في محاولة من الطلاب لإثبات ذاتهم ونتيجة لفهم بعضهم الخاطئ للرجولة يلجأون إلى العنف، إذ أن دراسة ميدانية أجراها مجلس طلاب مدرسة دبي للتعليم الثانوي بعنوان «ظاهرة العنف في المدارس».

وعن طريق استبيانات وزعت على مختلف مدارس الذكور الثانوية وشملت الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور، أثبتت أن الغالبية العظمى من الطلاب المستطلعين أكدوا أن العامل الأول الذي يدفع الطالب إلى العنف هو محاولته لإثبات ذاته وفهمه الخاطئ لمعنى الرجولة بنسبة بلغت 81 في المئة. تلى ذلك وجود القدوة السيئة ورفقاء السوء ثم قلة الوعي والوازع الديني لدى الطلاب، تبعه ضعف شخصية المعلم داخل الصف وعدم كفايته العلمية.

ومؤخراً طفت على السطح ممارسات وأشكال كثيرة للعنف، وتصدرت هذه التصرفات الأخبار التي تناولتها وسائل الإعلام المحلية بحوادث اعتداء على طلاب ومعلمين بآلات حادة، وفي كل حادث دلالة بارزة على سلوك غير سوي تشترك فيه عوامل كثيرة. «الجيل» التقى عدداً من الطلاب الذين عبروا بآراء متباينة عن فهمهم لمعنى الرجولة، فكان لكل واحد رأيه الخاص الذي يقتنع به كتفسير للرجولة في هذه الأيام.

الاعتماد على الذات

الطالب راشد المضَّرب قال إن الرجولة ليست مظاهر، بل هي تحمل للمسؤوليات ومواجهة المشكلات والاعتماد على الذات، أما الدلع فهو بعيد عنها، وكذلك الاستعانة بالآخرين أو معاكسة الفتيات، فالرجل من يصنع لنفسه ما هو بحاجته، وبالنسبة للقوة فهي مطلوبة ولكنها تبقى في القلب.

ومن لا يقوى على تحمل المسؤولية لا يمكن أن يكون حياة هانئة أو يفعل شيئاً مفيداً لمجتمعه، أما الحب الشريف فهو من مواصفات الرجولة بشرط المحافظة على الأخلاق في هذا الجانب وعدم إلحاق الضرر بالطرف الآخر، وباختصار فالرجل الحق هو من لا يرضى لأي فتاة ما لا يرضاه لقريباته ضمن تعاليم ديننا الحنيف.

الدلال الزائد

بنظر الطالب محمد أهلي فإن الكثير من الشباب يفتقدون للرجولة في هذه الأيام، والأسباب كثيرة وواضحة مثل قلة الوعي وعدم تحمل المسؤوليات والدلال الزائد والترف، فهم يسيرون بقوة نحو إشباع رغباتهم وملذاتهم الشخصية.

ولا بد من الاعتراف أن واقع الشباب اليوم يشير إلى أمنياتهم بأن تكون في أفواههم ملاعق من ذهب، فالرجولة صعبة جداً وعلى صاحبها أن يكون شديداً وصارماً في أوقات، وحنوناً وعاطفياً في أوقات أخرى، أما العنف فلا مكان له عند الرجل، والقوي من يستطيع التغلب على مشكلاته بالعقلانية، ومن يمسك نفسه عند الشدائد فهو أهل بالرجولة.

ملخص الصبر ومعنى الحب

مالك عبد الوهاب ونصر عوض شرطيان يعملان في مرور دبي، كانت لهما نظرتهما الخاصة تجاه الرجولة الحقيقية، واجمعا على أن الكلمة الطيبة واحترام الآخرين والسيطرة على النفس عند الشدائد، والتسامح والتغاضي عن المسيء هي كلها من شيم الرجل الحقيقي.

فالرجولة ملخص عريض للصبر، ومعنى صادق للحب مهما كانت أطرافه، أما العنف فهو من أدنى مراتب الانحطاط، وباختصار فإن كل ما زرعه فينا أجدادنا من شيم تنطق بالرجولة، إذ لا يقارن حاضرنا بماضي آبائنا وأجدادنا في هذا الأمر.

وبالنسبة لاستحقار أو تصغير من هم يعملون في مراتب دنيا فذلك تصرف لا يجد له مكاناً في قاموس الرجولة وإنما يدل على انحطاط في التفكير، وتجب معاملة أي كان بغض النظر عن جنسيته أو مكانته أو طبيعة عمله أو لونه بصورة تليق بالإنسان وتحترم مشاعره، وإلا فإن صاحب النظرة الفوقية تلك بعيد عن الأخلاق وعن الرجولة.

