في هذه الحلقة من الكتاب الذي بين أيدينا، يعكس المؤلف صورة واضحة المعالم عن قلق كبير لدى إسرائيل، سواء من ناحية الحدود أو لجهة مستقبل الأراضي التي قامت باحتلالها في أعقاب حرب 1967، بما فيها الضفة الغربية ويؤكد ان هذا القلق كان مثقلا بضغط أميركي، أدى إلى طرح مبادرات واقتراحات عديدة داخل أروقة الحكومة الإسرائيلية،

كما يشير الكاتب وبصورة محددة إلى الدور الذي لعبه مشروع النقاط الخمس، الذي طرحه الرئيس الأميركي، في احتدام النقاش حول مصير الضفة الغربية ومستقبل السلام. الأمر الذي يوحي بفكرة واهية تفيد بأن الولايات المتحدة تستطيع التأثير على القرارات الإسرائيلية، لكن لو كان هذا صحيحاً، لكانت إسرائيل قد استجابت ومنذ زمن لمحاولات واشنطن فرض حل في الشرق الأوسط.

عشية انتهاء حرب عام 1967، صرّح وزير الدفاع موشي ديان بمقولته المشهورة «إننا بانتظار اتصال هاتفي من العرب»، بمعنى أن إسرائيل مرتاحة من الوضع الذي نشأ بعد انتهاء الحرب، وهي لن تبادر للسعي لتسوية مع العرب، بل إن على هؤلاء المهزومين المبادرة للتوصل لحلول مع إسرائيل المنتصرة.

لكن الوثائق السرية أشارت إلى خلاف ذلك. فبعد ثمانية أيام على انتهاء الحرب، أي في التاسع عشر من يونيو1967، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قراراً سرياً للتوصل للسلام مع كل من مصر وسوريا، لكن هذا القرار لم يذكر الأردن أو مصير الضفة الغربية.

وقد جاء هذا القرار نتيجة لقناعة حكومة أشكول بضرورة وجود صيغة دبلوماسية تكون مقبولة للعالم وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية. وقد قبلت الإدارة الأميركية هذا الاقتراح الذي نقلته لمصر وسوريا، إلا أنهما رفضتا هذا الاقتراح.

هذا الموقف السلبي لسوريا ومصر، جعل إسرائيل تردد أن العرب هم الذين رفضوا السلام مقابل الأرض، وبالتالي فإنها لن تسعى إلى تغيير الواقع الذي نشأ بعد الحرب. لكن إذا قمنا بقراءة متمعنة لنص الاقتراح الإسرائيلي،

فإننا نجد أنه لم يشر إلى إعادة كامل الأرض مقابل السلام، إذ أن اقتراح حكومة أشكول لم ينص على إعادة قطاع غزة لمصر، وذلك استناداً لتفسير خبراء القانون في وزارة الخارجية الذين توصلوا لصيغة تقول بأن قطاع غزة لم يكن تابعاً لمصر في يوم من الأيام.

إضافة لذلك، طلبت إسرائيل، خلال اقتراح السلام، نزع السلاح في شبه جزيرة سيناء، والحصول على ضمانات بحرية الملاحة في خليج العقبة وقناة السويس، إضافة إلى منح الطائرات الإسرائيلية حق التحليق في الأجواء المصرية وهذا كله يعارض أبسط مقومات السيادة وهو ما سيجعل الرفض المصري ليس متوقعاً فقط وإنما مؤكداً.

ولم يكن نص اقتراح السلام مع سوريا يختلف جوهرياً عن ذلك، إذ نص على نقل مناطق النزاع على الحدود السورية إلى إسرائيل، وجعل هضبة الجولان منطقة منزوعة السلاح، والالتزام بعدم المس بتدفق المياه من منابع نهر الأردن إلى إسرائيل.

أما سبب عدم ذكر الضفة الغربية ومصير القدس في اقتراح السلام الإسرائيلي، فيرجع إلى الخلافات التي نشأت بين الوزراء عند مناقشتهم لهذه القضية، التي بدأوا نقاشها في الخامس عشر من يونيو عام 1967. وقد كان هذا النقاش صعباً ومتوتراً، لأن الوزراء شاركوا في نقاش قضايا لم تحسم منذ نشوء الحركة الصهيونية،

مثل : ما هي طبيعة دولة إسرائيل وماذا يجب أن تكون؟ كيف سنعيش مع العرب؟ وبالرغم من أنه لم يتم حسم أي من مسائل الخلاف، لكن تم طرح كافة الأفكار حول طاولة الحكومة الإسرائيلية خلال تلك اللحظة.

