لوحة فنية أخرى استضافتها مدرسة خاصة وصنعتها أنامل صغيرة لطالبات ضاعفن من الجهود ليكون الواقع قريباً من الحلم والطموح، ففي ساحة تلك المدرسة لم يقتصر المشهد على الطلبة وأولياء الأمور، بل تعدى ذلك لتتداخل فيه رسميات قناصل عدد من الدول مع ضجيج مفعم بالفرح والاستمتاع لجمهور عشق تكرار ذلك المشهد والذي يجسد بيئات مختلفة تسرح فيهم إلى حيث يحلمون، أو تعيد رسم صورة تحاكي المكان الذي بدأوا فيه طفولتهم الأولى.
ذلك رسم من لوحات كثيرة تلألأت في سماء مدرسة الأندلس الخاصة في دبي، التي أصرت وللعام الثالث على التوالي على إحياء يوم تراث عالمي جديد، تكلل بمزيد من النجاح وهتفت له نظرات إعجاب الكم الهائل من الجماهير التي تقاطرت على مدار أكثر من خمس ساعات إلى ساحة المدرسة غير الصغيرة
والتي بدت وكأنها تضيق شيئاً فشيئاً مع تواصل حضور العائلات ووقوفها إلى جانب أبنائها مباركة لهم جهودهم التي كانت في النهاية فاتورة النجاح لذلك العمل الضخم، والذي حطم حدود المدرسة الضيقة، وأطلق إلى الأفق تعابير أخرى تنطق بها فرحة الإنجاز.
في المدرسة تلك وكما توضح ريم حسين المشرفة على فعاليات المهرجان فإن مجلس الطالبات أخذ على عاتقه القيام بدور المنظم والمتبني لفكرة تراثية عالمية من شأنها أن تنمي دافع السلام لدى الحاضرين، وتزيد من تبيان وانفتاح الحضارات فتقربها من بعضها أكثر، ناهيك عن تعزيز روح الانتماء وإنعاش الفكر التراثي لدى الأجيال المتعاقبة تجاه بلدانهم وعائلاتهم وأقاربهم.
* تراث عالمي
يوم التراث العالمي اسم اختارته المدرسة لتنضوي تحته كل ملامح الإبداع والتميز، وهو الاحتفال ذاته الذي تنظمه الكثير من المؤسسات التعليمية وتحديداً الجامعات، والذي يكون بقوالب متباينة الأحجام وفقاً للإمكانيات ولرغبات أبناء الجاليات المشاركة، ومهما كانت حدود الانطباع الأولي بالنسبة للزائرين، فما هو أبعد من ذلك حنين داخلي وانتماء مبطن يتفجر على أعتاب خيمات احتمت بسور المدرسة الطويل لستة عشر جالية شاركت بفنون كثيرة استحضرها أبناؤها الصغار ليتحفوا بها الكبار.
* لوحة السلام
وتقول ريم ان بعض الطالبات سعين منذ البداية إلى تجسيد تراث بلدانهن وأخذن يبحثن ويصنعن ويأتين بكل ما يمكن أن يقرب من رسم الصورة الملتصقة بأذهانهن تجاه تراث بلدانهن، فكان ذلك مقبولاً ومتاحاً لإمكانية أن يتلقين المساعدة من جهات كثيرة، ولكن الخيار الأصعب كان عند طالبات أخريات أخذن على عاتقهن تجسيد ثقافات وحضارات بلدان أخرى غير عربية على ساحة الأندلس الخاصة.
وبالرغم من أن أعداد الطلبة الذين مثلوا كثيراً من الأجنحة المنتمية إلى جالياتها العربية كان كافياً لإخراج ما تحمسوا إلى فعله بصورة معبرة ومقدرة لمكانة بلدانهم التاريخية والثقافية، إلا أن طالبات أخريات آثرن الابتعاد عن نظيراتهن من أجل تجسيد حضارات وتمثيل بلدان ليس لها في المدرسة سوى طالبة واحدة مثل إسبانيا وألمانيا والصين وإيطاليا، فكان عليهن بذل مزيد من الجهود في سبيل الوصول إلى تمثيل يليق بعراقة هذه البلدان.
أولئك الفتيات عملن بكل إصرار ورحن يبحثن في الإنترنت وفي القرية العالمية بغية الحصول على قليل معبر يمكنهن من رسم لوحة ناجحة فحواها السلام كفكرة تتعايش وتتلاقى من خلالها ثقافات بلدان كثيرة، ومن أجل هذا الهدف السامي كان لا بد من العمل بروح المبادرة وبذل كل ما يمكن من أجل صناعة يوم يطرب فيه المجتمعون على لحن المحبة والسلام.
