أجرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية، أخيراً، حواراً مع الرئيسة التشيلية الجديدة ميشيل باشليت حول المهام التي تنتظرها والجهود التي يتعين عليها بذلها في التعامل مع تركة بينوشيه الصعبة ومسألة النمو الاقتصادي اللافت والتحولات اليسارية في دول أميركا اللاتينية.

* السيدة باشليت: ان دولتك تشهد معدلات نمو يحلم بها غالبية الأوروبيين والآن يتم الاحتفال بك كرمز تحول من الدكتاتورية إلى الديمقراطية اضافة إلى كونك اشتراكية وفي ظل هذه الظروف تبدو ممارسة السلطة متعة كبيرة.

ـ ان الأمر الأهم بالنسبة إلي هو أن اتمكن من تحقيق آمال أكبر عدد ممكن من المواطنين.. أنت محق فأنا أول رئيسة يتم انتخابها ديمقراطياً في أميركا الجنوبية وأعي أن إدارة الحكومة مهمة جديرة بالاحترام. ولكنها مهمة تتطلب قدراً كبيراً من المسؤولية. وذلك لأن التشيليين يتوقعون مني إيلاء أهمية أكبر للعدل الاجتماعي وتحقيق المزيد من الديمقراطية في الدولة.

* أنت أم عزباء وطبيبة وقد عينت عشر نساء في مجلس الوزراء بالإضافة إلى عدة رجال وهذا كله في دولة مشهورة بتقاليد كاثوليكية ذات سيطرة ذكورية فهل تغيرت تشيلي إلى هذا الحد؟

ـ تمثل النساء ثلث الأسر التشيلية، وبكلمات أخرى.. أنا امرأة عادية تماماً في تشيلي. في الواقع أننا لمسنا تحولاً ثقافياً في السنوات الثلاثين الماضية.

فالعديد من النساء اللواتي يقمن بإدارة المنظمات الاجتماعية، هن زعيمات نقابيات ويلعبن دوراً مهماً في مدارس أطفالهن.

والمكان الوحيد الذي غابت فيه النساء كان في المستويات العليا في الحكومة.. إن قرار سلفي ريكاردو لوجوس في وضع النساء في مناصب أكثر نفوذاً في وزارة الخارجية ووزارة الدفاع فاق التصورات.

* في الحادي عشر من سبتمبر عام 1973 شاهدت من سطح المدرسة الطبية التفجير الذي أمر به الجنرال بينوشيه للمبنى الذي يحوي مكاتب الرئيس ألليندي والآن ستنتقلين إلى ذلك المبنى. ماذا يعني ذلك الفصل المظلم في التاريخ بالنسبة للتشيليين اليوم؟

ـ إنه جزء من تاريخنا ويتحتم علينا تحمل الآلام كي نعالج الأمور التي حدثت لنا وذلك لصالح الحقيقة والعدل وتوفير التعويضات لجميع ضحايا العنف السياسي بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية. ان الاحترام التام لحقوق الإنسان ـ ليس للحريات الدينية فحسب ـ سليعب دوراً مهماً جداً في إدارتي.

* هل المحاكمات الحالية للزعماء العسكريين تقسم التشيليين إلى معسكرين؟

فبينوشيه يخضع وعائلته للتحقيق لتهربهم من دفع الضرائب. لا تستطيع دولة تعرضت لجرح كبير كتشيلي أن تبرأ بشكل تام. أنا طبيبة فاسمح لي باستخدام مفردات طبية لشرح المسألة: «فالجراح النظيفة فقط بإمكانها الالتئام، وإلا فإنها ستستمر في الاتساع مرة أخرى وتلوث وتلتهب، من الواضح بالنسبة لي أن الحقيقة يجب أن ترى النور.

بالطبع هنالك أولئك الأشخاص ولكنهم يمثلون الأقلية اليوم، الذين لا يريدون سوى إبقاء الأمور تحت السجادة. وفي دولة دستورية، فإن الحكومة يجب أن تتخذ خطوات لضمان عمل النظام القضائي من دون معوقات. إن حقيقة انتخابي تظهر أن تشيلي لديها مجتمع ناضج، ولذلك يصر معظم المواطنين على عدم السماح لأي كان بأن يضع نفسه فوق القانون وينجو من العقوبة.

* تم القبض على والدك، وكان جنرالاً موالياً لأليندي، وعذب ومات نتيجة لذلك. أنت كسياسية تجنبت التحدث عن المصالحة مع الخصوم السابقين. وعوضاً عن ذلك فقد أشرت للعملية بأنها «مواجهة جديدة». فلماذا؟

ـ ان المصالحة تعني كذلك أنه يتعين على الضحية أن تصفح عن مرتكب الجرائم ولكن ليس بإمكان الجميع الصفح. فذلك يعتمد على تجارب الفرد، وقدرته على التغلب عليها، وهذا ليس بالأمر الذي تستطيع أن تأمر الجميع أن يقوموا به. ولكن الحكومة تستطيع تهيئة الظروف والتي تستطيع في ظلها الأطراف المختلفة أن تواجه بعضها البعض في مشاريع مشتركة.

* تم القبض عليك ووالدتك أيضاً وتم تعذيبكما في سجن الاستخبارات الشهير فيلا غريمالدي. وبعد أعوام التقيت بأحد معذبيك في المصعد. كانت عيناك معصوبتين عندما كنت في السجن، ولكنك تعرفت على الرجل من رائحته. كيف كانت ردة الفعل لديكما في هذا اللقاء؟

ـ تصادف الأمر أن هذا الرجل يقيم في المبنى ذاته الذي نقطن فيه ويستخدم المصعد ذاته، إنها حقاً لمصادفة في مدينة كبيرة كسنتياغو. لم يكن ذلك بالأمر اليسير بالنسبة لي في بادئ الأمر وقد أزعجني كثيراً، وكان صعباً عليه أيضاً،

لأننا التقينا حين كان يواجه تهماً في المحكمة، تهماً حكم عليه بسببها في نهاية الأمر. ربما كان الأمر أكثر صعوبة عليه مني. فأنا كنت قد وصلت بالفعل إلى مرحلة جديدة في حياتي في ذلك الوقت. ولكن كلما كان يراني أو يرى والدتي، فإنه كان يضطر إلى التفكير في جرائمه، الجرائم التي كان سيحاسب عليها.

* أقمت في ألمانيا الشرقية بعدما فررت من تشيلي. واليوم تعيش أرملة رئيس ألمانيا الشرقية السابق إريك هونيكر مارجوت هونيكر في سنتياغو فهل دعوتها لحضور حفل التنصيب؟

ـ التقيتها شخصياً مرة واحدة هنا في سنتياغو. وكان ذلك في جنازة رئيس الحزب الشيوعي التشيلي.. ولكنني كنت دائماً أصرح بأنني عوملت معاملة جيدة في ألمانيا الشرقية عندما أجبرت وعائلتي على مغادرة تشيلي، ولدي ذكريات جميلة في موطني المؤقت.

* ماذا يعني اختفاء ألمانيا الشرقية لك شخصياً؟ وماذا يعني لك انهيار معظم الأنظمة الشيوعية في العالم بصفتك شخصاً اشتراكياً؟

ـ ينبغي على الناس أن يختاروا بأنفسهم نوع المجتمع الذي يرغبون ببنائه.

فالعالم تغير بشكل هائل منذ انتهاء الحرب الباردة. غير أنني أعتقد بأن الكثيرين ما زالوا يتوقون للمساواة بشكل كبير، لدرجة أنهم يودون رؤية نهاية للفقر، ويتوقون لعالم يمتلك الجميع فيه فرصاً متساوية.

* كنت وزيرة للدفاع في تشيلي لثلاثة أعوام تقريباً، فهل تعتقدين ان القادة العسكريين بإمكانهم الآن الإلتزام بمباديء الديمقراطية؟

ـ نعم فكل مؤسساتنا تعمل بشكل ديمقراطي هذه الأيام ومنذ بعض الوقت، قبلت القوات المسلحة بحقيقة ان الرئيس هو قائدهم الأعلى، وأنه يمارس هذه السلطة من خلال وزير الدفاع، وفي حالتنا نحن، فإن النساء سيتولين المهام في كلا المنصبين.

* على الرغم من كل التطورات، إلا أن البعض مازال يدعي بأن هناك طرفين في تشيلي: القوات المسلحة ومصالح الأعمال الكبيرة وأنه اذا كان هذان الكيانان يعملان بكامل طاقاتهما، فإن البلاد يمكنها حتى ان تتحمل تشكيل حكومة اشتراكية، فهل هناك في ذلك شيء من الحقيقة؟

ـ لم يعد بينوشيه يلعب دوراً في السياسة والعمل العسكري بات مهنة مثل أي مهنة أخرى. وهذا ما تمكنت من القيام به كوزيرة دفاع ولم يعد الجيش يملك أي مطالب بالسلطة اليوم.

وكمواطنين فإن للجنود الحق بالتصويت، ولا استبعد احتمال قيام الكثيرين منهم بالتصويت لصالحي فهم يعرفونني في نهاية المطاف، ومجتمع الأعمال يعرف كذلك بأنني سأواصل تشجيع النمو، ولكنني أوضحت ان القرارات بشأن التنمية الاقتصادية يجب ان تتخذ على أساس انها جزء من النسيج الاجتماعي الذي يضم الحكومة والموظفين والعمال.

* أزال الإصلاح الدستوري في العام الماضي أخيراً نظام تعيين أعضاء مجلس الشيوخ والذي فرضه بينوشيه ونتيجة لذلك، فإن إئتلاف الأحزاب الديمقراطية الذي تتولى رئاسته يملك الأغلبية في كلا المجلسين المؤلفين للبرلمان. أياً من بقايا الدكتاتورية مازلت تعتزمين إزالته؟

ـ نظام الانتخابات أكثر في أي شيء آخر، لأنه لا يعكس العلاقة الحقيقية بين الأحزاب، ويتعين علينا أيضاً حماية حقوق سكان البلاد الأصليين في الدستور.

ـ اهتماماتي الكبرى هو إشراك المدنيين بشكل أكبر، ولذلك أرغب بتطبيق اللامركزية في الإدارة وبمنح المناطق والبلديات الفرصة لاتخاذ القرارات المباشرة.

* الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز اخترع ما يسميه «محور الخير» الذي ضم إليه بلاده وكوبا بزعامة فيديل كاسترو وبوليفيا بزعامة إيفو موراليس، هل ستصبحين عضواً في ذلك النادي أيضاً؟

ـ لا أريد شن حرب باردة أخرى، ولا أعتقد أيضاً أن تقسيم العالم إلى معسكر الخير ومعسكر الشر فكرة صائبة، ولا يجب على المرء أن يدين أي نظام مطلقاً منذ البداية.

أريد أن أعمل مع الجميع لمواجهة التحديات الحقيقية لأميركا اللاتينية.. أي الفقر الواسع الانتشار وحقيقة أن العديد من سكان البلاد الأصليين على وجه الخصوص، وكذلك النساء والأطفال لا يتلقون نصيبهم العادل من التقدّم.

* من المتوقع أن نرى تحولاً متواصلاً باتجاه اليسار في انتخابات أميركا اللاتينية هذا العام، فما الذي يقف وراء ذلك؟

ـ إن العديد من المواطنين مستاءون من الطريقة التي أثرت بها بعض النماذج الاقتصادية على حياتهم في الماضي.

* شافيز يدعو تشيلي بالفعل إلى التخلي عن اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية الناجحة لصالح تحالف أميركي لاتيني.. هل ستكونين منفتحة على هذه الدعوة أم أن هناك تضارباً في الأمور هناك؟

ـ أتفق مع العديد من زملائي بأننا نعيش في قارة متنوعة للغاية، ومع ذلك، أعتقد أنه بإمكاننا إبرام اتفاقية تجارية أساسية في أميركا اللاتينية، اتفاقية يمكننا جميعاً التعايش معها. وأنا متفائلة بأننا سنجد هذه التركيبة السحرية.

ترجمة : كوثر علي