في هذه الحلقة من الكتاب الذي بين أيدينا، يتابع القارئ عملية الرصد التي يقوم بها المؤلف للتطورات والأحداث ومجرياتها التي صبغت ورافقت ارتقاء الامبراطورية العثمانية حين دخلت مسرح السياسة الدولية من أوسع أبوابه، محققة الانتصار تلو الآخر وصولاً إلى مشارف العاصمة النمساوية فيينا، وبين صورة المسلم في وجدان أوروبا، التي تأرجحت بين التركي «الفظ» والعربي «العنيف».

ثم ينتقل المؤلف إلى رصد عملية ظهور وتطور مفهوم الشرق الأدنى والشرق الأوسط في العقلية الغربية، تزامناً مع ولادة ظاهرة الاستشراق، التي قامت على تيارات فكرية ثلاثة عرفت بتيارات التحامل والتعارف والتظارف.

لكنها جميعاً تقوم على نظرة استعلائية متعجرفة، مهدت الطريق بقوة أمام طرح مفاهيم غريبة عن الفكر الإنساني من نوع صراع الحضارات، الذي يستند بدوره إلى عبارة من صنع أميركي بحت هي «الغرب والآخرون» أو «نحن..وهم».

«الإسلام والغرب والآخرون»، هذا هو عنوان الفصل الثاني من الكتاب. ونحسب أن المؤلف عمد إلى هذه الصياغة وهو يستلهم العبارة الشهيرة التي وردت في كتاب «تصادم الحضارات» للمفكر الأميركي صمويل هنتنغتون بشأن «الغرب في مواجهة الآخرين» ويقصد بهم باقي الشعوب والثقافات والحضارات في سائر أنحاء العالم بخلاف أوروبا وأميركا..

بيد أن مؤلف كتابنا الأستاذ لوكمان يعود بالقارئ إلى نهاية القرن الثالث عشر للميلاد - وبالذات إلى الفترة التي أدركت فيها أوروبا وحكامها الإقطاعيون وقتها أن لا جدوى من الحملات العدوانية الاستعمارية التي كانت تشنها على قلب المشرق العربي.. وقد تعززت هذه الحقيقة إزاء الفشل الذي منيت به آخر الحملات العسكرية التي وصفوها بالصليبية.

في إطار هذا الإدراك كما يقول مؤلفنا، بدأ بعض المتعلمين في الغرب الأوروبي يدركون بحق أن الإسلام لا سبيل إلى مواجهته بالحملات العسكرية، وأن هذه المواجهة لا بد وأن تبدأ - في تصورهم - بمزيد من الإطلاع على جوهر الإسلام مع تدارس تعاليمه - مما يقتضي البدء بتعلم وإجادة اللغة العربية. هكذا انحسرت قليلا موجة العداء للإسلام والتربص بالمسلمين وأن لم تنته تماماً.

الامبراطورية العثمانية

وهنا دخلت إلى مسرح الأحداث الدولية قوة جديدة هي قوة العثمانيين الذين واصلوا إنشاء وتوسيع إمبراطوريتهم الكبرى في المشرق وفي المغرب من الوطن العربي وأيضا في وسط أوروبا إلى حيث أبواب العاصمة النمساوية فيينا.

ومن مصادفات التاريخ أن ذروة التوسع والمجد العثماني التركي جاءت متزامنة مع أحداث وملابسات عملية الإصلاح الديني في أوروبا.. وفيما أدى هذا الإصلاح الديني إلى مزيد من الانقسامات داخل الجماعة المسيحية الأوروبية..

كانت الخلافة التركية تشدد قبضتها وتؤكد مكانتها الإمبراطورية على مسرح السياسة العالمية منذ القرن السادس عشر حتى أن الوجدان الأوروبي رسم صورة واحدة لم يفرق فيها بين ما هو «مسلم» وما هو «تركي» وهو ما نراه منعكسا في الإبداع الشعري - الروائي والمسرحي في كثير من أقطار أوروبا.

ـ ما هي إذن إبعاد هذه الصورة للتركي المرادفة كما ألمحنا لصورة المسلم؟

يجيب المؤلف قائلا:

ـ هي صورة الإنسان الغليظ القلب. الشديد الفظاظة، الباعث على الخوف، والقاسي الفؤاد والمائل إلى العنف والتعصب، مع المبالغة في هذا السلوك لدرجة أتاحت لرسامي الكاريكاتير ورواة الأقاصيص الشعبية الساخرة أن يصوروها.

