يتابع القارئ في هذه الحلقة من الكتاب مسيرة تطور وتعرج الفكر الاستشراقي الغربي، الذي اذا كان لابد من توصيفه وتشخيص حالته بكلمة واحدة، فإن تلك الكلمة لن تكون سوى الجهل، الذي رافق هذه الظاهرة الفكرية في شكلها والسياسية في جوهرها طوال مراحل وجودها.
وكمثال على هذا التصور الواقعي، يشير المؤلف الى ان مهنج الاستشراق خلط وبصورة ثابتة تقريباً بين عالم عربي واسلامي يتطلع الى التحرر والتقدم والانعتاق من نير الاستعمار بتشكيله القديم والجديد وبين الشيوعية.
إلا ان الأخطر من ذلك كله يكمن في سيطرة نزعة نرجسية غربية على الرؤية الاستشراقية ومنطقها في التعامل مع كل ما يمت بصلة للإسلام والعرب عموماً، الأمر الذي يحمل بين طياته وبوضوح نظرة استعلائية شابت التراث الاستعماري الكريه على مر العصور.
في سنة 1955، غادر السير «هاملتون جب»، عميد المستشرقين الإنجليز، كلية الدراسات الشرقية في جامعة أكسفورد متجها إلى التدريس في هارفارد أرقى جامعات الولايات المتحدة وأكثرها نفوذا.
هذه النقلة هي التي جسدت رحلة التحول في الأوساط الأكاديمية بالولايات المتحدة إلى ما يمكن أن نسميه استشراق القرن العشرين.. بمعنى تغير النظرة إلى الشرق (الأدنى والأوسط وبالذات العالم الناطق بالعربية) من المفهوم السياحي.
أو البحث عن الطريف من منظور ألف ليلة.. إلى حيث أصبحت الدراسات الإستشراقية تعني بالمستقبل السياسي والاقتصادي للمنطقة بل وتمعن في دراسة التحولات في أفكار وثقافات ومواقف واتجاهات شعوبها.
كان البروفيسور جب يتعامل مع الشرق العربي بالذات من منطلق أنه منطقة تضم «تراثا عريقا وثقافة عظيمة»، كما كان يقول لتلاميذه وزملائه ورغم أنه كان يدعو إلى أن تكون دراسة المنطقة وتراثها وشعوبها عملية يتقاسمها المستشرقون.
ومعهم علماء كبار من شتى التخصصات في مجالات السياسة والاجتماع والجغرافيا والتاريخ والاقتصاد إلا أن هاملتون جب كان يرى أن ثمة مهمة قد ترقى إلى مستوى الرسالة يتحملها المستشرقون في الغرب وتتمثل في ضرورة بناء جسور من الفهم والتفاهم بين الحضارة الإسلامية وبين حضارات الغرب الأوروبي - الأميركي وثقافاته.
وجاء برنارد لويس
المشكلة كانت في اعتلال صحة المستشرق الإنجليزي الكبير، فلم يستطع أن ينهض بهذه الرسالة التي ندب نفسه لأدائها وربما زادت المشكلة تفاقما حين دخل إلى مسرح الاستشراق، محل الأستاذ هاملتون جب، مستشرق جديد..
كان بدوره قد قرر أن يغادر بريطانيا إلى حيث اختارته جامعة أميركية مرموقة أخرى هي جامعة برنستون لكي يصبح من بعد عميد مدرسة الاستشراق الانجلو - أميركي ولكي يؤثر.
وما زال مؤثرا في مجريات السياسة الغربية أو هي ما يوصف بأنه الشراكة الأطلسية بفعل ما يسديه من مشورة إلى البيت الأبيض بالذات، وما يقدمه بين حين وآخر من مساهمات ومداخلات في سياق نظرة الغرب وتعاملاته مع العالمين العربي والإسلامي.
هذا المستشرق هو برنارد لويس، الذي ذاعت شهرته في العقدين الأخيرين بالذات وخاصة بعد صدور كتابه الشهير الذي تناول موضوعا في غاية الأهمية واستهله بسؤال يقول فيه: علاقة الشرق والغرب: أين الخطأ؟
بيد أن مشكلة الاستشراق عند برنارد لويس هي إتباع منهج التربص إزاء عالم العروبة والإسلام وهذا المنهج - كما نراه - يصدر عن تحيز سافر أحيانا ومستتر أحيانا لصالح الاستعمار الصهيوني في فلسطين..
وهو نفس المنهج الذي قاد الأستاذ لويس بكل ثقله العلمي وبكل معرفته العميقة بمنطقة المشرق العربي والشرق الأوسط (تركيا بالذات) وبكل اللغات السامية وغير السامية التي يجيدها .
ويتعامل معها - قاده إلى نوع من الخلط بين العالم الإسلامي، الذي كان ينشد التحرر الوطني والاستقلال والتنمية الاقتصادية وبين الشيوعية التي كان لويس وأمثاله في الولايات المتحدة بالذات يخشون امتدادها كأيديولوجية وطروحات سياسية إلى ربوع أوروبا الغربية ومن ثم إلى أميركا غربي الأطلسي.
قراءة خاطئة
من ناحيته، يوضح مؤلف كتابنا كيف أن برنارد لويس ما برح متأثرا بقراءاته في الفكر السياسي عند مفكري وفلاسفة المسلمين الذين عاشوا في أيام العصور الوسطى..
وفي ضوء هذه القراءات لم يتورع لويس عن القول بأن المسلمين قوم يرضخون لظلم الدولة ولا يقاومون الحكومات الفاسدة وأن الإسلام يعلمهم الرضوخ والاستكانة(!) إلى آخر التعميمات غير العلمية وغير الموضوعية التي ما برح الأستاذ لويس يرددها بين مناسبة.
وأخرى (وان كنا قد قرأنا له محاضرة ألقاها في صيف عام 2005 تحوي تراجعا ولو محدودا عن هذه المقولات) فضلا عن محاولة من جانب هذا المستشرق المهم لإنصاف فكر الإسلام وعالم المسلمين - وهو ما لم يستطع أن يدرجه مؤلف هذا الكتاب ضمن موضوعاته).
في كل حال يحرص مؤلفنا على القول ان هناك عددا من علماء الاستشراق الذين خالفوا آراء برنارد لويس وكان في مقدمتهم البروفيسور «مارشال هودغسون» (1920 ـ 1968) أستاذ التاريخ في جامعة شيكاغو الذي تأثر بكتابات المستشرق الفرنسي الكبير لويس ماسينيون ورغم الرحيل المبكر للأستاذ هودغسون فقد استطاع إنجاز دراسة موسوعية شاملة نشرت بعد وفاته تحت عنوان «مشروع الإسلام» وتتميز الدراسة.
- كما يؤكد مؤلفنا - بأنها ترفض بقوة وحزم تلك النزعة التي شابت آراء واتجاهات المستشرقين الغربيين، وما زالت تشوب كتابات ومواقف برنارد لويس ـ وهي النزعة التي أطلق عليها المستشرق الأميركي الوصف التالي: النرجسية الأوروبية.
بمعنى التركيز على الذات.. الخيلاء المغرورة التي ترى أن أوروبا هي الأصل أو هي الثقافة والمصالح الأولى بالرعاية كما قد نقول.. تلك هي النزعة الاستعلائية التي تخالطها أو شابت التراث الاستعماري البغيض.
الأستاذ هودغسون يرفض هذا كله، ويدعو إلى دراسة الإسلام. حضارته وتاريخه وتطور ثقافاته في سياق تاريخ العالم بأسره.. فضلا عن ضرورة التوقف عند الخصائص الفريدة التي يتميز بها الإسلام في نشأته ونضجه وتطوره والرسالة التي قدمها إلى العالم على شكل «ثقافة أكثر دينامية، وأوسع مرونة وأشد انفتاحا على مسيرة التطور وحركة التاريخ».
هذه الأفكار والطروحات التي شهدتها بداية النصف الثاني من القرن العشرين، كانت تستمد جذورها - كما يضيف مؤلف الكتاب - من الدعوة والحركة التي انتفضت بها أوصال الحياة وطرائق الفكر ومسارات الثقافة وسلوكيات النُخَب وطموحات الشعوب في طول الشرق وعرضه (الشرق هنا يشمل العالمين العربي والإسلامي). هذه هي الدعوة التي تلخصها بداهة كلمة سحرية واحدة هي: التحديث.
وتفسر الكلمة عبارة موجزة للغاية تقول بدورها: - إنه التحول من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث على أن الملاحظة التي نود تسجيلها في هذا السياق هي المدى الذي اتسعت به مدرسة الاستشراق في أميركا بالذات.
فلم تعد الجهود مقصورة على تدارس النصوص العربية أو تحقيق المحفوظات الكلاسيكية الموروثة.. ولا حتى على رصد الاتجاهات الثقافية أو السياسية..
لقد نشأت نوعية من الأساتذة الأميركيين عملت على أن يقتصر الاهتمام الاستشراقي على منطقة الشرق الأوسط الممتدة من تركيا إلى إيران فضلا عن أن ينصبّ معظم التركيز على الأقطار العربية المشرقية .
وكانت مؤثرة على حركة المنطقة كلها خلال عقدي الخمسينات والستينات ثم استخدمت الدراسات الأميركية المحدثة مناهج الرصد الاجتماعي لكي تتابع المستجدات التي طرأت على مجتمعات المنطقة من ناحية ثالثة.
في هذا الإطار بالذات، أصدر البروفيسور دانيل ليرنر كتابه المهم بعنوان: «زوال المجتمع التقليدي: تحديث الشرق الأوسط».
ورغم أن كتاب ليرنر قد مضى على صدورة 48 عاما، إلا أن المنهج الكمي ـ الإحصائي الذي اتبعه المؤلف (كان أستاذا بجامعة نيويورك) أضفى عليه قدرا محمودا من الموضوعية بعيدا عن الأوصاف والكليشيهات والتعميمات التي تعيب أحيانا أدبيات الاستشراق كما أن النهج أعطى الكتاب.
ـ كما يضيف مؤلفنا مسحة المصداقية والعمق (وقد يضيف كاتب هذه السطور أنه أتيح لنا أن نشارك في حوار ساخن مع الأستاذ ليرنر شخصيا خلال محاضرته التي ألقاها على طلاب الدراسات العليا بجامعة القاهرة في أوائل السبعينات وإن كان الأستاذ الأميركي بدأ متمسكا إلى حد التعصب غير العلمي أحيانا بفكرة أميركا نموذج ربما وحيد وفريد للتحديث)
أخطاء مستشرقي الستينات.
ومرة أخرى وقع الأستاذ ليرنر وأنداده من العلماء المحدثين المهتمين بالشرق وعالم الإسلام في دوامة التسييس وكان الذي أوقعهم في وهدتها هو تمسكهم بالنموذج الأوحد وربما الأفضل الذي رأوا فيه، ولا يزالون حتى زماننا - نموذجا لتحقيق الأمل في الحرية والديمقراطية والنمو ورفاهية الشعوب.
وفي معرض تحليل هذا الجانب السلبي في أفكار وطروحات هؤلاء العلماء والباحثين يكاد المؤلف (ص 138 وما بعدها) يومئ إلى قارئه بعبارة لها دلالتها تقولـ من فضلك.. فتش عن ملابسات الحرب الباردة.
الباردة لقد كان ليرنر وأمثاله يعتقدون أن قادة العالم الثالث (ومنهم بالطبع الزعماء العرب - عبد الناصر بالذات) عليهم واجب وربما التزام بأن يقفوا إلى جوار الولايات المتحدة في صراعها مع الاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة..
. ومثلما كان دالاس وزير الخارجية الأميركي في تلك الفترة يعتبر الحياد عملا غير أخلاقي.. لأنه يقف موقفا وسطا بين الشر (الكرملين) وما يعتقده دالاس بأنه الخير (البيت الأبيض) فإن دانييل ليرنر ومعاصريه من الاستشراقيين المحدثين كانوا يرون.
- كما يوضح المؤلف (ص 138) أن القومية العربية ورفض استمرار النفوذ الغربي في الشرق الأوسط ومطالب التحول السياسي والاجتماعي (خلال مرحلة المد القومي) أمور تمثل تحديات ضد النخبة الموالية لأميركا في العالم العربي وقتها.
ومن ثم.. فكل هذه المطالب وكل هذه الدعاوي القومية كانت في رأي هذا الفصيل من المستشرقين ـ الأميركيين بالذات - أمورا غير مشروعة بل ومدمرة أيضا! بل إنها أقرب إلى الفوران النفساني غير المتزن وغير الرشيد.. وقد أملتها وسائل الإعلام المتطورة في ذلك الحين..
يضيف المؤلف قائلا في نفس السياق: ـ هكذا كان ليرنر يوجه نقده الجارح والعميق إلى درجة الشجب والإدانة ضد مصر ـ عبد الناصر، لأنها عمدت إلى الترويج لدعوة القومية العربية .
وإلى بث رسائل إعلامية كانت كلها معادية للاستعمار (الإشارة هنا إلى تاريخ إذاعة صوت العرب من القاهرة) وزعم ليرنر في كتابه أن هذه الدعوات كانت تثير سلسلة متوالية الحلقات من ردود الفعل التي تمثلت في حوادث الاغتيال والعنف الذي اندلع بين صفوف الجماهير عبر أنحاء العالم أو بالأدق صفوف الدهماء.
أو الرعاع حسب المصطلح الذي استخدمه الأستاذ الأميركاني بل إن هذه الدعوات - يضيف ليرنر ـ انتشرت آثارها فحرضت على القتل والإرهاب وإلى قيام ما يوصف بأنه «قوة العالم الإسلامي» في أقطار بعيدة مثل باكستان وإندونيسيا..
زعيم الرعاع
في السياق نفسه أيضا يحيل دانييل ليرنر وقد بدا راضيا وسعيدا ـ إلى إدموند تايلور الخبير الأميركي في الحرب النفسية فيوافقه على عبارات يصفان بها عبد الناصر وتقول:
ـ لم يكن عبد الناصر بطلا سوى في عيون البرابرة الجفاة القابعين في قاع مجتمعات الشرق الأدنى وفي عشوائيات أفريقيا.. أو في عيون شباب المثقفين العرب الذين استبدت بهم عقدة النقص إذ كانوا ممزقين بين الشرق والغرب.
هكذا ظل ليرنر وأمثاله يطلون على ساحة الشرق الأوسط وعلى الإسلام من منظور العلوم الاجتماعية وبالتالي كانوا يرون في اختصاصيي الاستشراق قوما يعيشون في أبراج عاجية..
وفي الوقت نفسه أو في المقابل كان المستشرقون المحترفون العارفون بلغات المنطقة وتراثها وبنيتها الثقافية يتعاملون مع هؤلاء «الاجتماعيين» بمنطق الاستهانة. إذ كيف يجوز لباحث في رأيهم أن يتعاطى مع أحوال ومستقبل منطقة عريقة التراث..
معقدة الأحوال وهو لا يجيد لغتها ولا يستوعب تفاصيل تاريخها.. لهذا احتفلت الأوساط الفكرية باجتهادات رأتها جديدة إذ صدرت عن باحث يجيد العربية ويحاول أن يقف على الأرضية المشتركة بين علم السياسة وعلم الاجتماع.
الباحث اسمه ناداف صفران (1925-2003) يهودي مولود في مصر وعاش في الولايات المتحدة أستاذ لعلم السياسة في جامعة هارفارد وكان طبيعيا أن يهتم بأحوال مسقط رأسه من ناحية.
فيما كان طبيعيا أن تحوز دراساته عن مصر كثيرا من الاهتمام وخاصة في ضوء الدور المحوري الذي كانت القاهرة - تضطلع به في ربع القرن الأول من النصف الثاني من القرن العشرين.
ومن المفارقات أن هذا الاهتمام الواسع النطاق كان بالضبط هو مشكلة صفران بالذات.. لماذا؟ لأن من الأطراف التي شغلتها هذه القضايا.. تعاونت مع هذا الباحث أو حملته على التعاون معها كان ثمة مؤسسة أميركية يحف باسمها شكوك وظلال تحول دون الموضوعية المنهجية التي لا بد وأن يتسم بها أي بحث علمي محترم ورصين.إنها المخابرات المركزية الأميركية .
فحين ترددت أنباء ومعلومات عن قيام المخابرات بتمويل بحوث الأستاذ صفران.. بدأت هارفارد ذاتها تخشى على سمعتها الأكاديمية ووجد صفران من يشكك في كثير من مقولاته وخاصة تلك التي يذهب فيها إلى أن طلائع المثقفين في مصر.. فشلوا في مضمار التحديث منذ الثلاثينات لأنهم - على حد قوله - ظلوا يدورون في فلك «النظام العقيدي» المستمد أصلا من تراث الإسلام(!).
دورالمخابرات
ويبدو أن هذه العلاقة بين الأوساط الأكاديمية والمخابرات، بين رجل العلم والبحث وبين أهل العباءة والخنجر - هذه العلاقة استوقفت مؤلف كتابنا فإذا به يخصص لها الصفحات الخمس المتبقية من هذا الفصل الذي نعرض له من الكتاب وهو المتعلق - كما سبق وألمحنا - بما يوصف بأنه «القرن الأميركي».
تستوقفنا منذ البداية كتابات يشير إليها المؤلف ـ ونشرها كاتبها الشاب وقتها منذ 40 عاما أو أقل بالتحديد في عام 1968 صاحب تلك الكتابات كان يبرر قيام الجيش الأميركي بقصف الفلاحين البسطاء في أدغال وحقول فيتنام..
وكان التبرير «العلمي» وقتها أن هذا القصف يدفع الفلاحين إلى الفرار في عملية نزوح مذعورة إلى المدن ومن ثم فهو يشجع في التحليل الأخير على التحول من تخلف الريف إلى التقدم - والتحديث في حياة الحضر.. الخ.
كانت فكرة مستبعدة - وكانت فجة وشريرة لأنها فكرة التحديث والتمدين بفضل قصف المدافع وكان صاحبها أستاذا شابا في هارفارد ومشروع مفكر اسمه حتى لا ننسى - صمويل هنتنغتون الذي أذاع حكاية تصادم الحضارات وصراع الثقافات بعد ذلك التاريخ بأقل من ربع قرن..
ولكنه في ذلك التاريخ أيضا واجه هجمات وانتقادات لاذعة سواء داخل هارفارد أو خارجها من معارضي حرب فيتنام الذين أدانوا كتاباته - كما يقول مؤلفنا - بوصفها تبريرات لارتكاب جرائم الحرب بكل فظاعتها ووحشيتها. صفران وهنتنغتون وأمثالهما كانوا يطلقون عليهم وصف «علماء المؤسسة« وفي هذا الصدد يقول مؤلف الكتاب.
ـ كانوا مستعدين، بل كانوا ملهوفين لكي يضعوا مهاراتهم في خدمة من يقدم التمويل الذي كانوا يقبلونه بل يطلبونه مكشوفا سواء تحت الشمس أو مخبوءً تحت حجاب السرية.. ولكن كانت تقدمه لهم وكالات عسكرية وهيئات ودوائر مدنية تكلفهم بأبحاث ودراسات يقومون بها وكلها تتعلق بموضوع جوهري واحد وهو: (سياسة أميركا الخارجية إزاء العالم الثالث).
هنا يضرب المؤلف نموذجا على هذا السلوك الذي يختلط فيه العلم بالدولار. وتمتزج فيه مخططات المخابرات بالدراسات الأكاديمية.. هذا النموذج يجسده مشروع خطير وخبيث أيضا كما يصفه الكتاب وهو: مشروع كاميلوت.
بدأ هذا المشروع في أوائل الستينات وأشرف عليه مكتب بحوث العمليات الخاصة وكان يتولى أمر تعاقدات يمولها الجيش الأميركي وبلغت تكاليفه 44 مليون دولار (مبلغ طائل بأسعار تلك الأيام) واستطاع أن يجند لحسابه عددا كبيرا من العلماء الأميركان والأجانب وكان هدفه المحوري يتمثل في غاية أساسية هي:
التنبؤ بمسار الحياة والفكر والاتجاهات في أقطار العالم الثالث وما إذا كانت هذه المسارات والتوجهات سوف تفضي إلى اعتناق الشيوعية.. مع العمل أيضا على وضع الاستراتيجيات الكفيلة بوقاية العالم الثالث من أن تخترقه الشيوعية (وطبعا النفوذ السوفييتي أو أن يسيطر عليها الكرملين).
والحاصل أن المعلومات تسربت عن مشروع كاميلوت ويومها رشقته دوائر البحث العلمي بألسنة حداد على أساس أن الأكاديميين ينبغي أن يصونوا أنفسهم وكرامتهم العلمية عن أن توضع لهم أجندة عمل وتكليفات بالمهام، لا بوحي من ضميرهم العلمي ولكن بتخطيط وتمويل من دوائر الجيش أو الاستخبارات أو المقاولين المتعاقدين مع تلك الدوائر من أهل المال والاستثمار.. والبيزنس.
يومها أيضا ارتفع صوت كان شريفا بقدر ما كان حكيما بين صفوف الكونغرس الأميركي هو صوت السناتور فولبرايت (تـ عام 1995) وكان رئيسا للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ قائلا:
إن هذا التدخل الحكومي أفسد حرم الجامعات لأنه استخدم الأسماء العلمية الكبيرة من أجل إنتاج دراسات مكثفة وشاملة تتكلم عن «التمرد ومكافحة المتمردين» (في العالم الثالث) .
وبصرف النظر عن لغتها المعسولة إلا أنها تبدو أقرب إلى الجهود التي تستخدم أساليب العلم وتقنيات البحث لكي تستبق حركات التغيير الثوري دون إيلاء أي اعتبار لاحتمال أن هذه الثورات قد تكون أمرا مرغوب الحدوث أو إنها تستند إلى عوامل حقيقية تبرر وقوعها.