لاأقول مئات بل آلاف من الزائرين والمتحفزين للاستمتاع مع ذلك النسيج التراثي المعبر احتضنتهم باحات المدرسة وممراتها لقضاء سهرة متميزة، ربما أعفت بعضهم من التفكير بمكان للخروج إليه مع عطلة نهاية ذلك الأسبوع، لاسيما وأن ملامح السرور والانشراح ظلت وعلى مدار الساعات تلازم محيا الحاضرين.
* اهتمام القنصليات
كثيرٌ من المتواجدين في ذلك الحدث بانت عليهم ملامح الإرهاق الممزوجة بالمتعة، وكما شوهدوا فإنهم ظلموا أقدامهم في ليلتهم تلك نتيجة لتنقلاتهم المتواصلة بين مختلف الأجنحة طمعاً في الاستمتاع مع فقرة تذاع هنا أو أخرى دوت أنغام موسيقاها في خيمة ثانية، وهو ما دفع الكثيرين إلى إحضار كاميراتهم الخاصة لتخليد تلك الأمسية في ذاكرة لا تمل تكرار عيش الأيام والليالي السعيدة.
الأجواء تلك لم تكن لتجسد واقع دول التقى أبناؤها لتكوين مجتمع مدرسي تبرز فيه روح الزمالة والأخوة فحسب، بل إن جهات خارجية اقتحمت سواد تلك الليلة وأضافت إلى الأنوار المنتشرة في ساحات المدرسة أضواءً أخرى غيرت من مفهوم الأمسية، لاسيما الفرق الموسيقية التابعة لشرطة دبي أو المطاعم و«الكافتريات» المتنوعة أو الفرق الخارجية للفنون التراثية.
وفوق ذلك كله فقد اهتمت قنصليات الدول المشاركة بمساعدة أبناء جالياتها والوقوف إلى جانبهم لإتمام أحلامهم الصغيرة ورسم ملامح للانتصار على الصعوبات والنجاح في مختلف المهمات الدراسية والاجتماعية والثقافية وحتى السياسية، ولم يبخل ممثلو عدد من هذه القنصليات بالتواجد في الصفوف الأولى لمتابعة زهرات بلدانهم وهن يعدن رسم ثقافة أوطانهن وتعريف الآخرين بها.
وفي مشهد وكأنه هارب من صخب الفرحة التي تناثرت في كل بقعة من مدرسة الأندلس، انسلخ المئات من الحاضرين عن متابعة العروض المتواصلة أمام خيم الجاليات تاركين وراءهم مئات أخرى من الزائرين، إذ كان من نصيب المسرح الرئيسي في المدرسة فقرات إضافية تضيف إلى جمال تلك الليلة جمالاً، فعليه عرضت بعض الجاليات فقرات أخرى ممتعة ولافتة في تنظيمها، حازت على تفاعل قوي من الجمهور، لاسيما القناصل الحاضرين والهيئة الإدارية والتدريسية بالمدرسة.
* تألق وإبداع
فريق من الطالبات كان منظماً ومتمكناً لإتمام المهمة التي أوكلت إليه، فما احتضنته باحات المدرسة في تلك الأمسية كان شاهداً على سر التألق والإبداع لاسيما وان في المشهد شخصيات رسمية وشعبية وجمهور اختلفت ألوانه، فبالرغم من طول فترة العروض والفعاليات المقدمة إلا أن اللافت في ذلك المشهد كان تفوق أعداد من يأموا المدرسة للاستمتاع مع ما يعرض في باحاتها ولساعات متأخرة من الليل، مقابل من يتخلون عن ذلك المشهد في تلك الليلة المفعمة بالتسلية والمعاني الكبيرة.
الطالبة فاطمة الشحي كانت الذراع اليمنى في ترتيب جناح خاص بدولة الإمارات في يوم التراث العالمي بمدرسة الأندلس، فهي وكما تقول بذلت جهوداً كبيرة بمساعدة الطالب مانع بن سليم في تواصلهما مع قرية التراث وجمعية الإمارات للطوابع فكانت النتيجة خيمة إماراتية هي الأكبر.
الخيمة الأكبر في الأمسية التراثية المدرسية ظلت تعج بالفنون التراثية واليولة والرزفة، إلى جانب معرض الرعيل الأول المنظم والذي يحوي ما هو أكثر وأفضل تعبير عن الإمارات وحكامها المخلصين، وفوق كل ما سلف احتوت الخيمة الإماراتية على محلات تعرض وتبيع الأشياء التراثية مثل الشيل والعبايات، إضافة إلى أكلات شعبية متنوعة تفوح منها رائحة الإمارات القديمة وتراثها.