ضعف الوازع الديني

الطالب محمد ناجي الطالب في مدرسة دبي الثانوية وأحد الطلاب القائمين على دراسة أسباب العنف في المدارس أكد أن الدافع الرئيسي للعنف هو الفهم الخاطئ للرجولة وضعف الوازع الديني عند الطلاب.

لافتاً إلى أن مرحلة المراهقة تكون صعبة على أصحابها إن لم يجدوا من يقف إلى جانبهم ويوجههم ويرعاهم، بالتالي فهم يظهرون شخصياتهم بأفكار وسلوكيات خاطئة في المدرسة معتقدين أن هذه السلوكيات تجعلهم رجالاً حقيقيين.

ولكن الرجولة تعني أشياءً أخرى مثل الأخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة والابتسامة في وجه الآخرين، ثم التدخل بين الطلاب لفض المنازعات والإشكاليات، إذ أن الوقوف سلباً في هذه المواقف ليس من الرجولة.

وهذا المسمى موجود لدى كل فرد، ولكن بعض الأشخاص يظهرون صفات خاطئة يعتقد أنها تثبت أو تظهر رجولته، وسلاحه مقولة خاطئة أورثت أفعالاً غير سوية، وهي «خالف تعرف».

طاعة الوالدين

محمد العبار طالب في الصف الثالث ثانوي علمي يعتبر أن الرجولة تعني العمل على إثبات المكانة والشخصية الحقيقية للشخص في وطنه، علاوة على الاستماع إلى الوالدين وطاعة أمرهما بعيداً عن القول «أنا ريال وأعرف طريقي»، أما الفلوس فهي لا تجلب الرجولة، لأن هذه السمة نابعة من القلب ولا علاقة لها بالمظاهر.

شخصية قوية

ويؤكد الطالب عمر إبراهيم البحري أن الرجل يظهر بالهيبة التي يتحلى بها أمام الآخرين، فهو يحتاج إلى شخصية قوية، ويجب ألا يكون ظالماً للآخرين، ويتطلب منه إظهار السمات الحسنة التي تنبع من داخله ودون تصنع، فالرجولة لا تتناسب مع قصات الشعر والتسريحات الغريبة والعجيبة أو مع التدخين.

فمتابعة الموضات بأسلوب أعمى من التقليد لا يناسب حقيقة الرجل السوي، وكذلك الأمر بالنسبة لمن يلاحق الفتيات أو يعاكسهن، والرجولة تعني أيضاً الالتزام بما يقوله الشخص، والإيفاء بالوعود.

الرجل لا يخشى أحداً

الطالب راشد المطوع يعتبر أن الرجولة تعني حضوراً للشخصية ذات الأخلاق العالية التي تملك الهيبة أمام الآخرين، والتي تحافظ على الأخلاق العالية مع عدم اللجوء إلى العنف مهما كانت الأسباب، ثم العناية بالأمور الدينية.

وبخصوص استعراض القوة أمام الآخرين فذلك تصرف مناف للرجل الحق، الذي يتعين عليه الإمساك بأعصابه عند الشدائد وإظهار لباقة التصرف في مواقف مختلفة، فالرجل لا يخشى أحداً ولا يتردد في مرافقة أي كان، لأنه يملك في داخله ما هو أقوى من التأثر بمواقف سلبية ينبذها منذ آفاق على هذه الحياة.

القوة العقلية

أحمد إبراهيم رزق اعتبر أن الرجولة تمالك للنفس ساعة الغضب وإحساس بالمسؤولية عند الشدة أو الوقوع في مأزق ما، إضافة إلى الشعور بالقوة العقلية والجسمانية وسرعة البديهة والتفكير، فيمكن للشخص أن يصبح رجلاً إذا امتلك واحدة من هذه الصفات، ولكن إذا وجدت القوة الجسمانية التي يستغلها صاحبها في أمور عنيفة فذلك الشخص يصبح حينها «همجياً».

ويتوجب على الطالب أن يعامل معلميه وزملاءه في المدرسة باحترام ليصبح حينها رجلاً حقيقياً، ومن حقه أن يحظى بمعاملة معلمه وفق منظور الرجولة المحترمة، بعيداً عن أساليب الضرب والتحقير والتصغير، ففي مرحلة المراهقة يشعر الشخص أنه صار يمتلك صفات رجولية، ويبدأ عندها بالجنوح إلى الممارسات المرفوضة مجتمعياً مثل العنف والألفاظ البذيئة وهي تصرفات غير أخلاقية وتنم عن شخصية «ولادية».

استطلاع ـ عنان كتانة: