بعد معاينة القاريء للحلقتين السابقتين وهذه الحلقة من كتابنا، لابد وأن يلاحظ مدى الرشاقة واللياقة، اللتين يتمتع بهما المؤلف، في ارتحاله المتواصل ضمن هذه المغامرة المعرفية العميقة المحفوفة، كمثيلاتها، بمخاطر جمة، خاصة .
وأن الكلام يدور حول منطقة لم تعرف إلى الخمول سبيلاً طوال حياتها.. منطقة كانت وما زالت تنعكس أطماعاً في عيون الكثير من أمم الأرض، التي لم تتوان عن بذل المستحيل في سبيل السيطرة عليها.
وربما هي إحدى عجائب الدهر أن يدور القرن العشرين دورته الكاملة، ليبدأ بحملات التخويف والترويع والتقريع من الإسلام، التي قام بها الغرب، وينتصف بالتخويف من الخطر الشيوعي، ثم يعود في نهايته إلى حالة التخويف من الخطر الإسلامي ذاته، لكن هذه المرة بنكهة عربية.
وكل ذلك يجري ضمن استراتيجية غربية ما عاد خافياً على عاقل أنها تهدف إلى بث الرعب في قلوب الناس في أميركا الشمالية وأوروبا، اللتين تتبادلان الأدوار في منطقة الشرق الأوسط منذ فجر التاريخ، مع الحملات الصليبية، وصولاً إلى اللحظة الراهنة، التي يمكن تسميتها بطفرة النفط.ولقد جاء على الغرب حين من الدهر وصل فيه بعض مثقفيه إلى اعتبار فرنسا على حد قولهم «قوة إسلامية كبرى»!
ـ كان ذلك تحديدا في عام 1901. وقد نشرت هذه الآراء مجلة فرنسية رصينة كانت تحمل وقتها اسم «قضايا الدبلوماسية والاستعمار»..
ولا فخر.. إذ كانت المجلة معنية بالمشاكل والظواهر التي كانوا يرصدون حدوثها على صعيد الإمبراطورية الكولونيالية الفرنسية.. التي كانت تمتد إلى جنوب شرقي آسيا ثم تغطي معظم أرجاء غرب أفريقيا، ولكن درة تاجها ومحور أهميتها كانت تتمثل في بلد كبير مسلم وعربي اسمه: الجزائر.
وقد يسترعي اهتمامنا ما يسجله الكتاب حين يقول المؤلف على صفحة 91 وما بعدها:
إن محرري المجلة المذكورة بدأوا في تلك الفترة يعرضون أسئلتهم على كبار المستشرقين الأوروبيين طلبا لآرائهم بشأن تطور الإسلام مع بداية القرن العشرين.. وخلف هذا الاهتمام والاستفسار كان يكمن قلق عميق يساور أوروبا من أقصاها إلى أقصاها بشأن ظاهرة كانت توصف بالعبارة التالية: الجامعة.. الإسلامية.. أو الكيان الجامع للمسلمين.
هذا الوصف، كان يستخدمه مسؤولو الاستعمار الأوروبي ووكلاؤه لكي يعبروا به عن «توجسهم» إزاء مشاعر التضامن والتآزر العميقة التي تربط بين المسلمين بصرف النظر عن الحدود والأقطار والقوميات، وكان الاستعماريون يخشون اليوم الذي يأتي فإذا بهذه المشاعر تجد من يحشدها ويعبئها ضد الحكم الاستعماري.
يزداد شعورنا - كقارئين - بالعجب ونحن نكاد نكتشف أمرا ما برح المسلمون يعايشونه في هذه الأيام.. إذ يضيف المؤلف الاميركي قائلا:
في ذروة الهيمنة الأوروبية على مقاليد العالم (بدايات القرن العشرين) اصطنع الأوروبيون أفكارا ملتبسة وطرحوا تصورات غامضة حول جماعات ومؤامرات سرية تضم عناصر من المسلمين المتعصبين قساة القلوب الذين كانوا يتآمرون بليل من أجل الإطاحة بالحكم الاستعماري في كل مكان عبر العالم الإسلامي وسط حمامات الدم المسفوك. .
ثم يعلق المؤلف في نفس السياق ويقول: مع بداية القرن العشرين، كان الخوف من الخطر الذي ادعوا أنه سيصدر عن العالم الإسلامي (جامعة عموم الشعوب الإسلامية) ليهدد وقتها السيطرة الكولونيالية.. أمرا شائعا وشراً منتشرا مستطيرا ومبالغا فيه.
وكان أقرب من ثم إلى ذلك الخوف الذي اصطنعوه في الولايات المتحدة الأميركية خلال عقد الخمسينات مما وصفوه بأنه «مؤامرة الشيوعية الدولية».
التخويف من الإسلام
في نفس السياق، لا بد من تعليق من جانبنا يشير إلى أن سياسة التخويف واستراتيجية الترويع ما زالت مستمرة بين ظهراني شعوب أوروبا وأميركا.. وكأن التاريخ يعيد نفسه طارحا معطياته في دورة كاملة.
حيث بدأ القرن العشرين بالتخويف من خطر الإسلام. وانتصف القرن بالتخويف من مؤشرات الكرملين الشيوعي.. ثم انتهى القرن ليعود الترويع والتفزيع من نفس الخطر الإسلامي ولكن مع إضافة نكهة عربية حتى يحدث نوع من.. التمازج.. إلى حد التماهي بين الخطر العالمي والخطر العربي بنفس المقاييس..
وكما نجد في فكر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة (دانيل بايبس أو برنارد لويس مثلا) من لا يتورع عن تسويد صفحة العرب والمسلمين.. وجدنا - كما يوضح كتابنا - من أجيال سبقت من مفكري أوروبا من يفعل الشيء نفسه، فالكتاب يحملنا إلى مستشرق فرنسي متخصص في ابن سينا كتب يقول:
علينا أن نعمل على زرع الشقاق في العالم الإسلامي وتحطيم وحدته الأخلاقية والمعنوية.. وباختصار إن نسعى لتقسيم الإسلام مستخدمين في ذلك ما يحفل به تاريخه من دعاوى التشكيك أو من مذاهب الصوفية.
هذه الدعاوى الاستعمارية الصادرة في فرنسا، وجدت صداها في مصر عند اللورد كرومر، ممثل الاستعمار البريطاني في القاهرة، الذي كتب متباهيا بما وصفه بالقدرة التنظيمية عند الأوروبي وبالضعف المقابل عند المصري.. العربي.. المسلم.. الشرقي الذي يؤمن بالقدرية كما يضيف كرومر - ويقبل بالحتمية ومن ثم يرضخ أمام كل من يملك السلطة والسلطان.
أصداء أخرى ترددت بين قوى الاستعمار في الهند حيث أطلق شاعر الاستعمار الانجليزي رديارد كبلنغ مقولته الشهيرة:
الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا ثم عاد ليصوغ مقولته في بيتين من الشعر يقول فيها: لا جدوى يا صاحبي من إصلاح عقل الشرقي ولو حاولت - لما استحق كل هذه المعاناة.
الجنس الإمبريالي هكذا وصفوا الشرق والعالم المسلم والعربي بالتعصب.. بينما كانوا هم المغتربين المتعصبين بل يصل تعصبهم هذا إلى أن صاغوا مصطلحات مؤداها ما يلي:
من الأفضل للشرقي والمسلم أن يحكمه ويسيطر على مقاليده جنس لامع الذكاء عظيم المقدرة هو «الجنس الإمبريالي»، وظلت هذه الروح الاستعمارية الاستعلائية سائدة بكل ما كان يكتنفها من تعصب واستعلاء من جانب أوروبا وكان طبيعيا، بمنطق رد الفعل بداهة، أن تجاوبها روح من التوثب الوطني والرغبة في الانعتاق وتحقيق الذات وصون الكرامة دفاعا عن العقيدة والتراث والمستقبل في كل أنحاء المشرق..
وازدادت روح المقاومة هذه اتقادا مع أحداث الحربين العالميتين الأولى (1914) والثانية (1939)، خاصة وأن كلا منهما كانت تفضي إلى تصدع وانهيار الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة أو العتيقة (النمساوية.. الألمانية.. العثمانية في الحرب الأولى)، ثم تصدع إمبراطوريات فرنسا وبريطانيا بعد الحرب الثانية - ومن ثم أصبح الطريق سالكا والساحة ممهدة لبزوغ قوى جديدة اسمها الولايات المتحدة على المسرح الدولي..
وهي القوة العالمية العفية والغنية التي أفرد لها مؤلفنا واحدا من أهم وأطول فصول الكتاب تحت العنوان التالي: القرن الأميركي، حيث يقول المؤلف (ص 111):
مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها وفي عام 1945، كانت الولايات المتحدة توطد مكانتها بوصفها القوة العائدة في العالم من النواحي العسكرية والاقتصادية والسياسية.. و.. مع «اندلاع» الحرب الباردة في عام 1948 تحولت المفاهيم والانقسامات.
حيث انشطر عالم النصف الثاني من القرن العشرين إلى غرب (هو غرب أوروبا وأميركا) رافعا وقتها شعار «العالم الحر» مقابل شرق وهو ليس الشرق الكلاسيكي القديم (الأورينت) في تراث الاستعمار والسيطرة الأوروبية الكولونيالية بل هو الشرق الأوروبي من وسط القارة وعبر جبال الأورال إلى روسيا وتوابعها.
حيث كان يقوم الكيان - الماموث الذي حمل اسم الاتحاد السوفييتي (إمبراطورية الشرق والظلام)، كما وصفها الرئيس الأميركي ريجان بعد ذلك بثلاثين عاما أو تزيد.
ولقد بدأ النصف الثاني من القرن يشهد صعود حركات التحرر الوطني والاستقلال الوطني من الهند إلى الصين في آسيا، ومن الجزائر إلى كينيا في أفريقيا ومن مصر إلى جنوب الجزيرة العربية في العالم العربي الجامع بين القارتين..
ومع هذه الظواهر الاستقلالية، بدأ يبزغ التعبير المستجد وقتها في قاموس العلاقات الدولية العالم.. الثالث كان العالم العربي موضوعيا في قلب هذا العالم الثالث.
وكانت مصر - الناصرية - موضوعيا كذلك في قلب هذا العالم العربي.. وكانت أميركا قد اصطلحت على تسمية المنطقة باسم «الشرق الأوسط» وكان لا بد أن يحدث الاحتكاك بين المنطقة وبين أميركا بكل مصالحها ومخططاتها وعملائها وأعوانها.. يتبع هذا الاحتكاك نمط التفاعل الإيجابي أحيانا وقد تسخن حرارته إلى درجة التصادم السلبي في بعض الأحيان.
كان الاحتكاك - التفاعل - التصادم بين أميركا والشرق الأوسط قد بدأ منذ عقود سبقت في القرن العشرين وتلك قضية مفصلية.. يحرص المؤلف، ونحرص معه من جانبنا على استيفاء أبعادها على الشكل الموجز التالي:
ـ حتى اندلاع الحرب الكونية الثانية في ختام الثلاثينات كان الوجود والتأثير الأميركي في الشرق الأوسط أو هو العالم العربي بجناحيه المشرق والمغرب وجودا متواضعا بكل المقاييس: كان مقتصرا كما يقول المؤلف - على عدد من المؤسسات التعليمية في مقدمتها الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة الأميركية في القاهرة.
صحيح أن بعض شركات النفط الأميركية حاولت أن تجد لنفسها مواطئ أقدام في صناعة النفط الناشئة بالمنطقة منذ عقد العشرينات، إلا أن الشركات الإنجليزية والفرنسية كانت لها بالمرصاد لدرجة اكتفى معها الأميركان بدور الأخ الأصغر أو الشريك الغلبان لكن مع الثلاثينات بدأت الأحوال تتغير، يقول مؤلفنا على صفحة 115:
وقتها عمد بعض رجال النفط الأميركيين إلى توجيه اهتمامهم إلى المملكة العربية السعودية.. كانت وقتها بلدا فقيراً - وكان عاهلها يبذل قصارى جهده من أجل زيادة موارد البلاد.. وكم كان سعيدا بذلك الاتفاق الذي جمع بين السعودية ومجموعة الشركات التي حملت من بعد اسم «أرامكو» ومن جانب السعودية اتضح أنها تملك أكبر احتياطيات نفطية.
ومن جانب الشركات الأميركية فقد لعبت دورا رئيسيا في تطوير صناعة النفط هناك.. ومع هذا كله، فقد ظلت منطقة العالم العربي بعيدة عن بؤرة ومحاور مخططي السياسة الخارجية في واشنطن.. وهو أمر لم يعد ممكنا استمراره بعد أن وضعت الحرب الثانية أوزارها.
في تلك الفترة، كانت المنطقة تشهد تحولات جذرية سواء بجلاء قوات الاستعمار القديم (عن سوريا ولبنان مثلا) أو بتغير النظم الحاكمة في أهم أقطارها (ثورة يوليو في مصر) والغريب أن الولايات المتحدة أطلت على المنطقة في تلك الفترة من خلال منظورين: الأول هو النفط
ـ الثاني هو الحرب الباردة (الصراع مع المعسكر السوفييتي)
في هذا السياق، كانت الخارجية الأميركية قد أصدرت تحليلا في عام 1945 تقول فيه:
إن المملكة السعودية باتت تمثل مصدرا هائلا للطاقة الإستراتيجية مما يجعلها واحدة من أعظم الجوائز المادية في تاريخ العالم.
لا عجب أيضا أن يتطرق الرئيس أيزنهاور إلى موضوع النفط فيقول في عام 1956:
«لقد تزايدت أهمية نفط العالم العربي بالنسبة لأوروبا بأسرها. ولسوف ينهار اقتصاد أوروبا إذا ما حدث وانقطعت عنها إمدادات هذا النفط وإذا ما انهار اقتصاد أوروبا يضيف إيزنهاور - فلسوف تصبح أميركا في حالة من الصعوبة لا نجد لها وصفا».
هكذا بدأت واشنطن تتنبه إلى أهمية مصالحها ومصالح الغرب بعامة في منطقة الشرق الأوسط التي تكاد ترادف منطقة العالم العربي بصورة أو بأخرى.
وعندما قرر مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض دراسة أحوال المنطقة، أصدر تقريره عام 1952 ويقول فيه:
على الولايات المتحدة أن تستهدف خفض القوة التدميرية التي تنطوي عليها في المنطقة عمليات التغيير الثوري، التي تهدد بزعزعة الاستقرار بصورة يتعذر السيطرة عليها.
وهذا يعني أن علينا في غالب الأحيان أن نتعاون مع الجماعات الحاكمة حاليا وأن نعمل أيضا من خلالها ولكن علينا في الوقت ذاته أن نستخدم نفوذنا لكي نحمل هذه الفئات الحاكمة على التكيف أو التعايش أو التوازن مع القوى الجديدة التي تنشأ وتظهر على مسرح الأحداث.
عند هذا المنعطف من البحث، يتطرق المؤلف إلى علاقات الولايات المتحدة مع هذه القوى الجديدة، التي ظهرت على مسرح العالم العربي وكان يقودها ويمثلها صعود جمال عبد الناصر وأفكاره وقيادته وقراراته وفي مقدمتها كما هو معروف تأميم قناة السويس وما تبعه من أحداث العدوان - الهجوم الثلاثي على بورسعيد في خريف عام 1956. يقول المؤلف (ص 119):
رغم أن الحكومة الأميركية رفضت تأييد الهجوم الثلاثي على مصر، إلا أنها ظلت تبدي انشغالا إزاء جمال عبد الناصر ورغم أن ناصر أصبح في أواخر الخمسينات من أبرز قادة آسيا وأفريقيا، إلا أن واشنطن كانت ترى فيه أكبر تهديد لأصدقائها وحلفائها في المنطقة.
بعدها يوضح الكتاب أن هذا التهديد من مصر، فضلا عن مزيد من الاهتمام بإيران - الشاه بسبب إمدادات البترول، كانت من العوامل الأساسية التي أفضت إلى ما يسميه المؤلف بأنه تصاعد الدراسات التي تمت في تلك الفترة حول منطقة الشرق الأوسط.
المستعربون البداية في عام 1947 حين ارتفعت أصوات من صفوف الأكاديميين الأميركيين تقول:
أيها السادة.. إننا في أميركا لا نكاد نعرف شيئا مذكورا عن الشرق الأدنى اللهم إلا في تخصص اللغات.
من هنا، كان طبيعيا، كما يلاحظ كتابنا، أن تعتمد واشنطن في سياستها تجاه المنطقة منذ منتصف القرن الماضي، على أجيال نشأت في المشرق العربي وتأثرت بأحواله ومنهم بالذات أبناء المبشرين البروتستانت أو أساتذة الجامعات الأميركية العاملة في المشرق.
ومن بين هؤلاء نشأت كوادر من الأميركيين الذين كان لهم تأثيرهم في دوائر صنع السياسة وخاصة في وزارة الخارجية الأميركية وقد وصفهم في تلك الفترة المصطلح المعروف، المستعربون.
هذا الكادر من الدبلوماسيين الأميركيين ظل مؤثراً في سياسة واشنطن ونشاطها الدبلوماسي حتى عقد السبعينات وبالتحديد حتى اللحظة التي قرر فيها ابن مهاجر ألماني يهودي أصبح وزيرا لخارجية أميركا أن يستأصل فصيل المستعربين هؤلاء من دوائر السياسة والدبلوماسية في أميركا..
كان الوزير أسمه هنري كيسنجر وكان المستعربون متهمين - على نحو أو آخر - بأنهم متعاطفون مع العرب وقضاياهم بحكم نشأة معظمهم في أقطار المشرق العربي وتعاطفهم ولو نسبيا مع مشاكله وقضاياه.
مع ذلك، فقد استمرت تقاليد البحوث الأميركية في الاهتمام بالمنطقة العربية وبالعالم الإسلامي وخاصة في مجالات البحوث التي كانت قد نشأت وتبلورت من أيام الحرب العالمية الثانية. وحملت العنوان التالي: دراسات المناطق.. الدراسة الموضعية أو الموقعية.
وعلى عكس ما يشير إليه هذا المفهوم، فإن هذه الدراسات الإقليمية، كما قد نسميها، تطورت مع ظروف الحرب الباردة.
ومع طموح أميركي إلى الاضطلاع بدور ومكانة القوة العظمى - إلى حيث باتت هذه النوعية من الدراسات تستقطب جهود أفواج من علماء التخصصات المختلفة الذين يحرصون على العمل ضمن فريق أكاديمي متكامل من جهة، كما يحرصون على أن يجمعوا في إطار عملهم بين التنظير الأكاديمي من ناحية وبين العمل الميداني من ناحية أخرى.
في هذا الإطار تبلورت، ومن ثم نضجت سلسلة دراسات الجامعات ومراكز البحوث في الولايات المتحدة ونَعِم بعضها بتمويل غاية في السخاء كما يوضح مؤلفنا (ص 124) وخاصة من المِنَح التي كانت تقدمها «مؤسسة روكفلر» الشهيرة..
(وربما لم يكن السخاء نابعا من شعور بالشهامة أو من الرغبة في الأعمال الخيرية بقدر ما أن أسرة روكفلر الثرية كانت توظف حوافظ مالية طائلة من ثروتها في صناعة النفط.. درة المعادن وعمدة السلع الاستراتيجية، التي أكدت مكانتها الجوهرية خلال سنوات الحرب فيما تزدان بها آبار منطقة الشرق الأوسط).
ولم يكن غريبا أيضا أن تدخل نفس الحلبة من التمويل السخي لبحوث الشرق الأوسط. مؤسسة أخرى تحمل اسم عائلة أمريكية موسرة ومنافسة وهي «مؤسسة فورد».
بلغت نظر المؤلف - وأنظارنا أيضا إلى أن القوم تنبهوا إلى أهمية إتباع أسلوب شامل في التعامل مع المنطقة - فلقد ولت أيام النظرة الكلاسيكية إلى الشرق بوصفه أرض الصحراء المترامية، والبدو البسطاء الطيبين وحكايات ألف ليلة وأصوات المؤذنين ومساكن الحرملك في قصور الخلفاء وجاء وقت النظر إلى الشرق بوصفه حلبة صراع على الموارد الإستراتيجية في المستقبل..
ومن ثم أن تشارك في دراسة أحواله وتطوراته أفواج وجماعات مختلفة الاهتمامات ومتنوعة التخصصات ومتعددة الأهداف.. علماء.. مفكرون.. لغويون.. راسمو سياسات.. عملاء استخبارات.. وغيرهم وغيرهم وفي عبارة واحدة قالها المستشرق الإنجليزي الكبير البروفيسور «جب»:
ـ بلغ الشرق (الأوسط) من الأهمية لدرجة لا تستطيع أن نتركه معها لجهود المستشرقين.
