لأن أي حديث عن ظاهرة الاستشراق وماهيتها وتشعباتها على مر العصور لا بد له أن يعرج أو يتوقف عند الإرث العظيم الذي خلفه المفكر الفلسطيني البارز إدوارد سعيد، فإن مؤلف هذا الكتاب يكرس الفصل السادس والأخير منه لإلقاء نظرة فاحصة على فكر هذا الرجل، الذي عاش عمره في غياهب المنافي وعينه دائماً على بيت المقدس، حيث أبصر النور لأول مرة.
يؤكد مؤلف الكتاب على أن سعيد تمكن من أن يجمع بين نقد النظرة الغربية (السلبية أساساً) إلى الشرق، وقدرته على هدم جوانب كثيرة من تلك النظرة، وذلك حين يبين المفكر العربي الشهير جدلية العلاقة التي تجمع بدورها بين المعرفة والقوة.. ليخلص إلى نتيجة مفاده أن الاستشراق هو شكل من أشكال المعرفة، لكن هذه المعرفة ليست بريئة ولا هي بعيدة الصلة بالبنية الفوقية للمجتمعات وعلاقات القوة التي تحكمها.
يعد الفصل السادس من كتابنا واحدا من أهم فصوله وقد اختار له المؤلف العنوان التالي: كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد والنتائج المترتبة عليه.
بادئ ذي بدء يشهد المؤلف الأميركي للبروفيسور الراحل سعيد بأنه من مواليد القدس (وما كنا لنتوقف عند هذه النقطة من حياة المثقف الفلسطيني الكبير، إلا لأنه هناك من بين خصومه الفكريين في الولايات المتحدة من حاولوا التشكيك في انتسابه للمدينة الفلسطينية العريقة).
بعدها يتابع مؤلفنا مراحل حياة إدوارد سعيد وأطوار دراسته وتكوينه المعرفي ما بين القاهرة إلى برنستون إلى هارفارد في أميركا حيث كان كتابه الأول المنشور عبارة عن دراسة في الإبداع الأدبي للروائي جوزيف كونراد. الذي انحدر من أصل بولندي ولكنه أصبح من أعلام الأدب الإنجليزي.
وقد كان مفروضا أن يشق الأستاذ الشاب إدوارد سعيد طريقه في مجال دراسة وتدريس الأدب الإنجليزي في أرقى جامعات أميركا والعالم - لولا.. أنه كان صاحب قضية وطنية.. قومية..
إنسانية وكان ينتمي إلى شعب فلسطين الذي أصيب بنكبة اغتصاب الوطن والمصير - وكان الرجل يعتز بهذا الانتماء. هكذا بدأت تحولات سعيد إلى عالم السياسة مجسدة في كتابه الثاني الذي حمل عنوان «البدايات» الصادر عام 1975.
يقول مؤلف الكتاب: - جاءت نكسة 1967 بمثابة صدمة صاعقة نزلت بإدوارد سعيد وأنداده من المثقفين العرب والفلسطينيين بالذات، بعدها شرع إدوارد تدريجيا بالتحرك نحو النشاط والحركية السياسية.. بدأ يتكلم ويخطب ويكتب باسم الشعب الفلسطيني وحقوقه وطموحاته الوطنية.. وكان في هذا كله ينطلق من واقع شعوره العميق بهويته كفلسطيني وقد أعان على ذلك قيام منظمة التحرير وسعيها نحو نيل الاعتراف بها عربياً وعالميا بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
يومها تألقت سمعة ومكانة إدوارد سعيد بوصفه في صدارة المدافعين عن القضية الفلسطينية في أميركا وأوروبا ومن ثم كان انتخابه مع زميله البروفيسور إبراهيم أبو لغد أعضاء في المجلس الوطني (البرلمان) الفلسطيني.. وهو الموقع الذي ما لبث أن استقال منه عام 1991 وكان السبب أولا هو إصابته بالمرض اللعين وثانيا، لأنه وجه انتقادات حادة إلى ما كان يرصده في إدارة الشأن الفلسطيني من أخطاء وسلبيات.
إدوارد سعيد
بعد أن رسم المؤلف هذه الخلفية التي عاش في ظلها البروفيسور إدوارد سعيد.. كان عليه أن يتحول إلى صلة المثقف الفلسطيني الكبير بموضوع الاستشراق والمستشرقين وهي كما نعرف محور قضايا هذا الكتاب. كان السبب الأساسي كما يوضحه المؤلف (ص 183 وما بعدها) هو انغماس إدوارد سعيد في معمعة السياسة وهو أيضا ما أفضى بالرجل إلى تأمل الصورة التي يرسمها الغرب للعرب والمسلمين ويتعامل معهم على أساسها..
وهي صورة اصطنعتها وما برحت تكررها وسائل الإعلام الغربية كي تربط بين العربي.. المسلم والإرهاب هنالك شمر إدوارد سعيد عن ساعديه المجهدين بفعل بوادر المرض وأنتج عددا ضخما من المقالات والتعليقات والتحليلات وألقى محاضرات وشارك في ندوات يأمل من خلالها استرعاء الأنظار إلى ما في هذه الصورة المرسومة لعرب الشرق الأوسط ومسلميه، بل والمسلمين والعرب في كل مكان من تحيزات وأهواء وانحرافات عن الواقع والصدق والحقيقة الموضوعية.
في هذا السياق - يقول المؤلف - أصدر إدوارد سعيد 3 كتب رئيسية كان آخرها بعنوان «تغطية الإسلام» (قدمنا للكتاب عرضا في «البيان» وأوردناه فصلاً في كتاب أصدرته البيان لكاتب السطور بعنوان «قضايا وأفكار معاصرة».. ثم صدرت مؤخراً لكتاب إدوارد سعيد ترجمة كاملة في القاهرة بالعنوان نفسه للدكتور محمد عناني). الكتاب الثاني كان بعنوان «قضية فلسطين» وكان دراسة نقدية كما يصفها المؤلف لما ألحقته الصهيونية وإسرائيل بالشعب الفلسطيني من صدمات سلب الأرض وما ظلت تلحقه به من محاولات الإخضاع والقهر والاضطهاد.
كتاب الاستشراق
وبديهي أن نقف مع مؤلفنا عند أول وأهم ما جاء في هذه الثلاثية الفكرية ـ السياسية التي جاد بها قلم البروفيسور سعيد:
إنها الكتاب التأسيسي كما نصفه الذي أصدره إدوارد سعيد عام 1978 بعنوانه الشهير.. الاستشراق.
يقول مؤلفنا الأستاذ لوكمان:
ـ لا يماري أحد في التأثير الثقافي - الفكري الناجم عن كتاب «الاستشراق».. صحيح أنه صدر في مرحلة شهدت حركة انتقاديه واسعة لأفكار وطروحات المستشرقين وكانت هذه الحركة قد بدأت تحدث تأثيرها المتميز في دراسات الشرق الأوسط في كل من أوروبا وأميركا، لكن كتاب إدوارد سعيد استطاع أن يصل إلى جمهور أوسع نطاقا من القراء داخل الدوائر الأكاديمية وخارجها بقدر ما أثار خلافات عميقة وجدلا واسعا وتمت ترجمته من الإنجليزية إلى لغات عديدة ودفع - وهذا هو الأهم - جمهرة من العلماء والاختصاصيين إلى أن يعيدوا التفكير فيما كانوا يفعلون ومن ثم إلى معالجة القضايا الفكرية والثقافية المستجدة والمتصلة بالمنطقة باستخدام طرق جديدة.
وأساليب مبتكرة وربما يتضح هذا الأثر البالغ العميق لطروحات البروفيسور سعيد من خلال اعتراف البروفيسور إعجاز أحمد الأستاذ بالجامعات الإنجليزية وكان في مقدمة منتقدي الكتاب بأن الأثر الذي نجم عن كتاب «الاستشراق».. جاء بمثابة «شحنة كهربائية» دفعت دفقا من حياة جديدة منتفضة بالنشاط في بنية الدراسات الشرق أوسطية. ثمة أستاذ كبير آخر هو البروفيسور البريطاني روجر أوين: وهو في مقدمة المعنيين بقضايا المنطقة أطلق على كتاب إدوارد سعيد الوصف التالي:
** إنه قنبلة أكاديمية
وصحيح أيضا - يستدرك مؤلفنا - إن كتاب الدكتور سعيد عمل طويل ومعقد (ربما يقصد انه مركب من عناصر متشابكة) وأحيانا صعب الاستيعاب.. ويمكن قراءته على أوجه شتى حسب نوعية القارئين، ولكن الصحيح أيضا أن الكتاب استطاع أن يجمع بين مهمة نقد النظرة الغربية (السلبية أساسا) إلى الشرق بقدر استطاعته أن يهدم جوانب كثيرة من تلك النظرة.
إن إدوارد سعيد يرفض منذ استهلال كتابه الجامع تلك الازدواجية التي انطلقت منها مدارس الاستشراق الغربية والتي تنظر إلى العالم من خلال حالة الانفصام - هل نقول الشيزوفرينيا - بين غرب وشرق وهي نظرة انبنت عليها بالضرورة فكرة أنك تستطيع دراسة هذا الشرق وتحليل واقعه ووصف مجتمعاته والتعمق في معتقداته في حين ترى أن للغرب دورا يتمثل في بعد هذه الدراسة في الهيمنة على مقاليد هذا الشرق وفي تولي أسباب السلطة والنفوذ على أقطاره عند هذا المنعطف المفصلي من الكتاب..
يجهد المؤلف في تقصي جذور هذه النظرة التي تبناها إدوارد سعيد ويحاول إرجاعها إلى المفكر الفرنسي ميشيل فوكيه (1926-1984) الذي ينسب إليه تيار ما بعد البنيوية أو ما يسمى أحيانا بأنه «ما بعد الحداثة» ويقوم على أساس العلاقة المتميزة بين قطبين محوريين في حياة المجتمع والإنسان المعاصر وهذان القطبان هما: المعرفة والقوة.
وباختصار شديد، تقول أفكار فوكيه بأن أي مجتمع ليس هو الكيان الذي نتصوره أمرا واقعا بمقاييس الواقع الذي نعرفه ونعايشه.. إن هياكل المجتمع وظواهره وملابساته وأفكاره هي مقولات ناتجة عن خطاب فكري ونسق عقائدي - ثقافي معين له تحيزاته ومشاكله وأهواؤه وسلبياته ومنجزاته. وبمنطق هذا النهج من التفكير.. يأتي إدوارد سعيد ليقول في كتابه ان الاستشراق.. بمعنى الشغف بالشرق (العربي - الإسلامي بالذات) لم يأت من فراغ..
وبمعنى أنه ليس بعيداً أو منفصلا عن الأنساق - الأوضاع - البيئات والأجواء التي انطلقت في ظلها دراساته وبحوثه وأحكام المشاركين فيه والمعنى - عند إدوارد سعيد أن الاستشراق ما هو إلا شكل معين من أشكال المعرفة، له منطلقاته وأغراضه وقواعده وأعرافه ومعاييره وكلها تدعي البحث عن الحقيقة ولكنها كلها ليست بعيدة الصلة عن علاقات القوة أو أوضاع السلطة التي دأب الغرب على الإمساك بها ومن ثم ممارستها على مقاليد الشرق، وبهذا تحولت اتجاهات الاستشراق إلى تمييز بين ضميرين غير مستترين كما قد نقول وهما:
** ضمير نحن «والمقصود هم الأوروبيون»
** ضميرهم والمقصود الآخرون وهم طبعا غير الأوروبيين.
وهذا المنحى المنهجي في التفكير كفيل بأن يصل بأصحابه وبحكم ضرورات المنطق إلى التمييز بين «نحن» بكل تميزنا وتفوقنا، وبين «هم» الذين يجب أن يخضعوا لنا وأن يسلموا لنا مقاليد الهيمنة على ما يملكون.
وربما كان هناك بعض المنصفين أو المتحررين لوجه العلم والبحث في مجال الاستشراق، لكن التيار الغالب الأعم كما رصده كتاب إدوارد سعيد هو تيار القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين (ص 188)، تيار الدراسات الاستشراقية التي شكلت صيغة معرفية سوغت وبررت تأكيد ورفض القوة والسلطة الغربية على الأراضي التي يغلب على سكناها العرب والمسلمون سواء في غربي آسيا (المشرق العربي) أو في شمالي افريقيا (المغرب العربي).
الاستشراق الآن
ثم يلفت إدوارد سعيد أنظار قارئيه إلى أحوال مدارس الاستشراق الغربي من أواخر القرن التاسع عشر وحتى إرهاصات القرن الحادي والعشرين.. يكتب المفكر الفلسطيني - الأميركي آخر فصول كتابه تحت عنوان: الاستشراق .. الآن
ويلخص في هذا الفصل أطروحته الرئيسية التي تنعي على مستشرقي الغرب - أو معظمهم - أنهم كانوا هم الذين مهدوا أرضية السيطرة الإمبريالية على أفكار الشرق..
صحيح أنهم درسوا وكتبوا ونّفذوا الأبحاث الأوروبية والتاريخية.. ولكن أعمالهم كانت أقرب إلى الغطاء الذي كان يستر مقولات السيطرة الاستعمارية، كما تتبدى سافرة وصارخة (إلى حد الاستفزاز) عند رديارد كبلنغ الشاعر الذي كان يتغنى بسطوة بريطانيا عبر البحار على إمبراطورية شادتها بقهر الشعوب واستغلال مواردها وكبت نموها وحريتها..
وليس انتهاء بعميل الاستخبارات الانجليزية الشهير لورانس.. إلى أن يصل البروفيسور سعيد إلى الثلث الأخير من القرن الماضي إلى حيث أصبح «العربي المسلم» شخصية من شخصيات الثقافة الشعبية الأميركية، تهتم بها على نحو خاص دوائر التجارة ورجال الأعمال بقدر ما يهتم بها كذلك صانعو السياسة - الداخلية والخارجية المنصفون والمغترون على السواء.
ويوضح إدوارد سعيد في نهايات كتابه الشامل كيف أن المواجهة النفطية التي حدثت في غمار وملابسات وأعقاب حرب أكتوبر 1973 جعلت وسائل الإعلام الغربية - الأميركية خاصة - تصور العرب على أنهم الخطر المقبل والعدو القادم وتحاول أن تجسد هذه المواقف المتميزة بتقديم شخصيات تمثيلية تصور قوما لهم ملامح سامية (بمعنى شرق - أوسطية) وشوارب كثة يرتدون الملابس التقليدية الشائعة في الجزيرة العربية بالذات وتحكي عنهم بوصفهم الذين يهددون وجود إسرائيل على أرض المنطقة بل وقد يهددون وجود الغرب بأسره في الأساس.
ولأن إدوارد سعيد كان يتبع في كتابه منهجا علميا، ورغم الانتقادات الممرورة أحيانا التي يوجهها إلى حركة الاستشراق الغربية، إلا أن الرجل وهو أستاذ أكاديمي بالأساس خلص في كتابه إلى أن الحالة لا تدعو إلى اليأس باستمرار.. وأن الساحة لا تزال تشهد باحثين منصفين.
وأساتذة مخلصين وأكاديميين غير متحيزين - ومدارس استشراقية تتعامل مع قضايا العالمين العربي والإسلامي بمنطق بعيد عن فساد الغرض والمصلحة أو على الأقل منطق لا تعمى بصيرته - كما يقول إدوارد سعيد - عن الحقيقة الإنسانية. في هذا الخصوص يقول إدوارد سعيد بالحرف:
- ثمة علماء كثيرون موجودون اليوم كأفراد ويعملون في مجالات من قبيل التاريخ الإسلامي والعربي الإسلامي والحضارة وعلم الاجتماع والانتروبولوجيا ويتسم إنتاجهم بالعمق والروح العلمية الحقيقية. وتتمثل المشكلة في أن يكون الأستاذ الباحث أو العالم المفكر غافلا أو غير منتبه لما يدور من حوله فإذا به يغرق مع أعماله ودراساته وسط دوامات الاستشراق التقليدية التي سبق وأن وضعت نفسها في خدمة الاستعلاء الإمبريالي من جانب الغرب.. وتلك مصيدة يقع بين براثنها من ليس متمرسا بما يكفي بأساليب بل وأحابيل هذا النمط (الكلاسيكي) من الاستشراق.
ما هو الحل إذن؟
يجيب الأستاذ إدوارد سعيد:
- على الدارس أن يظل منتبها إلى ما يجري من حوله وأن يأخذ دوما بأسباب مراجعة النفس ونقد الذات وأن يسأل نفسه باستمرار: كيف يتسنى للمرء أن يعكس ثقافة الآخرين وهل فكرة وجود حضارة متميزة أو ثقافة متفوقة أو ديانة أفضل من سواها.. فكرة مفيدة أو صائبة؟
من هذا كله يخلص إدوارد سعيد كما يوضح مؤلف كتابنا إلى فكرة يعرضها في بساطة موجزة تقول:
- إن الرد على مشاكل الاستشراق ليس بالانغماس في استعلاء الاستغراب.
والمعنى بداهة أن على الغرب أن يتفاعل مع الشرق بمنطق الحوار والتكامل والتوافق وليس بمنطق الاستعلاء والهيمنة أو التمايز.. أين هذه الدعوة التكاملية من دعوة أكاديمي آخر لأفكار معاصرة لإنكار إدوارد سعيد أو بعدها بسنوات قليلة..
نقصد بالطبع دعوة أو مقولة تصادم الحضارات وصراع الثقافات التي قسمت العالم إلى قطبين هما الغرب والآخرون ، وهي الدعوة التي ما زالت تترك في الأفواه مرارات منذ أن أطلقها أستاذ جامعة هارفارد الشهير صمويل هنتنغتون.
ماذا بعد الاستشراق؟
أخيرا يصل مؤلفنا إلى الفصل الختامي من هذا الكتاب الذي علينا أن نعترف انه يتطلب من قارئه جهدا لا يستهان به ،أولاً بسبب تشابك موضوعه بكل أهميته البالغة، وثانيا لأن الكتاب حافل بالطروحات النظرية وعروض الاتساق الفكرية، فضلا عن سلسلة الأسماء التي حرص المؤلف على أن يوردها لأجيال من الباحثين والعلماء والمفكرين من الشرق والغرب على السواء.
الفصل الختامي يحمل العنوان التالي: ما بعد الاستشراق وفي هذا الفصل يعرض المؤلف للعلماء الذين رفضوا فكرة سعيد في ربط العلم الاستشراقي بالهدف الاستعماري.. ومنهم أيضا من تجاهل مقولات سعيد ومضى يركز على ظاهرة المد أو التيار الإسلامي الذي أصبح واضحا، لا بوصفه مجرد فصيل فكري أو أيديولوجي في منطقة الشرق الأوسط، ولكن بوصفه فصيلاً يتحرك في صبر ودأب وأناة..
ومهارة أيضا لكي يدخل معترك السياسة واضعا نصب عينيه تلاقي أخطاء الماضي من جهة أولى.. وعدم الصدام المباشر مع السلطة القائمة من جهة ثانية، والوصول في يوم قريب أو بعيد إلى موقع النفوذ وربما مقاليد الحكم من جهة ثالثة.
في هذا السياق يعكف برنارد لويس على تحليل ما وصفه بأنه حالة الغضب السائدة في نفوس المسلمين ويكتب مقالة بحثية صافية في مجلة أتلانتك منثلي الشهرية الأميركية عن «جذور غضب المسلمين» (عدد سبتمبر 1990) وفي هذا السياق، يحرص لويس على اصطناع مصطلحات يستخدمونها بالعمد في أدبيات الكتابة والدرس والتحليل عن أحوال.
واتجاهات المنطقة ثم لا تلبث أن تصبح مقبولة بعد أن تتسلل في ثنايا المنتوجات الإعلامية اليومية إلى أن تكتسب بمرور الزمن وبمنطق التكرار الخبيث شكلا من أشكال المصداقية، ولا سيما حين يرددها المسلمون أنفسهم ولو عن حسن نية في معظم الأحيان.
والأمر يبدأ بمصطلحات تصدق على الشأن الإسلامي من قبيل: التشدد.. التطرف الأصولية.. وإلى أن تصل تعمل بالطبع أو فلنقل بالعمد إلى مصطلح الإرهاب.
في نفس هذا الفصل الختامي من كتابنا، يرصد المؤلف ظاهرة تحوّل الاستشراق - في أميركا بالذات - من دراسات وبحوث واستطلاعات عن أحوال الشرق الأوسط والشأن العربي - الإسلامي - أيا كان الدافع أو الخطأ أو المصلحة - إلى حيث أصبحت الدراسات والبحوث والاستطلاعات والندوات تكاد تتمحور حول قطبين متقابلين هما العرب .. واليهود..
وفي داخل القطب العربي يكمن البعد الإسلامي.. وفي داخل القطب الآخر يكمن البعد الإسرائيلي - الصهيوني وكلا القطبين بكل ما يتسمان به من أبعاد ومحاور يجهد لكي ينال قدرا من دعم الإدارة الحاكمة في البيت الأميركي الأبيض.. وبديهي أن القطب الثاني هو الذي فاز بكعكة هذا التأييد ولاسيما بعد أن سيطرت جماعات المحافظين الجدد على إدارة الحكم في الولايات المتحدة، ثم جاءت أحداث سبتمبر 2001 وما أعلن في أعقابها من «حرب على الإرهاب» لتؤجج ظاهرة الاستقطاب ولغير صالح العرب والمسلمين.
وفي غمار هذه الحملة على الإرهاب وصلت التطورات إلى غزو أفغانستان وإلى احتلال العراق، في حين بلغت الأمور على مستوى السياسة الداخلية الأميركية - وكما يوضح مؤلف الكتاب - إلى حد وصفها بالسياسة الخشنة أو الفظاظة السياسية حيث تُدرج أسماء الناس في قوائم سوداء وحيث تبذل محاولات هنا أو هناك لإسكات صوت المعارضين.
بين سطور الصفحات الخمس الختامية من هذا الكتاب يعرض المؤلف لما آلت إليه أوضاع الولايات المتحدة بعد احتلال العراق.. ويحذر من الاستسلام إلى ما يصفه بأنه «عنجهية القوة» (والتعبير قال به أصلا السناتور فولبرايت منذ عقدي الخمسينات والستينات في معرض النقد الذي وجهه ذلك السياسي الأميركي المحنك إلى التورط الأميركي في حرب فيتنام) ولأن المؤلف هو في التحليل الأخير مؤلف.
بمعنى أنه كاتب ومفكر وباحث وأستاذ جامعي، فهو لا يملك سوى أن يرفع صوته منبهاً وناصحاً وموضحاً خطورة ما يمكن أن تؤول إليه الأمور وهو يطالب كل الأطراف في أميركا وفي الغرب وفي الشرق الأوسط وفي العالم الإسلامي بأن يعي دروس الماضي وأن لا ينسى عبرة التاريخ..
والمؤلف يودع قارئيه بسطور نحب أن ننقلها لقارئنا الكريم إذ يقول ما يلي:
ثمة تكاليف ومغارم لا بد من أدائها مقابل تناسي دروس التاريخ وإزاء التجاهل المتعمد وسوء الفهم الغافل المغرور لأحوال الآخرين في عالمنا ولموقعنا في هذا العالم.. تلك حالة تسود (للأسف) جوانب المجتمع الأميركي وثقافته وسياسته.. ومن شأن تلك التكاليف أن تزداد وتتصاعد ولكن المشكلة أن الأبرياء في بلدنا وفي خارجها هم الذين يتعين عليهم أن يدفعوا الثمن.