وزير الشرطة، ألياهو ساسون، وهو من الوزراء القلائل الذين يتحدثون العربية كونه من مواليد دمشق، وكان قد عمل كدبلوماسي وشارك في جميع الاتصالات التي جرت مع الزعماء العرب، اقترح خلال جلسة مجلس الوزراء فكرة مذهلة وهي الانسحاب من دون اتفاق سلام رسمي، معللاً ذلك بعدم رغبة مصر بتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل،

وأضاف أن مصر تستخدم المطالبة بالتوصل لاتفاق سلام كورقة ضغط على إسرائيل. لكن اقتراحه لم يقبل من الوزراء الحاضرين، وقال له مناحيم بيغن ان حالة الحرب يجب أن تنتهي باتفاقية سلام، وتوجه إلى ساسون بالسؤال، استناداً إلى معرفته بالشرق الأوسط،

إن كان يعتقد أن عبد الناصر يستطيع القبول بجعل صحراء سيناء منطقة منزوعة السلاح وإعطاء إسرائيل حرية الملاحة دون اتفاقية سلام؟ وقام بيغن بالجواب على تساؤلاته بالقول إن عبد الناصر لن يقبل بشيء، لا سلام ولا نزع سلاح ولا حرية ملاحة.

وكان الرأي السائد حول الطاولة، أنه طالما لا توجد اتفاقية سلام، فلن تنسحب إسرائيل من المناطق التي احتلتها، وهو ما عبّر عنه ديان بلهجة حازمة عندما قال «العرب لن يقبلوا بالسلام وبالتالي ستبقى إسرائيل في المناطق».

جدل بيزنطي

وقد كان موضوع مستقبل الضفة الغربية في مركز النقاش والجدل داخل مجلس الوزراء، وطُرحت آراء متعارضة حول السُبل الممكنة لحل هذه القضية. وزير التربية والتعليم في حكومة أشكول، زلمان أران، قال إن الضفة الغربية ليست ضرورية لنا، بل إنها ستجلب الضرر.

وأوضح موقفه بالقول إنه يخشى أساساً من زيادة عدد الفلسطينيين، وأضاف قائلاً «أنا لا أزال حتى اليوم أحب أرض إسرائيل أكثر من دولة إسرائيل، ولكن من خلال رؤيتي لدولة إسرائيل المستقبلية والضفة الغربية من ضمنها، فإننا سوف نختنق فيها»، وأضاف أن هذا هو الذي يشكل هزيمة لدولة إسرائيل.

وزير العدل، يعقوب شيبرا، عارض هو الآخر استمرار احتلال الضفة الغربية، وذلك لسببين رئيسيين. الأول هو الرأي العام العالمي، حيث قال شييرا إن هناك من يصف إسرائيل بأنها عبارة عن دولة استعمارية، وفي حال استمرار سيطرتها على العرب،

فإن الأصوات المنددة بإسرائيل سوف تزداد باعتبارها تسعى لتحويل الضفة الغربية إلى مستعمرة إسرائيلية. أما السبب الثاني فهو الخوف من تحول دولة إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية بعد مدة قصيرة، بما يعنيه ذلك من انتهاء المشروع الصهيوني وتحول إسرائيل إلى «غيتو». لكنه في ذات الوقت اقترح أن يكون نهر الأردن هو حدود إسرائيل المستقبلية.

وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة مجتمعة لمناقشة الأمر، أصدر ديفيد بن غوريون رأيه في مستقبل المناطق المحتلة وصرح قائلاً ان إسرائيل مستعدة للدخول في مفاوضات مباشرة مع جاراتها ضمن الشروط التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية سابقاً، أي نزع السلاح في شبه جزيرة سيناء والجولان وغيرها من الشروط.

أما بشأن المناطق الفلسطينية المحتلة، فقد صرّح بن غوريون أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من ضفة نهر الأردن، لكن سكان الضفة الغربية سيحصلون على حكم ذاتي، وتحدث عن نقل لاجئي قطاع غزة لتوطينهم في الضفة الغربية أو أي بلد آخر.

ووضع بن غوريون القدس كخط أحمر لا يمكن التفاوض حوله. خلال هذه المناقشات، التي استمرت لعدة أيام، وشارك فيها مسؤولون من مستويات مختلفة في الحكومة الإسرائيلية، تم طرح أفكار متنوعة، حيث نوقش اقتراح دولة ثنائية القومية، ومشروع التقسيم لعام 1947، ونقل الضفة الغربية لحكم أردني- إسرائيلي مشترك.

لكن الفكرة الأكثر جاذبية بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، كانت الحكم الذاتي. وهذا الاقتراح الذي طرحه موشي ديان، استناداً إلى اعتقاده أنه سيمضي عامان أو ثلاثة أعوام إلى حين اتخاذ قرار حاسم بشأن المناطق المحتلة، وخلال هذه المدة يكون السكان العرب خاضعين لسيطرة الحكم العسكري، ومع الزمن، يحصل الفلسطينيون على حكم ذاتي، مع بقاء الجوانب الأمنية والسياسة الخارجية بيد إسرائيل.

لكن ديان الذي لم يكن واثقاً من إمكانية التوصل لهذا الحل، أضاف قائلاً « إذا اتضح عدم وجود إمكانية لمنحهم حكماً ذاتياً، وكان علي الاختيار بين مطالبتهم بالانتماء للأردن باستثناء القدس، أو أن يصبحوا مواطني دولة إسرائيل، فإني أفضل إنتماءهم للأردن».

وبالطبع، فإن رأي موشي ديان لم يكن مقبولاً لدى كافة الوزراء، فالبعض فضل ضم الضفة الغربية من منطلق فكرة أرض إسرائيل الكاملة، حتى لو أدى ذلك إلى إخلال في الميزان السكاني.

الوزير يغال آلون طرح خطة أمل من خلالها رسم الحدود الأمنية لدولة إسرائيل على نهر الأردن، وتوسيع حدود إسرائيل دون إحداث زيادة كبيرة في عدد السكان العرب، أي تطبيق شعار «أرض أكثر، عرب أقل».

موشي ديان من جهته عمل على تطوير خطة عرفت ب«خطة القبضات الخمس»، تقوم على إنشاء نقاط عسكرية ومستوطنات فوق قمم الجبال في الضفة الغربية.

لعبة شطرنج لكن قادة اليمين الإسرائيلي لم يكونوا متحمسين للقيام بأي خطوات فورية، معتقدين بأن الزمن يلعب في صالح إسرائيل.

مناحيم بيغن، زعيم اليمين الإسرائيلي عارض كل هذه المقترحات، وخاصة فكرة إقامة حكم ذاتي فلسطيني لأن هذا سيؤدي إلى قيام دولة فلسطينية. أما فكرة إعادة الضفة الغربية للأردن، والتي طرحها بعض الوزراء كما أشرنا سابقاً، فقد عارضها بيغن بقوة، قائلاً: «هل نقوم بإرسال أبنائنا إلى ساحة الوغى من أجل إنشاء دولة عربية أخرى،

وهل نقدم مناطق من أرض إسرائيل من الممكن من خلالها إطلاق النار على مدينة تل أبيب؟ هل خضنا الحرب من أجل ذلك؟ لكن بيغن اتخذ موقفاً أكثر مرونة فيما يتعلق بسيناء، حيث وافق على إعادة سيناء لمصر، شريطة بقاء إسرائيل في شرم الشيخ، ولم يمانع إقامة سلام مع الأردن، لكن دون إعادة الضفة الغربية، التي لم يكن متحمساً لبحث حلول لها آنذاك.

فقد كان بيغن يفكر في استمرار الاحتلال لمدة سبع سنوات، وبعد ذلك تقترح إسرائيل على الفلسطينيين القبول بالجنسية الإسرائيلية، أو المغادرة. وكان بيغن يأمل اجتذاب أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود خلال السنوات السبع هذه.

وهو نفس المنطق الذي تحدث به الوزير يسرائيل يشعياهو الذي قال انه من الواجب على يهود العالم الحفاظ على أرض إسرائيل الكاملة عبر الهجرة لضمان أغلبية يهودية مطلقة.

أما رئيس الوزراء المتخبط، ليفي أشكول، فقد ميز في طرحه بين مصطلحين هما، الحدود السياسية والحدود الأمنية، وعلى هذا الأساس فقد اقترح أشكول أن يشكل نهر الأردن حدود إسرائيل الأمنية.

وعن مستقبل المناطق، ورغم قلق أشكول من عدد سكان قطاع غزة البالغ 400 ألف، فإنه اقترح ضم قطاع غزة والقدس. لكن أشكول كان قلقاً من الضغوط الأميركية، التي بدأت فعلاً عبر قاضي المحكمة العليا في الولايات المتحدة، ايف نورتاس، الذي حاول التأثير على قرار الحكومة الإسرائيلية، مناشداً إياها أن يتضمن قرار الحكومة إعلاناً صريحاً بأن إسرائيل لا ترغب بالاحتفاظ بالمناطق التي احتلتها.

وتصاعد القلق الإسرائيلي من التدخل الأميركي في أعقاب الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي ليندون جونسون والذي حدد خلاله السياسة الخارجية الأميركية عارضاً مشروع النقاط الخمس للسلام الذي يتضمن النقاط التالية :

1. لكل دولة في المنطقة الحق في العيش دون تهديد بالهجوم عليها أو القضاء عليها.

2. ينبغي توطين أكثر من مليون لاجئ عربي مشرد بصورة عادلة قبل الوصول إلى سلام دائم.

3. يجب احترام حقوق الملاحة عبر الممرات المائية لجميع الشعوب.

4. يجب تخفيض إرسال شحنات الأسلحة إلى منطقة الشرق الأوسط بما يخفف من التوتر ويتيح استغلال الأموال في التنمية الاقتصادية.

5. يجب تقرير ضمان الحدود واستبدال خطوط الهدنة بخطوط آمنة معترف بها، واتخاذ ترتيبات تعترف بالمصالح الخاصة للأديان السماوية الثلاثة في الأماكن المقدسة في مدينة القدس.

تلك الضغوط الأميركية ساهمت في احتدام النقاش داخل الحكومة الإسرائيلية، وبرزت انشقاقات في الرأي بين الوزراء، فقال أشكول: إنني أعتقد أننا نلعب الشطرنج مع أنفسنا». وأعرب أحد الوزراء خلال هذه الجلسة الساخنة عن خشيته من نشوب حرب بين اليهود أنفسهم أكثر مما هي بين العرب واليهود.

أما الوزير يعقوب هرتسوغ فقد لخص المحادثات في جلسة الوزراء بالقول إنه فيما بتعلق بسوريا ومصر، فقد تم طرح أربع أفكار للسلام على أساس الحدود الدولية ويتم وضع الشروط لهذا السلام خلال مباحثات مع الإدارة الأميركية،

أما ديان فقد اقترح المطالبة بسلام دون ذكر أي شروط، والبعض اقترح العكس، أي المطالبة بشروط دون ذكر السلام، في حين اقترح الوزير موشي كرميل أنه حتى بعد التوصل لسلام مع مصر وسوريا فإن إسرائيل ستستمر بالتمسك بأراض.

أما بشأن السلام مع الأردن، فقد تم تداول اقتراحين، الأول يقول بنهر الأردن كحدود بين إسرائيل والأردن، والرأي الثاني تحدث عن عدم وجوب تحديد الحدود النهائية الآن، لأن ذلك من شأنه القضاء على أي إمكانية للتفاوض مع الأردن.

وقد كان واضحاً أن الحكومة لن تستطيع التوصل لقرار بشأن الضفة الغربية بسبب الآراء المتضاربة بين أعضائها، ولهذا تم الاتفاق على عدم ذكر أي شيء بشأن الضفة الغربية.

لقاءات مع الفلسطينيين

في موازاة الاقتراحات الحكومية والنقاشات الخاصة بمستقبل الضفة الغربية، عمل جهاز الموساد والشاباك، وأسرع الجيش الإسرائيلي بالاتصال ببعض الشخصيات الفلسطينية لكي يتعرفوا على رأيهم حول ما يجب أن يحدث الآن.

وكان من ضمن هذه الشخصيات التي التقاها رجال المخابرات فور انتهاء الحرب رؤساء بلديات وشخصيات عامة ومحامون وصحافيون ورجال أعمال. لكن تلك اللقاءات لم تكن محادثات بمعنى الكلمة، حيث تصرف الإسرائيليون كمنتصرين وأسياد، أي أنها ما كانت إلا عملية تحقيق، تهدف في الأساس إلى استكمال الملفات الاستخبارية.

ومع ذلك، فقد رغب رجال الاستخبارات الإسرائيلية باستيضاح إمكانية قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بما ينهي النزاع بخصوص أرض إسرائيل إلى الأبد.

ولم تكن اللقاءات مع الفلسطينيين تقتصر على رجال المخابرات، حيث التقى ليفي أشكول وأبا إيبان وموشي ديان مع عدد من قادة المجتمع الفلسطيني، لكن هذه اللقاءات كانت تتسم في البداية بالفوضى كتلك التي كانت تعم مقر رئيس الحكومة.

رجل الموساد دافيد كمحي، التقى مع بعض الشخصيات الفلسطينية، وقام بعد ذلك بكتابة تقرير لرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وجاء في تقرير كمحي، أن صدمة الحرب وقعها كبير على الفلسطينيين وهم يؤكدون على ضرورة الوصول إلى سلام، ولديهم رغبة في الحصول على حكم ذاتي أو استقلال.

وخلص التقرير إلى الاستنتاج التالي «حالة الصدمة التي يعيشها الفلسطينيون تجعلهم مستعدين للتعاون مع إسرائيل، مما يوجب علينا العمل وبسرعة». ومن ثم أعد كمحي واللواء هار إيفي من شعبة الاستخبارات العسكرية، ويتسحاق أورون من الموساد، وثيقة حول مستقبل الضفة الغربية،

وقد انضم إليهم لاحقاً أبا إيبان في إعداد هذه الوثيقة، التي عكست تفكير هذا الطاقم بأن النصر جلب معه الأمل في السلام، وعكست في جانب آخر إيمانهم الكبير والمتعجرف بأن الموساد قادر على صنع التاريخ. وأعرب كمحي عن اعتقاده أن الزعماء الفلسطينيين على استعداد لاتخاذ قرار بشأن إقامة الدولة الفلسطينية في غضون أربع وعشرين ساعة من مصادقة إسرائيل على الخطة.

وتنص الخطة أن تكون الدولة الفلسطينية بوصاية جيش الدفاع الإسرائيلي، وأن تكون دون جيش مع وجود قوات شرطة، وبعثة عسكرية إسرائيلية معتمدة لدى حكومة فلسطين، وتواجد دائم للجيش الإسرائيلي في غور الأردن لحماية الفلسطينيين من أي اعتداء خارجي،

أما الحدود، فقد اقترحت الوثيقة أن تكون حدود الهدنة لعام 1949 هي أساس الحل، لكن إسرائيل تقوم بضم قرى اللطرون، مقابل التنازل عن عدة قرى لصالح الدولة الفلسطينية، وإعطائها منفذاً على البحر.

أما القدس، فسوف تبقى عاصمة لدولة إسرائيل، ويكون هناك بلدية تابعة في البلدة القديمة تحظى بمكانة خاصة، ويتخذ الفلسطينيون عاصمة لهم في أقرب نقطة ممكنة لمدينة القدس.

وحول قضية اللاجئين، تنص الوثيقة أن إسرائيل تأخذ على عاتقها حل هذه المشكلة بدعم من صندوق دولي يعمل على تشجيع اللاجئين على مغادرة الضفة الغربية وقطاع غزة للاستقرار في بلدان أخرى.

وقد عرض هذا الاقتراح في الرابع عشر من يونيو على كل من أشكول وديان ويغال ألون وعيزر فايتسمان ومساعده رحبعام زئيفي الذي أطلق على هذه الدولة اسم «إسماعيل».

تواصلت اللقاءات الإسرائيلية الفلسطينية خلال تلك الفترة، لكن الاستنتاج الرئيسي لهذه اللقاءات كان عمق الهوة الفاصلة بين تطلعات الحركة الصهيونية وطموحات الحركة الوطنية الفلسطينية.

ليفي أشكول قال لأحد محدثيه من وجهاء القدس انه ينبغي أن يكون اليهود أغلبية في هذه الأرض لأنه مكانهم الوحيد في العالم، واقترح حلاً إقليمياً لمشكلة اللاجئين مقترحاً نقلهم للعراق. أقوال أشكول هذه أحدثت صدمة لدى محدثه، وأجابه بالقول «لم أكن أتصور أن هذا هو رأيك حيال اللاجئين.

إذ أنكم عشتم حياة شتات، وتعرفون طعمها، أنا قبل كل شيء فلسطيني، ومن ثم عربي. عائلتي هنا في القدس حتى قبل ظهور الإسلام. وإذا كنت ترغب في السلام معنا فلا تقل لي ليذهبوا إلى العراق». وقد رفض أشكول اقتراحا بحرية اختيار اللاجئين بين العودة أو الحصول على تعويضات.

كان واضحاً خلال هذه المحادثات أن الفلسطينيين لن يقبلوا بتسويات احتلال، إذ إنهم تحدثوا بإصرار عن القدس ومشكلة اللاجئين؛ إنهم يريدون استقلالا ناجزاً. وقال أحد المثقفين الفلسطينيين لأشكول إن دولة فلسطينية دون القدس لا جدوى منها، بل مستحيلة، وإنه من الأفضل ضم الضفة الغريبة لإسرائيل عوضاً عن دولة فلسطينية دون القدس.

فأنهى أشكول الحديث بالقول: «يبدو أن هذا هو القدر، أي أننا سنبقى كما نحن ونحمي أنفسنا، فإذا وجدنا صيغة مقبولة لدى الفلسطينيين بشأن القدس، فإن جميع المسائل الأخرى سيتم حلها».

أشكول لم يرغب بالإفصاح عن هذه المحادثات مع الفلسطينيين لسببين، الأول هو اعتقاده أن الولايات المتحدة تعارض التوصل لتسوية منفردة مع الفلسطينيين، أما السبب الثاني، فيعود لخشية أشكول من عدم وجود رغبة فلسطينية حقيقية في التوصل لتسوية مع إسرائيل.

فقد شبّه أشكول الفلسطينيين خلال إحدى المداولات مع مستشاريه، ببعض اليهود الذين عاشوا في روسيا، في أماكن نائية، بعيدين جداً عن البلدة اليهودية القريبة، وفي يوم الغفران كان الرجل اليهودي يأتي إلى هذه البلدة، يدخل الكنيس حيث يقومون هناك بإلقاء دروس توراتية عليه ويمنحونه البركة ويحترمونه كل احترام.

وفي نهاية الأمر يتضح أنه جاء إلى البلدة ليس لهذا الغرض، وإنما لشراء فستان للعاملة التي تخدم لديه. أي أن أشكول كان يعتقد بأن الإسرائيليين يضيعون وقتهم مع الفلسطينيين الذين لا يرغبون في التسوية مع إسرائيل، لكن لديهم مآرب أخرى.

إلا أن موقف أشكول هذا لم يثنِ ساسون عن مواصلة العمل، حيث دأب خلال الأشهر اللاحقة على رعاية زعامات فلسطينية، محاولاً إنشاء حكم ذاتي برئاسة أحد شيوخ الخليل، الذي أحضره ألياهو ساسون لمقابلة أشكول. وقد عرض هذا الشيخ على أشكول صفقة يتم بموجبها تعيينه زعيماً وحيداً في الضفة الغربية، لكن هذا الاقتراح رفض هو الآخر.

سلسلة المحادثات والاقتراحات التي عرضت سابقاً، تطرح السؤال التالي: هل أضاعت إسرائيل فرصة إنهاء النزاع على «أرض إسرائيل؟» ربما لا، فهي لم تقترح على الفلسطينيين في يوم من الأيام استقلالاً كاملاً أو تسوية ما، يقبلونها حيال القدس،

ولكن ربما يكون موشي ديان صادقاً عندما قال ذات مرة «لو أننا اقترحنا عليهم جبالاً من ذهب لكانوا حذرين من ذلك». لكن إسرائيل مقابل ذلك، أضاعت فرصة لإمكانية حل مشكلة اللاجئين، ونزع فتيل الصراع.

عرض ومناقشة: مركز جنين للدراسات الاستراتيجية