعقة الشرق الأوسط
وللأسف جاء هذا الحدث مجسدا في كارثة فادحة وصاعقة ألمت بالمنطقة وشعوبها وحكامها على السواء.
يقول مؤلف الكتاب:
** في عام 1967 ألحقت إسرائيل هزيمة عسكرية سريعة ومهينة بالقوات المسلحة للنظامين اللذين كانا يتصدران قيادة المد القومي العربي وهما نظام عبدالناصر في مصر ونظام البعث في سوريا ومعهما نظام الملك حسين في الأردن.
عند هذا المنعطف (المأساوي) من الكتاب يرصد المؤلف مفارقة تاريخية شهدها الواقع العربي منذ ذلك الحين كان المفترض بعد هزيمة نظامي القاهرة ودمشق أن تحل محلهما نظم أكثر راديكالية بمعنى أوسع انفتاحا على قيم الديمقراطية والحرية مع التخلي عن القبضة الحديدية لسلطة الدولة وسطوة النظام.
لكن الحاصل - يضيف المؤلف (ص 163) أن العكس كان هو الصحيح - فلقد رحل عبدالناصر فجأة في سبتمبر عام 1970 ليخلفه أنور السادات الذي كان يجسد (في التحليل الأخير أو في الجوهر والعمق) فصيلا محافظا من الناحيتين السياسية والاجتماعية.
وهكذا تخلى السادات عن صيغة عبدالناصر بالنسبة للاشتراكية العربية (رؤيته للعدل الاجتماعي) وعن دعوة عبدالناصر إلى الوحدة والتضامن العربي فكان أن وقّع في نهاية المطاف معاهدة سلام منفصلة مع إسرائيل تجاهلت كما يقول المؤلف الفلسطينيين والدول العربية الأخرى.
في نفس السياق يضيف المؤلف قائلا:
ـ ... وهكذا فمن أواخر السبعينات وحتى الوقت الحاضر فإن التحديات التي ما برحت تواجهها النظم العربية لم تعد تأتي من صفوف اليسار الوطني العلماني (المدني أو غير الديني) ولكن تأتي من الحركات التي طرحت صيغة خاصة بها للإسلام.
وقالت بأن صيغتها تلك هي الحل الواقعي والأصيل والوحيد للمشكلات العميقة المطروحة التي تواجه مجتمعات الشرق الأوسط على كل من الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
وسط هذا كله وفي عام 1969 بالذات، وفي إطار الاستجابة للحركات الرافضة لاستمرار الحرب الأميركية في فيتنام أذاع الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون أفكاره وتصوراته التي مازالت تحمل في حوليات السياسة الأميركية اسمها الشهير: مبدأ نيكسون
يشرح المؤلف هذا المبدأ أو المذهب في عبارات تقول:
ـ فيما يتصل بالشرق الأوسط كان لا بد من استمرار الهيمنة الأميركية في المنطقة (ومن ثم تيسير الوصول إلى ما تحويه من احتياطيات البترول) ولكن باتباع سبل غير سبيل التدخل العسكري الذي لم يعد الجمهور الأميركي مستعدا لهضمه.. وكان السبيل إلى ذلك هو (اصطناع) الحلفاء المحليين.
يوضح المؤلف أنه كان على رأس هذه العناصر المحلية التي اختارت التحالف مع أميركا شاه إيران الذي كان مكلفا بالسهر على عدم تغيير الأوضاع بل إبقائها على ما هي عليه (حالة الستاتيكو كما تسمى في مصطلح السياسة) في منطقة الخليج وشرقي الجزيرة العربية مزودا في ذلك بالأسلحة والدعم الأميركي أما الحليف المحلي الآخر فاسمه إسرائيل التي أثبتت .
- كما يقول المؤلف - قوتها العسكرية في حرب 1967 ومن ثم فقد بدأت أميركا مع منتصف السبعينات في بناء ما وصفوه يومها بأنه «علاقة خاصة مع تل أبيب» وقد عبرت هذه العلاقة عن نفسها في شكل مستوي غير مسبوق (بتعبير مؤلف الكتاب) من المعونات العسكرية والاقتصادية والتنسيق السياسي والاستراتيجي .