ويعكسوا أبعادها سواء من باب السخرية أو من باب التسلية أو من منطق الانتقام من ذلك التركي.. ذلك المسلم الذي أقام دولة إمبراطورية في جوارهم المباشر (آسيا الصغرى) وثم أرسل جحافله غازية منتصرة إلى قلب أوروبا، فأخضعت ممالكها وأذلت عواهلها..

ناهيك عن أن هذا التركي ما لبث أن حقق إنجازه التاريخي غير المسبوق حين فتح القسطنطينية، المدينة التاريخية التي ظلت على مدار قرون طويلة عاصمة لإمبراطورية بيزنطة وموئلا للمسيحية الشرقية فكان أن تحولت إلى إسلام بول (اسطنبول) بمعنى حاضرة الإسلام وزهرة مدائن الأتراك المسلمين ولأن هذه الحكايات عن الأتراك كانت تستند بالذات إلى خيالات الرواة أو إلى وجدان القصاصين والمسرحيين..

كان لا بد - بحكم الصنعة ورغبة في الإثارة - أن يرشوا عليها توابل التشويق، وفي مقدمتها أن هؤلاء الأتراك - المسلمين حتى لا ننسى - قوم تستبد بهم النزوات الحسية والرغبات الجنسية (هنا تلعب فكرة الحريم في قصور السلاطين دورا لإضفاء لمسات الإثارة والغموض واجتذاب البسطاء والسذج من عوام الناس في أوروبا على وجه الخصوص).

لكن هذه الصورة السلبية لم تكن مطلقة على هذا النحو المعمم صحيح انها اكتسبت بعدا شعبيا بين غمار الناس.. إلا أنه كان هناك أيضا قوم استقامت لهم نظرة إيجابية إزاء الأتراك العثمانيين. يقول المؤلف (ص 43):

ـ شهد القرن السادس عشر، في واقع الأمر - نفرا من مثقفي أوروبا ممن راعتهم منجزات دولة العثمانيين من حيث القوة والمنعة والنفوذ والثروة.. هؤلاء الأوروبيون، وليس غيرهم هم الذين أضفوا على السلطان العثماني سليمان (1520-1566) وصف «العظيم» أو «الجليل» رغم أن مواطنيه الأتراك كانوا قد وصفوه بأنه سليمان..

القانوني (وهذا ما درجت عليه الحوليات التاريخية العربية أيضا) باعتبار أن عصر هذا السلطان شهد صدور عدد كبير من التشريعات المهمة - النظامات كما أسموها ومنها بالذات ما جاء متعلقا بالامتيازات أو التسهيلات الممنوحة للتجار الأجانب لاجتذاب استثماراتهم إلى سوق الدولة - الإمبراطورية العثمانية وولاياتها) أكثر من هذا:

دأب هؤلاء المثقفون الأوروبيون على تقصي أسباب نجاح هذا السلطان المسلم في توطيد أركان إمبراطوريته وفي العمل على ازدهارها وكثيرا ما كانوا يقارنون بين هذا النجاح وبين نقيض ما كانوا يشاهدون ويعيشون من سلبيات مجتمعاتهم.. كأنما كانوا يقارنون - كما يوضح كتابنا - بين فضائل الأتراك ونقائص الأوروبيين.

شهادة من سعادة السفير

في هذا السياق ينقل الكتاب شهادة «أوغير بوسبيك» الذي كان سفيرا لإمبراطور النمسا لدى البلاط العثماني في منتصف القرن السادس عشر والذي أسهب في الثناء على المنجزات العثمانية في المجالين المدني والعسكري قائلا:

ـ ليس هناك رجل واحد في الإمبراطورية العثمانية يدين بمكانته أو مركزه سوى لشجاعته وجدارته ولا يتميز فرد عن آخر بحكم مولده أو أسرته بل ينال كل امرئ أوسمة الشرف والجدارة حسب طبيعة ما يؤديه من واجب وما ينهض به من مسؤوليات.. هذا هو السبب - يضيف سفير النمسا - في نجاح الأتراك (العثمانيين) فيما يسعون إلى تحقيقه.

