جيزيل خوري، إعلامية بنت شهرتها من خلال الحوارات السياسية التي أجرتها على القنوات الفضائية مما أثار الاهتمام حسب قولها لكونها امرأة تتحدث «لغة الرجال». مرت بتجربة مؤلمة مع استشهاد زوجها الكاتب والصحافي والأستاذ الجامعي سمير قصير بتفجير سيارته أمام منزلهما بتاريخ 2 يونيو 2005.

وقد أثرت فيها هذه المحنة وأشعرتها بأنها ليست صحافية فحسب بل محاربة. وترى أن واقع الصحافيين العرب صعب، لأن النقاط الساخنة السياسية والأمنية في العالم العربي كثيرة، ولكن على الرغم من وجود الكثير من الصعوبات والمخاطر لا خيار أمام الوطن العربي إلا بتحقيق الديمقراطية.

في هذا اللقاء تتحدث الإعلامية «المحاربة» جيزيل خوري عن تجربتها المهنية والإنسانية وآثار اغتيال زوجها وزميلها سمير قصير على مسيرتها الإعلامية.

* كإعلامية خضت تجربتين الأولى مع محطة تلفزيون LBC والآن مع قناة «العربية«، ما هي الفوارق التي شعرت بها وكيف تختلف الأجواء الإعلامية بين محطة وأخرى؟

- الجو يختلف تماما، وتشعرين انك انتقلت من قناة محلية، حتى لو كان لها صدى، إلى فضاء آخر. محطة LBC الفضائية كان يشغلها نقل صورة الإعلام اللبناني للعرب، أما مع قناة «العربية» فقد شعرت أنني صحافية عربية.

وأيضا القنوات المتخصصة تختلف تماما عن القنوات العامة. في القنوات المتخصصة أجد نفسي بتنافس مع الخبر ومع أناس يشبهونني، أما في القنوات العامة فالتنافس مع المنوعات، كما أن برنامجي يجب أن يكون بنفس أهمية برامج المنوعات التي تمول هذه القنوات.

* كونك امرأة تعملين في مجال الإعلام، برأيك هل هناك من مشاكل تواجه المرأة في هذا المجال أم أن لها فرصا متساوية مع الرجل؟

- اعتقد انه في مجال العمل في التلفزيون لا يوجد في الحقيقة هذا القدر من الفروقات خصوصا في الوقت الحالي. طبعا حين بدأت العمل في الفضائيات مع «حوار العمر»، كان التحدي أكبر لإعطاء إثباتات وبراهين بأني امرأة أدخل «عالم الرجال».

لكن أنا من لبنان والصحافية اللبنانية دخلت التلفزيون اللبناني قبل أن أفعل، لكني قد أكون أول امرأة قامت بإجراء حوارات سياسية في التلفزيونات الفضائية، ذلك أن حوارات من هذا النوع كانت تجري على القنوات المحلية، وكان علي بالتالي إعطاء براهين أكثر وقد أفادني هذا في بعض الأحيان، ذلك أنه أثار الاهتمام بوجود امرأة تتحدث «لغة الرجال».

* هل تنظرين إلى وضع المرأة العربية في الإعلام العربي بايجابية؟

- طبعا، المرأة دخلت نوافذ كثيرة في الإعلام العربي، على الأقل في التلفزيون، كمحررة سياسية أو مراسلة أو مساعدة أخبار، وأنا لا اعتقد ان هناك فارقا كبيرا اليوم، ولا ننسى ان هناك إعلاميات دفعوا الثمن غاليا أيضا، هذه أطوار بهجت ماتت ليس لأنها امرأة، بل لقد أخذوها وقتلوها لأنها صحافية ولم يعجبهم ما تقوم به.

* كمقدمة برامج حوارية على التلفزيون، هل تظنين ان تقديم برامج مشابهة يخلق نوعا من الرتابة؟

- اعتقد أن التنافس لصالح العمل لأنه يجبر الصحافي على تقديم الأفضل، أما إذا بقي لوحده في الساحة فالناس يسمعونه مجبرين، وحين يكون هناك تنافس فإن الإعلامي يصبح معنيا أكثر بالتفتيش.

والسعي إلى اختيار الشخصية والموضوع والعرض الأفضل، ويجب الأخذ في الاعتبار أن مقدم البرامج ليس في تنافس مع البرامج فقط بل أيضا مع الأخبار والحدث.

* لكن ألا يخلق هذا مشكلة في أن يتكرر الضيوف في أكثر من مكان؟

- لا بأس بذلك، لأن الأحداث في العالم العربي تتغير بسرعة كبيرة، وإذا تحدث الضيف في برنامجي حول موضوع معين فسيتناول موضوعا آخر مع زميلتي أو زميلي في محطة ثانية.

وتناول الموضوع من وجهة النظر هذه يعني ان نكف عن سماع الأخبار يوميا، ذلك أنه كل يوم هناك تفجيرات في بغداد ومشاكل في فلسطين وكل يوم يحكى في لبنان عن الديمقراطية والوصاية السورية. وأنا أرى ان العالم العربي بحاجة إلى ان يسمع ويحكي لأنه عاش سنوات من السكوت والصمت.

* هل هناك حرية إعلامية في القنوات التلفزيونية؟

- ضمن المعقول، من المؤكد انه ليست هناك حرية مطلقة، لكن هذا لا يعني ان القنوات هي التي ترفض أو تفرض عدم الحرية، دعوني أقول ان هناك ضغوطا على الإعلام من الحكام والحكومات وعلى الصحافيين مما يجعل الحرية نسبية إلى درجة كبيرة.

* كزوجة وإعلامية واجهت محنة باغتيال سمير قصير، كيف تصفين هذه التجربة وما كان تأثيرها عليك؟

- شعرت بأني لست إعلامية فحسب بل أيضا محاربة. ولكي أتقبل الوضع واجهته بتحليل سياسي، سمير مات في حرب، «حرب أفكار»، وما تركه لنا كوصية في كتابه الأخير «تنبؤات في شقاء العرب» هو دعوة لنهضة عربية حديثة. لتغليب ثقافة الحياة على ثقافة الموت وللدخول في التاريخ، لان العرب للأسف هم الآن خارج التاريخ.

بالعكس أشعر الآن بأني أكثر من إعلامية فقد صرت مناضلة، وحين أظهر على الشاشة أشعر أني أصبحت أعطي أكثر للإعلام والصحافة.

* هل تشعرين ان هناك الكثيرين يفكرون مثلك في مجال الإعلام؟ بمعنى كم عدد الذين يمزجون بين الصحافة والنضال؟

- طبعا يوجد، لكن واقع الصحافيين العرب صعب لأن النقاط الساخنة السياسية والأمنية في العالم العربي كثيرة، وكل العمل الإعلامي والعاملين في الإعلام يتأثرون. لكن هناك من دفع الثمن أكثر من غيره، ومع الموت ينتفي الخوف وحين يخسر الإنسان كل شيء يتخطى مرحلة الخوف ولا يبقى للإنسان ما يفقده، ويصبح بالتالي كل ما يجري تقديمه لأفكاره هو مهم.

* ما رؤيتك لمستقبل الحراك الديمقراطي في الوطن العربي؟

- أريد أن أقول نحن كأشخاص ليست لدينا خيارات كثيرة. إما أن تكون هناك ديمقراطية في كل الوطن العربي، وعلى الأقل نحن دفعنا ثمن الديمقراطية في بلادنا، أنا رأيي ان الطريق صعب جدا وطويل، لكن ليس ثمة من خيار، يجب ان نعمل على الديمقراطية وإلا سوف نموت. أنا لدي أمل عكس كل الناس، على الأقل لدي أمل في لبنان.

أنا متفائلة تجاه الوضع اللبناني، وتفاؤلي على المدى الطويل. أنا أعرف ان هناك الكثير من الصعوبات والمخاطر، ويمكن ان أقتل في أي لحظة، أو أن أخسر أناسا آخرين أيضا، لكن اشعر ان مسار التاريخ لهذا البلد هو المسار الديمقراطي، ولا يوجد حل آخر. لبنان يحوي 14 طائفة، وموقعه الجغرافي والثقافي والحضاري بين الشرق والغرب لا يمكن ان يكون غير ذلك، وإلا نفقد لبنان.

* برأيك ماذا ينتظر الحوار اللبناني لكي يخرج بنتائج؟

- رأيي السياسي العملي ان هذا الحوار أقيم لإجهاض التحرك الشعبي والسياسي لإسقاط رئيس الجمهورية، وقد نجحوا في ذلك لأن التحرك أجهض، وأعتقد أن سياسيي 14 آذار وقعوا في الفخ المنصوب لهم. ولكن الأداء الذي حصل على طاولة الحوار أعطى الكثير من الإيجابيات.

جرى الكلام عن أمور كانت مواضيع محرمة، مثل سلاح المقاومة والعلاقة اللبنانية السورية بكل ما تثيره من هواجس لدى كل الأطراف، كما جرى الحديث عن السلاح الفلسطيني وكذلك عن الوضع الإيراني في لبنان. وبالتالي كان للحوار ايجابيات وكسبنا في النهاية أمورا كثيرة.

وأعتقد أن خطأ سياسيا كبيرا قد ارتكب ألا وهو الانتظار دوما لما سينتهي إليه التحقيق الدولي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. اللبنانيون فهموا بعد فترة ان التحقيق الدولي يسير، لكن هذا شيء والأداء السياسي شيء آخر. وأعتقد أن السياسيين اللبنانيين فهموا تماما ان هناك هامشا من العمل يجب ان يمضوا فيه بغض النظر عما سيقوله التحقيق الدولي.

* ماذا عن مؤسسة سمير قصير التي ترأسينها؟

- مؤسسة سمير قصير أسستها مجموعة أصدقاء وأفراد من العائلة، أنا وأولادي وإخوتي، ورئيس لجنة الممولين أو مجلس الأمناء هو الأستاذ غسان تويني وأنا أتولى رئاسة المؤسسة.

وقد أقامت المؤسسة نشاطات عديدة باسم سمير قصير، ورأينا أهمية حصر هذه النشاطات في هذه المؤسسة بشكل منظم بدل أن تبقى متفرقة وحتى حين يصبح هناك خطر على حياتي لا يكون سمير ملكي أنا فقط بل ملك المؤسسة.

وأيضا نرافق كل الترجمات التي تجري لكتبه في إيطاليا وانجلترا واسبانيا وألمانيا. ودار النهار قامت بترجمة كتابيه «تأملات في شقاء العرب»، و«تاريخ بيروت حديثا» إلى العربية. تبقى كتاباته خلال الحرب اللبنانية التي نرافق ترجمتها كمؤسسة وهناك الكثير من دور النشر التي أبدت اهتماما بالموضوع.

نشارك أيضا في النشاطات الثقافية في العالم وللأسف مجملها في أوروبا. هناك معرض الكتاب الفرنسي حيث أقمنا فيه جناحا كبيرا، ومعرض الكتاب في نابولي الذي أطلق عليه اسم سمير قصير.

أهداف المؤسسة تخليد ذكراه وأفكاره. وفي 2 يونيو المقبل، موعد الذكرى الأولى، سيقام احتفال لموسيقى كلاسيكية وستلقى بعض الخطابات، وهناك منحوتة يجري العمل عليها في باريس سيتم وضعها في ساحة سمير قصير التي هي عبارة عن حديقة جميلة جدا ملاصقة لجريدة النهار أمام ساحة الشهداء، ولكن بعد الذكرى الأولى سننتقل إلى تخليد أفكاره، وفي كل سنة سنقيم معرضا كبيرا لخدمة أفكاره حول الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان.