عندما رفع كفيه للسماء داعيا الله وعيناه تدمعان أن يدخل إحدى المدارس ويصبح له أصدقاء) فدمى قلب الأم وشعرت بالحزن الكبير عليه ما دفعها للمثابرة والمناضلة ليتحقق لمحمد ابو رمانة حلمه في أن تقبله احدى المدارس كونه يعاني من كسل في العصب البصري أضعف نظره، اضافة إلى مشكلة النشاط الزائد والتي تعني كثرة الحركة وقلة التركيز، وبإرادتها وبرغبة ابنها القوية ووجود قابلية لديه للتعلم وصل محمد إلى الصف الخامس في مدرسة المروج الخاصة ذات النظام البريطاني وهي المدرسة السادسة التي يلتحق فيها بحثا عن بيئة مدرسية عادية وأصدقاء كبقية الطلاب.
ليلى الغزاوي أم محمد أبو رمانة تحدثت عن التحدي الكبير الذي عاشته مع ابنها منذ نشأته وإصرارها على ان ينال حقه من التعليم والحياة الذي لا يمكن ان يحرم منه وان كان من ذوي الاحتياجات الخاصة، تقول ليلى إنه بسبب خطأ في الكشف الطبي تعرض محمد في صغره لمشكلة المياه الزرقاء في عينيه ،والتي لعدم اكتشافها مبكرا أثرت على عينيه وسببت ضعفا في العصب البصري الذي لا مجال لعلاجه ما اضعف نظره لدرجة كبيرة،
اما المشكلة الثانية التي يعاني منها فهي وجود اضطراب نفسي ونشاط زائد لديه يجعله كثير الحركة لا يجلس داخل الفصل بسهولة، وبالتالي غير قادر على التركيز ولكنه رغم ذلك لديه قابلية للتعلم وتحصيله الأكاديمي ممتاز، ومن ذلك كله كانت معناة الأم ليلى والتي بدأت رحلتها لإقناع المدارس في تقبله ليكون في بيئة مدرسية كبقية الطلاب مقابل اهتمامها الكامل به وبعملية تعليمه داخل المنزل.
وبدأت ليلى إلحاق ابنها بأحد مراكز ذوي الاحتياجات ولكنها لا تجد فيه المكان المناسب لابنها القابل للتعلم. كما ان المركز نفسه أكد لها أنه ليس المكان الصحيح لابنها فتترك المركز بعد ستة أشهر وتتوجه إلى المدارس وتتنقل في كل عام من مدرسة لأخرى لتكون محطتها الأخيرة مدرسة المروج العلمية الخاصة التي تتقبل ابنها وتتعامل معه بكل إنسانية كما تقول ليلى التي تلمس ذلك من واقع معاناة عاشتها لسنوات في مدارس لم تحتمل ان يستمر ابنها لعام آخر لديها رغم تفوقه الأكاديمي، مما كان يؤثر بشكل سلبي على نفسية محمد.
البيئة المدرسية
وتقوم والدة محمد بعملية تدريسه بشكل كامل رغم أنه نظام بريطاني ولكنها ترى أن سعادة ابنها وهو مرتد ثيابه وذاهب إلى مدرسته صباحا أهم ما يمكن أن يشعر به ليتابع حياته بسعادة وهو يدرس في الصف وأحيانا خارجه مع وجود متابعة ورعاية كاملة من المعلمين وتعاون كبير من إدارة المدرسة التي احتضنته وتبذل جهدا كبيرا ليجتاز عقبات تعليمه .وبالتالي فهو يعود للبيت مدركا تماما لمواد الحفظ مثل التربية الإسلامية واللغة العربية
وغيرهما لأنه يعتمد أكثر على السمع في دراسته بينما تقوم أمه بتعليمه بقية المواد العلمية والرياضيات ويؤدي امتحانات المدرسية كبقية الطلاب ويتفوق في مختلف المواد. وتشير ليلى الى انه لو استفاد ابنها 10 في المئة من المدرسة فهي سعيدة لأنه يحيى كبقية الطلاب وهي تقوم ببقية الدور واعتادت ليلى أن تحضر الكتب الدراسية التي تخص كل عام و تبدأ تدريسه لابنها خلال الإجازة ومن ثم يدخل المدرسة ويكون تحصيله أعلى.
حق الدمج
وطرقت ليلى كل الأبواب الممكنة وغير الممكنة بحثا عن حياة أفضل لابنها الذي آمنت بقدراته ،ولكن المشكلة الحقيقية التي وجدتها كانت في عدم وجود مدارس تقبل الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة القابلين للتعلم والذين لا تفيدهم المراكز المعنية بهذه الفئة بشكل صحيح ،لأن مكانهم في المجتمع العادي ،أي يحق لهم الدمج فيه ولا بد من تأهيلهم، مشيرة إلى الحاجة الماسة مستقبلا لتأمين فصول خاصة في المدارس الحكومية والخاصة على السواء لرعاية الطلبة القابلين للتعلم ومعاونة الأسر في ذلك.
