تعرض لجريمة بشعة كادت تودي بحياته، عندما حاولت مجموعة مسلحين اختطافه قبل أن يطلقوا عليه عدة رصاصات كانت كفيلة بقتله لولا عناية الله، لكنها تركت فيه أثارا نفسية وجسدية عميقة. غير انه كما قاوم الجناة فقد قاوم الإصابة وواجه المرض بقوة الإرادة والإصرار على الحياة.
انه الصحافي العراقي الشاب جواد كاظم الذي لم يكمل عقده الرابع بعد، وما زال في جعبته الكثير من الأحلام الشخصية والوطنية. بدأ عمله الإعلامي في إحدى المحطات التلفزيونية العراقية قبل أن يلتحق بقناة «العربية» مراسلا في بغداد ثم كبيرا لمراسلي القناة في العراق.
ومع انه فقد القدرة على المشي والتحرك بحرية وحيوية كما كان من قبل، إلا انه لم يفقد توقد الذهن والفكر وما زالت أنامله قادرة على الكتابة والعمل التحريري. في هذا اللقاء نقف منه على صورة ما حدث في تلك اللحظات العصيبة، ونحاوره حول قضايا المهنة وصورة الإعلام العربي وواقعه من وجهة نظره.
ـ بداية، الحمد لله على سلامتك ونهنئك بالتكريم الذي تستحقه ضمن فعاليات جائزة الثقافة العربية.. ونريد أن نعرف منك تفاصيل محاولة الاغتيال التي تعرضت لها قبل أشهر؟
- العملية مضى عليها أكثر من تسعة أشهر، ولكن باختصار، في يوم من الأيام العادية في حياة بغداد المليئة بالمخاطر وبالغموض والضبابية، ظهر يوم 18/6/2005 وأنا أغادر احد المطاعم بعد تناول وجبة الغداء فوجئت بمجموعة مسلحين أشهروا السلاح في وجهي وطلبوا مني الذهاب معهم دون أي مقاومة، فرفضت ذلك..
وضع احدهم مسدسه في رأسي وأمرني بالذهاب معه، وهددني بأني إذا خالفت ذلك فسيطلق النار علي. رفضت الانصياع وضربت المسدس في يده وحاولت الإفلات منه مع انه كان يمسكني بقوة، وحدثت مشادة بيننا. وكان هناك بعض المارة في الشارع لكن المسلحين كانوا يشهرون أسلحتهم لمنع أي شخص آخر من الاقتراب.
ـ هل الأمن منفلت في بغداد إلى هذا الحد؟
- بل أكثر من هذه الدرجة.. المهم أنهم أطلقوا علي أربع طلقات إحداها أخطأتني وثلاث منها أصابتني في مناطق مختلفة من الجسم وكانت الطلقة الأولى في مكان إلى جانب القلب ووصلت إلى العمود الفقري والثانية أصابت أسفل الفك وكان يمكن أن تخرج من أعلى الرأس بينما أصابت الطلقة الثالثة ذراعي الأيمن.
بعد ذلك نقلت إلى المستشفى وكنت اقرب إلى الموت من الحياة لساعات طويلة. بقيت في بغداد حوالي 24 ساعة بعد الحادث قبل أن يتم نقلي إلى عمّان التي غادرتها بعد 25 يوما إلى الرياض وبقيت فيها قرابة شهر ونصف ثم تابعت العلاج لمدة أربعة أشهر في لندن. ونتيجة العلاج أنني ما زلت عاجزا عن المشي حتى الآن، لكن الحمد والشكر لله على كل حال.
ـ برأيك هل كنت مستهدفا لشخصك أم بحكم انتمائك للمؤسسة التي تعمل فيها؟
- حقيقة والى حد الآن لا اعرف، والكثير من الحوادث التي تجري في العراق يحاول الكثيرون فهمها أو إيجاد تفسير لها لكن دون جدوى. أنا بدأت حديثي بان العراق مليء بالغموض والضبابية، وهذه الحوادث جزء من ذلك.