* ثمرة شهية
ثناء الخواجا وإسراء الشواكري طالبتان تحملتا أعباء ثقيلة في سبيل تجسيد واقع يليق بفلسطين، تلك القضية العادلة والرمزية كما تقولان، إذ تمكنتا من زيارة القنصلية الفلسطينية والاستعانة بها لتقديم بعض ما يلزم خيمتهما، ثم وجهتا دعوة للقنصل الفلسطيني لحضور العرس الثقافي الهادف، وكان لهما ذلك كنتيجة لجهود جبارة أهلتهما للانتصار على أعمارهما الصغيرة وصناعة ثوب تراثي يليق بفلسطين.
أوجد ذلك المشهد خيمة احتوت على رسومات متنوعة واحتمت بأغصان الزيتون المتدلية على جنباتها، وعلى مداخلها تنتشر أكلات فلسطينية راسخة برائحتها المميزة، فذلك كان ثمرة شهية لعمل دؤوب من أصحابه الصغار، ولكن الظروف تربصت بثناء حتى أثنتها عن الاحتفال مع زميلتها في تلك الأمسية وحرمتها تذوق الثمرة الشهية المنتظرة لحدث طارئ كان يخفيه لها القدر.
ولم تكن جهود الطالبتين سارة أيمن وشيماء عطية بأقل من سابقتيهما، فقد ارتأت هاتان الصغيرتان أن تعيشا في ذلك اليوم عالم السيرك الإسباني المليء بالمتعة والمفاجآت، وتسيران في أجواء وردية تمنح التفاؤل والسرور، وهو نتيجة حتمية للدور الذي لعبتاه في تمثيل الجناح الإسباني برتوش قليلة معبرة كان ثمن الحصول عليها بحث طويل تخطى حدود المعقول، لتكون النهاية خيمة إسبانية بفتيات عربيات تفوح منهن تقاليد أوروبية أبرزها السيرك الإسباني المعروف، والانسجام مع الورود والمراوح والعطور التي يولي لها الأسبان عناية فائقة.
* دلالة تاريخية
المعادلة الأبرز كانت الدلالة القوية واللافتة في اجتماع ثلاثة أركان تشترك في تاريخ مضى عليه سنوات طويلة، وهذه الأركان هي إسبانيا والأندلس والعرب، وهي دلالة تاريخية على أندلس العرب والمسلمين في أسبانيا، والتي رشحت منها تعابير وأناشيد تمجد السلام والمحبة بين الشعوب المتقاربة.
أما الصين فكان لها نصيبها من تلك الأمسية فلم تبقَ مهمشة، إذ انحازت إليها طالبتان أخريان، وهما أريج خالد وزينة عصفور اللتان أحضرتا تراث بلد المليار في خيمة لا تتعدى مساحتها بضعة أمتار، وكان التنين الصيني أبرزها، إضافة إلى نبذة تعليمية عن الحروف الصينية قدمتها الطالبتان، ناهيك عن مسابقة شيقة أقبل عليها الجمهور للأكل بالعيدان الخشبية الصينية.
ولم تعجز الطالبة جمانة ياسين عن تحمل عبء إحضار تراث ألمانيا إلى ساحة الأندلس الخاصة، فقد تمكنت وبجهود ذاتية من عرض أشهر الأكلات الشعبية، وتسليط الضوء على مناطق ألمانية عريقة وعلماء صنعوا شيئاً للتاريخ، إلى جانب عرض منظم لأواني طبخ ألمانية قديمة.
تلك الأجنحة كانت جزءاً من مشهد تراثي طويل وأصيل، برزت فيه ملامح فراعنة مصر القديمة وأمتعت الحفل برقصات التنورة والحصان ورقص آخر شعبي لأبناء الجالية المصرية أمام خيمتهم التي ظلت تحاط بالعشرات من المراقبين باستمتاع لفقراتها المختلفة.
ومثلها حظيت الخيمة السورية بنصيب كبير من التشجيع والحضور لما عرضته من دبكات ورقصات فلكلورية، في مشهد تراثي أنيق تكرر عند معظم خيمات أبناء الجاليات المشاركين في تلك الأمسية، والصور وحدها تكفي لتعبر عن نجاح فاق التوقعات.
دبي ـ عنان كتانة



