كثيراً ما أسأل الوالدين ماذا تريدون؟ فتأتيني الإجابة التي يتفق عليها جميع الآباء، نريد ابنا صالحاً وناجحاً، وهذه الاجابة لا يختلف عليها اثنان من العقلاء، ولو أن والده قال غير ذلك لكان أمراً مستغرباً جداً، ولكن هل هذه الإجابة هي المثلى؟

حقيقة لا، فهي تفتقر إلى التحديد وتتصف بالعمومية وهذا ما يجعل هذا الهدف لا يمكن قياسه ولذلك فإن أي سلوك نريد أن نغرسه في أبنائنا أو أن نمحوه من ذاكرتهم فلابد أن نجعل له هدفاً محدداً، نستطيع أن نقيس مدى تحققه في المستقبل.

ومن ذلك أن الوالدين اللذين يعرفان كيف يمكنهما أن يخفضا من مستوى العدوانية لدى ابنيهما فلابد أن يبدءا في البداية كما قلنا في المقال السابق بتجفيف منابع المشكلة ثم يأتي دور وضع الهدف.

ومن منطلق الإيجابية في التعامل مع الأبناء فإن الهدف يجب أن يكون إيجابياً لا سلبياً. فلا يصح أن نقول: لا نريد من ابننا أن يكون عدوانياً أو ألا يكون عدوانياً.

وهذه هي الإجابة الثانية التي أحصل عليها عادة من الوالدين بعد إقناعهما بأن الهدف العام لا يصلح أن يقاس. ومشكلة هذا الهدف أنه يحكي ما لا تريد لا ما تريد.

فأنت لم تضع البديل لابنك من سلوك مرغوب، فقد يترك طفلك العدوانية إلى الانعزال، وهو بذلك قد حقق الهدف الذي قلته، فهل هذا كل ما تريد؟

أكيد لا. فأنت تطمح إلى ابن يحمل صفات طيبة تمكنه من العيش مع الآخرين بسلام، فما هو الهدف الذي يمكن وضعه لطفل عدواني؟

إن صيغة الهدف ليست محددة ولا أنصح بأن نأخذ الأمور جاهزة من الآخرين بل أدعو إلى أن يكون الهدف من صياغة الأسرة، فعلى سبيل المثال تكتب الأسرة هدفاً يقول:

أن يكون الطفل مسالماً ودوداً في التعامل مع زملائه والآخرين ويترك الضرب إلا في حال الدفاع عن نفسه، فهذا هدف يمكن أن يقاس ويمكن ان يحقق، ومن خلال التجربة والخبرة في التعامل مع هذه الحالات أنصح بكتابة الهدف لا أن يجعل فقط في الأذهان.

وحسبنا أن نعلم أن القانون الذي أنزله الله للبشر حفظه بالكتابة وليس فقط بمكنون الصدور. ومع كل هذا يجب ان يحرص الوالدان على عدم طلب المستحيل من الطفل، فالطفل بشر يفتر وينشط ويغفل، فلا يصح لنا أن نطلب صعباً عليه سواء من حيث التطبيق أو الزمن.

وقد أوضح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مسائل الدين تؤخذ بالرفق إذ قال: إن هذا الدين عميق فأوغلوا فيه برفق «فإذا كان هذا في مسائل الدين الواجبة فكيف تكون مع مسائل السلوكيات والأخلاق لطفل غير مكلف.

وقد يقول البعض إنها مبالغة حقاً أن يتم التخطيط بهذه الطريقة لتعديل سلوك الطفل، ولكنني أقول ألسنا نخطط لشركاتنا وأعمالنا؟ أو ليست المؤسسة التي تبنى على التخطيط هي الأجدر بالنجاح؟ إذا كانت شركاتنا وأعمالنا التي دائماً ما نذكر أنها من أجل مستقبل أبنائنا تستحق منا هذا الاهتمام وهذه المتابعة فلماذا لا يستحقها أبناؤنا الذين هم أحب إلينا منها.

وإذا كان البعض يرى بأن هذا علم إدارة لا يصلح للتربية والتنشئة فإني أقول: إن علم الإدارة والتخطيط لم يبدأ كما وصلنا اليوم ولكن كان بسيطاً وارتقى حتى وصل إلى مناهج علمية، وكذلك علم التربية تطور بحسب العصر الذي نعيش فيه فهل أبناؤنا أقل من أن يصلوا إلى هذا المستوى من التطور؟

وبعد كتابة الهدف لابد من وضع الوسائل التربوية التي تعين الطفل على تحقيق الهدف المطلوب منه أن يحققه، ومن أهم هذه الوسائل هي إخبار الطفل تحديداً ما هو المراد منه وكيف يصل إليه، وأيضاً تهيئة الجو المناسب والمساعد للتغيير.

ولأن العدوان كثيراً ما يكون تعبيراً عن الذات وتفريغاً للطاقة فإني أنصح المربين بأن يهتموا بتوفير الأنشطة التي من شأنها أن تعزز قدرة الطفل على إثبات ذاته مع كونها تفرغ جزءاً كبيراً من طاقته.

بقي أن يعلم الوالدان بأنه كون طفلهما يتصرف بطريقة عدوانية لا يعني أنه طفل غير طبيعي بل إنها مرحلة طبيعية من مراحل العمر التي يمر بها الطفل وذلك نتيجة لعدة أمور منها عدم القدرة على التعبير، وايضاً حبه للتملك.

والمشكلة لا تكمن بأنها موجودة بل بشدتها ومدة حدوثها وفي كتاب ،دليل الآباء الحائرين لإيقاف سلوكيات الطفل السيئة للكاتبة كات كيلي ترى أن حالات تعدي الأطفال على بعضهم البعض تفوق بكثير الأرقام المسجلة، فنصف الأطفال المعتدى عليهم فقط يخبرون آباءهم بما يحدث، وأقل من النصف هو الذي يخبر المدرس. ويرجع ذلك إلى عدم قدرة المربين على ضبط السلوك العدواني لدى المعتدي.

وفي نهاية المطاف فإن اعتبارنا لسلوك العدوان لدى الطفل سلوكاً منتظماً يبدأ بالاستفزاز وينتهي بالاعتداء فإن بإمكاننا من خلال برنامج منتظم أن نعدل ذلك السلوك ونقومه.