ـ الم تكن هناك إمكانية للتحقيق في أسباب هذا الاعتداء ودوافعه؟
- أنا لا اعرف، ولا تنس أن الحادث اثر علي بشكل كبير ولم أتمكن من متابعة الأمر، فقد بقيت نحو شهرين فاقدا للقدرة على النطق وخلال تلك الفترة لم أكن اعرف إن كنت سأتمكن من النطق أم لا، وبالتالي كانت الأولوية في ذلك الوقت لإنقاذ حياتي.
ومع ذلك لا اعتقد أن أحدا سيتمكن من كشف الحقيقة لان هذه الحوادث تجري يوميا في العراق وليست هناك جهة أمنية حكومية أو غير حكومية في العراق تتفرغ لمتابعة موضوعي لأنه في كل ساعة هناك حدث في العراق، اغتيال صحافي أو مسؤول أو ضابط.. وهكذا فان ملفات مثل هذه الحوادث أصبح من الصعب حصرها ومتابعتها.
ـ ماذا عن ضحايا العنف من الصحافيين؟
- سوف أتحدث عما يخصني. فانا من حسن حظي أني انتمي إلى مؤسسة كبيرة اسمها «العربية»، وهذه المؤسسة بذلت جهودا كبيرة من اجل علاجي، ففي يوم الحادث شكلت غرفة عمليات خاصة لتنسيق الاتصالات حول كيفية نقلي بأمان وسلام، من الناحيتين الصحية والأمنية، إلى خارج العراق وظلت هذه المؤسسة تتابع حالتي الصحية وأدخلتني في أرقى المستشفيات في العالم على الإطلاق، وكان هناك اهتمام من خارج محطة «العربية».
كان هناك اهتمام على المستوى العربي، وأتمنى أن تذكروا ذلك، فقد كان هناك اهتمام خاص من سمو الشيخ حمدان بن زايد الذي كان يتابع حالتي من أول لحظة وفتح ميزانية خاصة لعلاجي وحاول أن يرسل لي طائرة إسعاف خاصة إلى بغداد، لكن إشكالات إدارية حالت دون ذلك، خصوصا بسبب وجود القوات الأميركية في العراق.
الملك عبد الله بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية الذي كان حينذاك وليا للعهد أيضا فتح أبواب المستشفيات السعودية كلها أمامي، والملك عبد الله الثاني ملك الأردن كان متابعا لقضيتي. ومع أني أتمنى السلامة للجميع وألا يتعرض احد لحادث مماثل، إلا أني أتمنى كذلك أن يحظى بمثل هذه الرعاية كل من يتعرض لحادث خطير.
ـ ما الذي تطلبه لدعم ومساندة الصحافيين في مثل هذه الحالات؟
- أريد أن أروي لك قصة قصيرة حدثت لي في المستشفى في بريطانيا، فقد تعبت نفسيا عندما علمت أنني لن استطيع المشي على قدمي ثانية، لان ذلك يمثل كابوسا فظيعا خاصة بالنسبة للصحافي الذي يحتاج إلى الحركة والنشاط. والمستشفى متخصص في إصابات الحبل الشوكي.
ورأيت أغلب المرضى مصابين نتيجة حوادث سيارات أو محاولات انتحار وغيرها، ومن يدخل المستشفى ويصاب بإعاقة أو شلل يكون مرعوبا من الخروج خارج المستشفى ومواجهة هذا التغيير الجديد في حياته. وقد انتبهت إلى ذلك فقررت أن أهاجم المرض ولا اتركه يسيطر علي، فطلبت ألا أبقى في المستشفى وان يحجز لي في فندق أعيش فيه وأدير حياتي بنفسي. لقد أردت أن أثبت لنفسي أن الحياة لم تنته بعد وأنني استطيع أن أتحدى المرض ونجحت في ذلك.