جمعية لأولياء الأمور
واقترحت ليلى تأسيس جمعية لأولياء أمور ذوي الاحتياجات الخاصة تكون منبرا لهم للعمل الموحد والبحث عن أفضل السبل لتعليم أبنائهم ورعايتهم ،ولم يكن ذلك مجرد اقتراح، بل أجرت عدة اجتماعات مع عدد من أولياء الأمور المعنيين بالقضية من خلال أبنائهم، لأن لديهم حاجة ماسة لتبادل الخبرات معا لمعرفة كيفية التعامل مع أبنائهم ودعم عملية الدمج، ولكن تلك المحاولات لم تجد من يساندها أو يدعمها مؤكدة ضرورة العمل على تفعيل وتأسيس مثل هذه الفكرة وأنها على أتم الاستعداد للتعاون في تنفيذها.
رفض الاهانة
محمد أبو رمانة تحدث بسعادة وهو داخل المدرسة عن حبه الكبير لمدرسة المروج لأنها الوحيدة التي قبلته وأعطته الفرصة ليكون له أصدقاء يحبونه .وقال إنه ذهب إلى مدارس عدة ولكنه لم يجد اهتماما كبيرا لديهم. كما أن الطلاب كانوا يهينونه لأنهم يعتقدون أنه مجنون بسبب حركته الكثيرة داخل الصف، ولكن أصدقاءه اليوم يحترمونه وخاصة زميله «أحمد سامر» الذي يساعده في فهم بعض الأمور الصعبة عليه.
ويعبر محمد عن حبه الكبير لأمه التي تبذل جهدا كبيرا معه ،ولولاها لما وصل لما هو فيه الآن، فأمه بكت كثيرا لأجله و سعت ليكون في مدرسة كبقية الطلاب ويقضي معها أكثر من أربع ساعات يوميا في الدراسة داخل المنزل ، ويشير محمد إلى حبه للتعلم ،وأنه متفوق في مواده ويحقق درجات نهائية في المواد وخاصة العلوم لأنه يأمل أن يصبح في المستقبل عالما في مجال الأبحاث العلمية والمختبرات، كما أنه يهوى لعب كرة القدم وكرة السلة.
ورغم مشاكل البصر لديه أحب محمد الكمبيوتر واستطاع تعلم العديد من مهاراته من خلال المدرسة وإخوته، ويهوى التعامل مع برنامج الرسم الذي يمتلك قدرة على التحكم في غالبية أدواته، لأنه يجد متعة في استخدام الألوان وتصميم الأشكال.
أمر مرفوض
المراكز تطالب بمبالغ طائلة، فقد دفعت ليلى مبلغ 20 ألف درهم لابنها في احد المراكز قبل أن تلحقه بالمدرسة، وترى أنه لا يكفي العبء النفسي على الأسرة لتجد نفسها أمام عبء مادي.
احدى المدارس التي ألحقت بها ليلى ابنها قامت برفض التحاق ابنها لديهم لعام آخر ان لم تقم بنقل بقية أولادها إلى المدرسة ذاتها فرفضت ليلى ذلك، فقامت المدرسة بفصل ابنها، لأن الهدف التجاري طغى على الناحية الإنسانية، وهذا هو الطابع الغالب للمدارس الخاصة.
والدة محمد أكدت أن الكثير من أولياء الأمور يستحون من أبنائهم ذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا أمر مرفوض ويضيع على المجتمع العديد من الأفراد الذين يمكن ان يكون لهم شأن كبير في المستقبل .
قوة الإرادة
معلمو المدرسة التي يتلقى فيها محمد تعليمه أكدوا إعجابهم به وأمه اللذين يتمتعان بإرادة قوية مشيرين إلى درجة الذكاء والتفوق التي يتمتع بها محمد.
وقال محمد السيد مدرس التربية الإسلامية إن محمد يحقق درجات تفوق ال 95 في المئة وهو يجيب حتى عن الأسئلة الصعبة وبأسلوب موسع وينم عن مستوى يفوق عمره مشيرا إلى أن المشكلة الوحيدة أنه كثير الحركة ويحتاج إلى مجهود من المعلم لإبقائه في حالة تركيز ولا يشت ذهنه، بينما ذكر شاهد علي معلم العلوم أن محمد متميز جدا ويستمتع كثيرا بمادة العلوم ودرجاته متقدمة فيها ويحقق درجات نهائية ويتوقع له مستقبلا متقدما، ووصفته معلمة الرياضيات بالعبقري والذكي وسرعة الإجابة على تمارين الرياضيات
أبوظبي ـ لبنى انور:



