من أهم المهام التي يشرع بها فريق للدفاع المدني ،حينما يريد إخماد حريق ما، هو قطع الكهرباء أو الغاز أو أي شيء من شأنه أن يؤجج النار أكثر، وأول ما يفكر فيه جيش حين يواجه عدوا هو أن يقطع خط الإمداد الذي يستمد منه العدو عدته وعتاده، ويعتبر السد من أفضل الأساليب للمزارعين الذين قد تتعرض مزارعهم للفيضانات. ويعمد المربي الذكي إلى أن يمنع أسباب وجود الخطأ لدى المربي ويقطع خطوط الاتصال بين سبب السلوك ومسببه، أجل فكما ذكرنا في المقالين السابقين،

فإن هناك أسبابا واضحة أثبتت الدراسات مدى تأثيرها على عدوانية الطفل، وقد أوردت سببين هما الرئيسيان بحسب الدراسات والمشاهدات من خلال الإرشاد الأسري، ولا أعني بذلك أنه لا توجد أسباب أخرى ولكني أعتبرها ثانوية بالنسبة لهذين البابين، وأيا كان السبب فلابد على المربي من ملاحظته والتعرف عليه بتفحص، فإن لم تعرف الأسباب لم يعرف طريق العلاج، بل إنه وكما نعلم فإن التشخيص نصف العلاج.

وبمجرد معرفة أسباب العدوانية يتحتم على الوالدين وضع هدف وخطة للتخلص منها ولقطع الطريق أمام أي زيادة محتملة في عدوانية الطفل. فإن كان السبب هو عنف الوالدين في التعامل مع الأبناء فعلى الوالدين أن يضعا هدفا واضحاً لضبط سلوكهما وعدم استخدام أسلوب العنف الجسدي أو الكلامي تجاه الأبناء إلا في الحالات التي يحتاجونها حقاً «وسنتكلم عن هذا في مقال قادم».

ثم تكون لديهما خطة واضحة للتخلص من هذه المشكلة والوصول إلى الهدف المنشود. وهنا قد يطرح القارئ سؤالاً طالما سمعته من المراجعين الذين يشكون عدوانية أبنائهم، يقولون: وماذا نفعل بأبنائنا، هل نتركهم يفعلون ما يشاءون؟ ثم إنهم يضطروننا لضربهم نتيجة سلوكهم. أيها الوالدان، يقولون: آخر الدواء الكي، وليس أوله. إننا وللأسف نجعل الضرب والعنف هو الدواء الوحيد لسلوكيات أبنائنا الخاطئة، وهذا يقع فيه الكثير للأسف.

إنكم إن تركتم العنف في تربية أبنائكم فذلك لا يعني أنكم ستتركونهم للضياع، ولم يطلب منكم أن تتركوا تربيتهم، ولكننا نترك العنف لشيء أفضل منه، وقد علمنا حبيبنا المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم من آداب النبوة أن: «الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه»، فنحن نريد أن نستبدل العنف بالرفق، والصراخ. «فمن لا يرحم لا يرحم»، ولا تحاول أن تبرر ضربك رحمة به وحبا له، فلم نسمع يوماً بحبيب دلل لحبيبه على حبه بأن أوسعه ضرباً، إن الضرب بالنسبة للمضروب دليل كره وليس دليل حب وإن كانت نيتك طيبة.

وما زلت أتذكر نبرة تلك الأم الفرحة والتي كانت تضحك من شدة فرحها وهي تقول: «إن إبني قد تغير تماماً خلال أسبوع «إنه يقترب مني، يسلم على أهله، ارتفع صوته وقلت مظاهر الخجل».

كانت تلك الأم قد زارتني هي وزوجها وابنها الذي كان يعاني من الخجل الشديد وهو لا يتكلم مع أي غريب، بل وإنه لا يسلم على أخواله وأعمامه أن الإبن ضعيف الثقة بنفسه، وصوته ضعيف جداً لا يكاد يسمع، يستسلم لكل من أراد أن يقوده ويأمره وينهاه، سألتهم عن أسلوبهم في التعامل معه فكانت أهم الأساليب المعتمدة في المنزل، الضرب والصراخ ولذلك نفهم أن الطفل بسبب هذه المعاملة قد أصيب بضعف في تقدير الذات.

فكانت وصيتي للوالدين «توقفا عن ضرب الولد والصراخ عليه» ظهرت علامات الاستفهام على الوالدين وهما يقولان «أهذا كل شيء؟؟» قلت: لا.. هذه هي البداية السليمة، وإن استطعتما السيطرة على هذين الأمرين كان الباقي أبسط بكثير. ثم بدأنا في التحدث عن أساليب ضبط النفس والسيطرة على الانفعالات لدى الوالدين، وما إن انصرف الوالدان مع ابنهما حتى بدآ بالتطبيق على أكمل وجه فكانت المكالمة التي ذكرت بعد أسبوع،

ولذلك فهنا يكمن سر نجاح الوالدين في معالجة أي سلوك بمدى الحساسية التي يحملانها في معرفة أسباب المشكلة أولاً، ثم بعد ذلك إيقاف ذلك السبب سواء كان سلوكاً للوالدين أو نشاطاً يقوم به الطفل، أم الخطوات القادمة فهي أسهل بكثير وسنعرض لها في مقالنا القادم بإذن الله.

gulfeduc@yahoo.com