بعدها يلجأ السفير إلى منطق المقارنة بين اسطنبول وفيينا.. فيضيف قائلاً:

ـ لنا أساليبنا المختلفة (في أوروبا طبعا) حيث لا نأخذ بقاعدة الجدارة والكفاءة. لأن كل شيء، عندنا يتوقف على الأصل والمحتد والمنشأ والعائلة.. وهذا هو السبيل الوحيد لدينا الذي يفضي بالفرد إلى المناصب العليا.

لا عجب إذن أن ينتقل هذا الإعجاب بالإمبراطورية التركية المسلمة في فترة عنفوانها ونهضتها إلى فرنسا حيث يقول أحد كبار مؤرخيها وفقهائها في مضمار التشريع وهو جين بوران:

ـ في رأيي أن عاهل الهابسبورغ، وهو من حكام النمسا وهنغاريا، لا يستحق لقب إمبراطور الذي يدعيه لا هو.. ولا غيره.. وإنما الذي يستحق لقب إمبراطور بحق هو السلطان العثماني.. فالسلطان يحكم عددا من أغنى الأقطار في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

كما أن قدراته العسكرية توازي قدرة جميع منافسيه من أمراء أوروبا مجتمعين.. ولهذا يحق لنا أن ننظر إلى هذا العثمانلي على أنه وريث الإمبراطورية الرومانية.

وهكذا كانت نظرة كوكبة من ساسة أوروبا وعلمائها إلى إمبراطورية آل عثمان في اسطنبول، التي كانت حتى فجر القرن التاسع عشر حاضرة الإسلام بقدر ما كانت عاصمة الحل والربط - كما يقولون - في ساحة السياسة الدولية.

يسترعى النظر أيضا أن ينضم إلى هذه الإشادة بالإمبراطورية العثمانية المسلمة سياسي شهير في التاريخ في حجم نيكولو مكيافيللي (1469-1527) الذي اهتم بالذات بالربط بين ازدهار الدولة وبين السلطات الواسعة التي كان يتمتع بها حاكموها.

هنا يمضي مؤلفنا الأميركي ليوضح أن هذا التيار من الإعجاب الإيجابي الموضوعي بالإمبراطورية المسلمة هو الذي أفضى إلى اهتمام أوسع وانشغال أعمق بما عرفه الغربيون باسم «الشرق» (أورينت)..

وقد ميزوه في القرون الثلاثة الأخيرة عن المفهوم الأوسع لكلمة الشرق الأقصى إذ كان يمتد ليشمل الصين وجنوب آسيا وحتى جزر اليابان وربما أصقاع المحيط الهادي.

عالم الشرق في المفهوم الأوروبي الحديث أصبح يتطابق أو يكاد مع العالم الناطق باللغة العربية مضافا إليه إمبراطورية الترك وقاعدتها في آسيا الصغرى ثم مملكة فارس المتاخمة لمناطق الجزيرة العربية والخليج. في ضوء هذا الإطار أيضا كان منطقيا أن ينسحب الاهتمام إلى العربية وآدابها وتراثها وثقافتها.

هكذا جاء عام 1539 ليصبح العالم الفرنسي غيوم بوستل أول أستاذ في جامعة باريس يشغل كرسي تدريس اللغة العربية.. وقد نسج على نفس المنوال جامعات أوروبية شتى مما خلق حركة علمية ناشطة إلى حد نهضوي انشغلت بالعربية وأيضا بالتركية وبالفارسية وبالإسلام كعقيدة وشرائع وأعراف وثقافة وتاريخ وكان أن نمت على ضفاف هذا التيار العارم حركة الاستشراق التي جمعت .

- كما يحرص مؤلفنا على التوضيح بين شغف العلم وظمأ المعرفة ورغبة الفهم والتفاهم، وأيضا وبين شبهات التحامل ورغبة التشويه ونزعة التنفيس الأعمى عن حقد مكبوت ودفين من جانب أوروبا تجاه أهل الإسلام من أتراك وعرب وفرس ومن إليهم.

ثم كان بين هذين التيارين - الإيجابي الدارس والسلبي المفتري تيار ثالث رأى في الإسلام وفي العروبة ظواهر طريفة وأفكاراً لذيذة وأعرافا غريبة وغوامض وأسراراً تدعو إلى الكشف والاكتشاف..

لا من منطلق المعرفة وطبعا ليس من منطلق الحق أو الهجوم.. ولكن من منطلق التماس الغريب وعرض الطريف.. وهكذا قُيّض لهذه التيارات الثلاثة.. تيار التعارف وتيار التحامل وتيار التظارُف أن تشكل في مجموعها حركة الاستشراق كما تناهت إلينا في العصر الحديث.

وربما زادت جرعة التيار الثاني الحاقد والمتحامل مع ازدياد معدل التدهور الذي بدأ يصيب الدولة العثمانية التي حقت عليها قوانين التداعي ومن ثم الفساد حسب قوانين تطور الحضارات عند العلاّمة المسلم الشهير عبد الرحمن ابن خلدون.

وقد شاءت تطورات الأحداث وخاصة من القرن الثامن عشر إلى أوائل القرن العشرين أن تخصم من حسابات الإمبراطورية التركية المسلمة أرصدة سياسية وإقليمية واقتصادية ومعنوية..

فيما كانت هذه الأرصدة كلها تضاف إلى حسابات أوروبا التي استجمعت قواها منذ عصر العقل (القرن 18) الحافل بالتحصيل الفلسفي والإبداع الأدبي.. إلى عصر القرن 19 الذي شهد نصفه الأول اكتشاف البخار واختراع القطار فيما شهد نصفه الثاني بلوغ أوروبا ذروة الهيمنة والسطوة بسبب عاملين أساسيين هما:

(1)استمرار نهضة الاكتشاف والاختراع وصولا إلى البرق والهاتف ثم ثورة الكهرباء.

(2)دخول أوروبا عصر الاستعمار الامبريالي، حيث تشكلت لحساب شعوبها إمبراطوريات شاسعة في أفريقيا وآسيا بالذات بما يعنيه ذلك، من هيمنة سياسية على مستوى عالم القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

ولكن كان يعني بالذات تدفقا هائلا للمواد الخام ووفرة من العمالة الرخيصة والإمكانات السخية التي أتاحتها موارد المستعمرات، فكان أن صبت مزيدا من الحيوية في شرايين الحياة والاقتصادات الأوروبية، بحيث يستوي في ذلك القطن في مصر والمطاط في غانا والذهب في الهند والماس في جنوب أفريقيا والنفط في إيران وفي غيرها.

تقسيم الشرق

هنالك حرصت أوروبا في إطار مغامراتها الشرقية إلى تقسيم الشرق إلى جزأين هما:

(1)الشرق الأدنى

(2)الشرق الأقصى

بيد أن أوروبا- وهذا من تصاريف التحولات الدولية - لم تأخذ بهذا التقسيم في إطار مساعيها لبسط الهيمنة السياسية أو جهودها لاستحلال واستغلال الموارد الاقتصادية، بل إنها جمعت بين الشرقين الأدنى والأقصى حيث كانت تصدق على كليهما مطامع الاستغلال والاستحلال!.

والحاصل أنه قبيل غروب القرن 18 وبالتحديد في عام 1795 أنشأوا في باريس مدرسة اللغات الشرقية الحية، حيث يتزامن هذا التاريخ - كما نعرف - مع ذروة انتصار الثورة الفرنسية الكبرى من ناحية، فيما كان معاصرا كذلك لاستعدادات باريس لتنظيم وتجهيز حملة عسكرية أطلق عليها قائدها بونابرت اسمها الذي يحمل أكثر من دلالة بالنسبة لموضوع هذا الكتاب وهو: «حملة الشرق».

مدرسة باريس هذه كانت بمثابة الحاضنة الأساسية لتيار الاستشراق الذي قاده في تلك الفترة الباكرة المستشرق الفرنسي الأشهر سلفستر دي ساسي (تـ 1838) وكان أستاذا للغة العربية وقد نشر ترجمات منها وأيضا من التركية والفارسية وكان أول رئيس للجمعية الآسيوية في فرنسا التي تميزت كذلك بدراساتها عن عقيدة الإسلام ومجتمعات المسلمين.

ويلي ذلك اهتمام الولايات المتحدة بعوالم الشرق والعروبة والإسلام.. وتجلى هذا الاهتمام في تأسيس الجمعية الشرقية الأميركية في أربعينات القرن التاسع عشر حيث أسهمت تلك المؤسسات في تدريب وتخريج كوادر من علماء الاستعراب .

والاستشراق ما لبثوا أن تداعوا إلى عقد اجتماعات يتداولون فيها أمور الشرق (الأدنى - الأوسط) وقد تراوحت أغراض هذه المداولات بين وجه العلم أحيانا ووجه الاستعمار في أحيان أخرى هكذا انعقد أول مؤتمر للمستشرقين في عام 1873..

وظل يوالي اجتماعاته بانتظام في هذه العاصمة أو تلك من عواصم أوروبا.. (في الجزء الأول من ديوان الشوقيات يطالع القارئ قصيدة همزية ألقاها أحمد شوقي لدى حضوره مؤتمر المستشرقين عام 1897 ومطلعها: همّت الفُلك واحتواها الماء).

وهكذا.. كان القرن التاسع عشر هو الذي شهد أكبر نشاط في تيار الاستشراق.. لدرجة أن يشهد ما أطلق عليه المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون العبارة اللاتينية الآتية.

هو مواسلاميكوس ومعناها بالطبع.. الإنسان الإسلامي. وبهذه العبارة يعمد رودنسون إلى توضيح كيف أن أوروبا (وأميركا) كانت تنظر إلى المسلم بأصوله وعقائده ونشأته وتوجهاته نظرة الغريب المتميز المختلف تماما عن «الإنسان الغربي» .

ولعل هذه النظرة هي التي كان يصدر عنها الفكر الأميركي المعاصر في دعوته الشهيرة التي حملت عبارة «الغرب والآخرون أو« نحن.. وهم» وكان من شأنها أن تفضي بداهة إلى مقولة الصراع أو التصادم بين الحضارات والثقافات.

مشكلة هذه الدعوات، وإن حاولت التستر وراء شعارات البحث العلمي - إلا أنها في جوهرها تصدر - كما نتصور، وكما يلمح هذا الكتاب أيضا - عن مواقف عنصرية تحاول تصنيف البشر.. أبناء آدم إلى درجات وفئات حسب ألوان سحنهم وأصول نشأتهم ونوعية الأعراق البيولوجية التي تناسلوا من فروعها.

هنا يضرب المؤلف نموذجا على هذه العنصرية التي ارتدت ثوب البحث العلمي من خلال شخصية أكبر مفكري فرنسا ممن اهتموا بالشرق وبعلوم العقائد والأديان.

هذا النموذج اسمه أرنست رينان وشهيرة هي المحاضرة التي ألقاها رينان في جامعة السوربون في عام 1883 تحت عنوان: «الإسلام والعلم».

ورغم أن المستشرق الفرنسي بدأ المحاضرة برفض المنهج العنصري في التعامل مع قضايا الشعوب إلا أنه ما لبث أن وقع تحت سيطرة تلك النزعة الاستعلائية العنصرية التي كانت وأحيانا ما زالت - تشوب نظرة الغرب الأوروبي - الأميركي إلى عالم العروبة والإسلام.

هكذا سمح البروفيسور رينان لنفسه أن يخاطب مستمعيه قائلا:

ـ إن تدهور البلدان المحمدية (كذا) وانحدار الدول التي يحكمها الإسلام أمر حتمي بحكم أن القوم ما زالوا متمسكين بوحدة لا يتغير جوهرها وبعقلية تحكم المسلمين في كل مكان. بعدها شن رينان هجومه على ما أسماه بالجنس السامي وعقليته غير المنطقية وغير التحليلية..

كيف لا وقد عاش أبناء هذا الجنس وشبوا في بوادي الصحارى. أما نهضة المسلمين التي شهدتها عهود العصر الوسيط للبشرية في مجالات العلم والإبداع والفلسفة والطب والفلك وسائر العلوم..

فقد حاول رينان أن يبررها بأنها من نتاج العناصر غير المسلمة التي شاركت في النهضة العباسية وما بعدها هذه النظرة ا لاستعلائية قادت رينان إلى الدعوة لاستخدام قوة أوروبا العسكرية لقمع المقاومة ضد الاستعمار (في بلاد الإسلام والمسلمين).

وكان بديهيا أن تهب عناصر وعقليات وقوى كثيرة لرفض هذه التوجهات وتفنيد افتراءات رينان وكان من بينها زميله المستشرق الهنغاري جولد تسيهر والمستشرق البريطاني ويلفرد بلنت.. فضلا عن الداعية المسلم السيد جمال الدين الأفغاني.

على أن مؤلف كتابنا يتوقف مليا عند موقف رينان من تأييد الاستعمار الأوروبي ومن ثم يفرد المؤلف صفحات في غاية الأهمية لمناقشة هذا الموضوع الذي اختار له عنوان «الاستعمار.. والإسلام».