في قصة طريفة تُروى عن امرأة أجنبية طاعنة في السن، اعتادت أن تكتب مذكراتها اليومية، وبعد أكوام من الاعوام والسنوات، وبينما هي كعادتها منزوية تدوِّن أحداث يومها، إذ بها تقف وقفة تأمل وتمحيص لكل يومياتها السابقة، المفاجأة أنها خرجت من لحظة التأمل تلك بأن جميع يومياتها كانت تتكرَّر يومياً بأدق التفاصيل. فلم تجد شيئاً جديداً لتضيفه. فشرعت في كتابة التاريخ واليوم بأعلى الصفحة واكتفت بتوقيعها في الأسفل وفي منتصف الورقة كتبت وبخط عريض الأحداث (كالعادة!!).

هذا الموقف قد يحدث لأي شخص هنا، ولكننا لا نعطي أنفسنا الفرصة حتى نكتشف ذلك، فيصبح الروتين اليومي هو المخيم على أجواء حياتنا. ويكون الطابع العام لأمسنا ويومنا وغدنا. ومن السيئ أن يتساوى الأمس واليوم والغد بلا طائل ولا فائدة. فيفقد المرء لذة التجديد والعطاء.

«كالعادة» مرض قاتل يتسلل إلى أعماق المرء فيصبح أسيراً للعادة. مكبلاً بقيودها، فتتحول الوظيفة إلى عادة. وتصبح الدراسة عادة، وقهوة الصباح عادة، والجريدة اليومية عادة، وأخطر ما في الموضوع أن تتحول مهنة التعليم إلى عادة!

فالمعلم ليس إنساناً عادياً، ولا نقصد بذلك أنه من كوكب المريخ مثلاً، ولكننا نرمي إلى أن المعلم يختلف في كونه المربي، وصانع الأجيال. فصناعة المتميزين حرفة العظماء، ينهج المربي من خلالها نهج الرسل والأنبياء في التربية والتعليم والإصلاح. فهي تحتاج إلى التجديد والعطاء الرحب. ومتى أصبح التعليم روتيناً يومياً كالعادة، يفقد عندها معناه الحقيقي وجوهره الخفي.

فقط توقف وتأمل ذلك الأجر العظيم الذي أجزله رب العباد لأصحاب هذه المهنة العظيمة، يكفي أن يستغفر لمعلم الناس الخير، جميع من في السماوات ومن في الأرض كما ورد عن المصطفى عليه الصلاة والسلام، فأي شرف بعد هذا أعظم به من شرف.

وفي الآونة كثر الجدل بين أوساط العاملين في الميدان حول مكانة المعلم التي بدأت تتلاشى، ودوره الذي لم يعد يتعدّى الحصة الدرسية التعليمية البحتة. ولكن يظل عزاء المعلم أن الله رفع قدره وأجره، وكرّم مهنته، وهذه دعوة من القلب لكل معلم يقدِّس مهنته، ويستشعر أهميتها التي من دونها تصبح هذه الأرض يباباً، ويستشعر أيضاً أنه من صنّاع المستقبل