وبقدر ما اقتربت كل من أميركا وإسرائيل من إطار هذه العلاقة الخاصة، بقدر ما تعّين على واشنطن منذ أيام نيكسون أن تتباعد عن منظمة التحرير الفلسطينية وأن ترفضها وتعمل على حصارها.
محاولات إعلامية وفكرية
بعد هذه الخلفية السياسية المسهبة، كان جديرا بالمؤلف أن يتحول من ثم إلى ميدان الثقافة بعامة ومضمار الاستشراق (الشرق الأوسط) بشكل خاص. في هذا الإطار خرج إلى النور في عام 1971 مشروع البحوث والمعلومات عن الشرق الأوسط باسم «ميريب» وإلى جانب التقرير الصادر عن هذا المشروع فقد عمد إلى إصدار دورية منتظمة حملت اسم تقرير الشرق الأوسط (ميدل إيست ريبورت) فكانت تمثل خطوة متقدمة نحو ما يمكن أن نسميه بأنه تحديث أو عصرنة الاستشراق.
في عام 1975 اجتمع في باريس نفر من أهل اليسار العرب ومن اليهود المعادين للصهيونية واصدروا صحيفة باسم «خمسين» ما لبثت أن تحولت إلى لندن وصدرت بالإنجليزية عام 1978 واتسع بذلك حجم قرائها وطرحت أفكارا تقدمية ومستنيرة عن رفض الصهيونية وتحرير المرأة وما إلى ذلك.
وكان أن شهدت السبعينات وما تلاها بيئة علمية لم تتورع عن إعادة تقييم اتجاهات الاستشراق ولم تقصّر في توجيه الانتقادات إليها والمطالبة بالتحول بها إلى أفق أحدث وطروحات أكثر عمقا واستجابة لمتطلبات الربع الأخير من القرن العشرين.
لقد ظل العلماء ينظرون بكل توقير إلى العمل الموسوعي المتعدد المجلدات الصادر عن واحدة من أعرق جامعات انجلترا والعالم تحت عنوان يقول: تاريخ كمبردج عن الإسلام.
لكن ها هو البروفيسور الإنجليزي روجر أوين من جامعة أكسفورد يكتب دراسة نقدية عن هذه الموسوعة فيقول:
ـ لقد ظلت الدراسات الإسلامية (يقصد الاستشراقية) أقرب إلى السر الغامض المحجوب أو المستور عمن هم خارج هذا التخصص، واكتفى أصحابها بمعرفة عدد من اللغات الصعبة فجعلوا همّهم التركيز على تدارس التطور التاريخي لديانة تتسم بالتعقيد فكان أن اكتسبوا صيغة أقرب إلى صفات الطريقة الصوفية المعزولة ذات الشعائر الغامضة التي يقتصر الالتحاق بها على نفر من ذوي المهارات المخصوصة.
يلاحظ المؤلف أن هذه الاتجاهات التي تنحو نحو المراجعة والنقد وإعادة النظر في فصائل الاستشراق وفي نظرة الغرب إلى الشرق والعروبة والإسلام .
واكبتها على مستوى منطقة الشرق الأوسط حركة انتعاش للمد الديني سواء بين صفوف مذهب السُنّة (في مصر وسوريا والسودان وتونس وفلسطين مثلا..) أو بين صفوف رجال الدين عند إخوانهم الشيعة (بعد نجاح الثورة والإطاحة بنظام الشاه في إيران).
يحرص المؤلف على أن يتفحص هذه الظاهرة وأن يخضعها (ص 172 وما بعدها) لنظرة عرض وتحليل تحت عنوان اختار له الكلمات التالية: تحدي الإسلاميزم (بمعنى تحدي الاتجاه الإسلامي) أو (تحدي النزعة الإسلاموية).
عرب أميركا
ومنذ بداية هذه الصفحات العشر التي تختم الفصل الخامس من هذا الكتاب يسجل المؤلف أن هذه النزعة أو هذا الاتجاه لم يطرأ كظاهرة دينية أو عقائدية بل ظهر مجسدا .
كما يصفه في دخول هذا الاتجاه إلى ساحة العمل السياسي بين قطاعات الجماهير. وتلك كانت البيئة أو كان المناخ الذي أتاح المجال لعناصر جديدة من دارسي منطقة الشرق الأوسط أو المنطقة العربية بجناحيها الآسيوي والإفريقي.
هذه العناصر كان قوامها، كما يؤكد المؤلف (ص 171)، نوعية جديدة من الأساتذة الأميركيين من ذوي الأصل العربي - الفلسطيني على وجه الخصوص ومن عوامل تشكيل هذا المناخ كانت وقائع ونتائج حرب أكتوبر 1973 وكانت الأدوار التي اضطلعت بها منظمة التحرير في قيادة الكفاح وإدارة الشأن الفلسطيني.
في هذا المناخ بالذات أدرك الأساتذة الأميركيون من ذوي الأصول العربية حجم مشاعر العداء التي استشرت في نفوس الغرب - الأميركان بالذات - إزاء مقولات حصار البترول وثروات البترودولار وتصاعد نفوذ العرب كقوة مستجدة على المسرح العالمي، ولما كانت أميركا هي الساحة الأهم .
وربما المؤهلة أكثر من ساحات الغرب الأوروبي الأخرى للعمل النضالي والعلمي - الأكاديمي والإعلامي في هذا المضمار فقد جاءت أواخر السبعينات لتشهد تشكيل رابطة خريجي الجامعات الأميركية من العرب الأميركيين (أوج) جاء عام 1979 بالذات ليشهد إصدار مجلة بالإنجليزية بعنوان فصلية الدراسات العربية.
وكان يتولى تحريرها اثنان من صفوة مثقفي العرب الأميركيين أولهما البروفيسور إبراهيم أبولغد أستاذ علم السياسة بجامعة نورث وسترن والثاني البروفيسور إدوارد سعيد ولم يكن صدفة أن تصدر المجلة الجديدة وقد أوضحت في افتتاحياتها هدفها الذي يتلخص في عبارات تقول:
انها تشكل منتدى أو محفلا لدراسة العرب ضمن أوسع وأكرم إطار ممكن، بمعنى أنها لن تشدد على طرح خط أيديولوجي بعينه ولكنها تستهدف إتاحة الفرصة لدراسة العرب بغير القيود أو الكوابح التي عادة ما تفرض على جوانب حياتهم (من جانب علماء الاستشراق وخبراء الغرب).
وليس صدفة كذلك - يضيف المؤلف - أن تأتي نهاية عقد التسعينات فإذا بمنظمة «أوج» تختفي من الوجود في حين أن مجلة الدراسات العربية كانت تواصل الصدور.
المرأة والمجتمع
من ناحية أخرى وإلى جانب إغناء الجوانب السياسية من تحليل الشرق الأوسط - في إطار ما يوصف بأنه المد الديني وخاصة على يد عناصر تنتمي بصورة أو بأخرى إلى تيار الاخوان المسلمين - فقد جاءت المرحلة الجديدة من دراسات الشرق الأوسط (وهي بحكم التعريف دراسات استشراقية أو فلنقل استشراقية محدثة) جاءت ليضاف إليها اهتمامات مستجدة كان في مقدمتها مثلا دراسة وتحليل أوضاع المرأة في مجتمعات المنطقة فضلا عن دراسات أخرى تتعلق بجوانب الاقتصاد السياسي.
حيث تأكد في صلب هذه الدراسات الشرق - أوسطية مدى العلاقة الحيوية أو الجدلية بين السلطة والثروة أو بين الاقتصاد والسياسة أو بين أساليب الحكم وآفاق النمو والتنمية الشاملة. في هذا المقام يسرد لنا المؤلف كتاب «ألفرد هاليداي» عن «الديكتاتورية والتنمية» .
وهو معني أساسا بالشأن الإيراني، وكتاب «المرأة في العالم الإسلامي» من تحرير الاستاذين لويس بيك ونيككي كيري، ثم كتاب بيتر جران بعنوان: «الجذور الإسلامية للرأسمالية».
وهو - كما يوضح مؤلفنا - من تلاميذ الأستاذة الأميركية من أصل مصري عفاف لطفي السيد.. وترجع أهمية اجتهادات البروفيسور جران وتطبيقاتها على مصر بالذات إلى ما ذهب إليه من أن حركة النهضة أو الانبعاث في الشرق الأوسط في مصر وفي العالم العربي لم تأت فقط مع الحملة الفرنسية على الشرق في عام 1798، بل كان لها جذورها ودوافعها وإرهاصاتها في مجتمعات مصر والشرق بصورة أو بأخرى.