ـ في رأيك كيف يمكن تحسين وسائل حماية الصحافيين؟
- لا يمكن ذلك لان هذا جزء من المشهد العام. فإذا كان المسؤول الذي يتمتع بالحماية الأمنية لا ينجو من هذه الحوادث فكيف يكون حال الصحافي الذي لا حول له ولا قوة؟ الصحافي ليس له من السلاح إلا القلم والكاميرا وجهاز التسجيل، وحتى لو أعطي مسدسا فماذا سيفيده إذا هاجمته مجموعة أكثر عددا وأفضل تسليحا منه؟
ليس أمامه إلا مواجهة نصيبه وقدره مع مراعاة الحذر وترتيب تحركاته ليس أكثر، ولا يمكن أن تضع اللوم على احد فليس من الممكن توفير الحماية الأمنية الكاملة بأي شكل. ليس أمامك إلا احد خيارين: إما أن تغامر من اجل هذه المهنة وتختار خوض التجربة، وإما انك لا تريد فتتوقف.
ـ من خلال تجربتك ومتابعتك، كيف ترى الوضع العراقي الآن وفي أي اتجاه يسير؟
- الوضع غامض من الناحية السياسية، والشعب العراقي أرهق بما يكفي وهناك أخطاء كثيرة ترتكب في حق الشعب العراقي التواق إلى السلام والى الحرية والهدوء، لكن إلى حد الآن هذا الشيء بعيد عنه على الأقل في المدى المنظور.
وما نأمله أن تكون الحكومة الجديدة فاعلة في تنظيم البيت العراقي من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية. هذا هو الأمل.
ـ كيف تشعر الآن بعد هذه التجربة القاسية؟ وهل ما زلت تمارس العمل الإعلامي؟
- أنا الآن محرر في غرفة الأخبار بقناة «العربية»، وما زال الملف العراقي ساخنا، ولا أقول إنني متخصص في هذا الملف ولكن باعتباري اعرف تفاصيله جيدا فقد أصبح شبه اختصاص بالنسبة لي.
وهذا يلائم وضعي وقدراتي الحركية، وأنا أحاول أن أوظف كل ما لدي من طاقة ذهنية وحركية حتى أعود إلى الحياة بشكل قوي إن شاء الله. على الأقل لكي أوصل رسالة للآخرين وخاصة للمجتمع العراقي، أن العراق لا يموت، وها أنا جزء منه وتعرضت لما تعرضت له وما زلت أعيش وأتحدى نتائج ما حدث لي.
العراق يتعرض لضغط كبير ويعيش وضعا مأساويا، لكن لا بد أن نتفاءل ولو قليلا وان نضع في حسباننا أن هناك يوما مشرقا سيأتي وان نعمل على هذا الأساس. وأنا أحاول إيصال هذه الرسالة إلى بلدي واعتبر هذه أمانة عندي يجب علي أداؤها.
ـ ما هو تقييمك للإعلام العربي بشكل عام ومستوى الحرية التي يتمتع بها؟
- كثر الحديث عن الحرية الإعلامية. لكن يجب الاعتراف بحقيقة انه في السابق كان النموذج دائما هو القنوات الغربية الكبرى مثل «سي ان ان» والسبي بي سيس، أما الآن فقد أصبحت لدينا قنوات عربية كبيرة، لا أريد تحديد أسمائها، لكنها معروفة.
وبدأت تؤثر في الشارع العربي وفي الشارع الغربي أيضا. فالغرب الآن يعرفنا حق المعرفة ويعرف أسماء العديد من القنوات والصحف وأسماء كتاب في الوطن العربي. الإعلام العربي الآن في حالة نمو ومتعافٍ، وليس كما يشيع البعض من ان هناك كبتا وتضييقا وغير ذلك، وإنما الموجود يتلاءم مع القوانين والأنظمة إلى حد ما وقابل للتطوير.
ـ وماذا عن المحتوى الإعلامي؟
- هناك خلط يحدث عند البعض. لكن المهم أن جوهر العمل الصحافي هو نقل الحدث إلى المتلقي، القارئ والمستمع والمشاهد، أما إذا اعتبر الصحافي نفسه جزءا من الحدث وبدأ يتعاطف مع هذه الجهة أو تلك فهنا لا يعود صحافيا وإنما يصبح سياسيا أو شيئا آخر غير الصحافي. الفهم الصحيح ان الصحافي ناقل للحدث بموضوعية وبأمانة وبشكل يراعي اعتبارات المجتمع وأخلاقياته.