يتطرق المؤلف في هذا الكتاب إلى علاقات الغرب بالشرق في العالم القديم، ويقول إنها كانت تقوم على نوع من التوجس والتخوف والترصد لأنها كانت تنطلق من واقع الصراعات والحروب. وهو يتخذ هذه القاعدة أساساً لفهم العلاقة الراهنة بين الغرب والشرق وخاصة فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، ونظرة الغربيين للإسلام الحديث.
ويعود المؤلف بنا إلى بدايات الهجمة الاستعمارية الغربية على البلاد العربية والتي اتخذت شكل الحروب الصليبية مدفوعة بأهداف اقتصادية وتمسحت بشعارات دينية لكسب تأييد المواطن الأوروبي العادي الذي اعتبرها حرباً مقدسة. ولكنه مع ذلك لا ينسى أن يشير إلى أن العلاقة بين الغرب والشرق لم تخلُ من التمازج الثقافي والحضاري حتى في أوج الصراع.
يعتبر هذا الكتاب قراءة علمية بأدوات الاستقصاء والتحليل التاريخي لمسيرة التفاعل ـ الاحتكاك ـ أو الصراع بين الغرب الأوروبي وبين الشرق العربي ـ الإسلامي حيث يتابع المؤلف زخاري لوكمان،
الأستاذ بجامعة نيويورك والمتخصص في شؤون مصر وفي قضايا الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي مع ما سبق وبدأه البروفيسور إدوارد سعيد في كتابه الجامع بعنوان «الاستشراق» حيث يعرض لوكمان للصور والرؤى المتباينة التي شكلتها أوروبا والغرب عن الشرق الأوسط بكل ما يحفل به من عقائد وشعوب وتاريخ وتطلعات.
من لحظة اللقاء الأولى بين القارئ ـ ناهيك عن المحلل المتمعن ـ وبين هذا الكتاب.. هناك ملاحظة شديدة الخصوصية تطالع القارئ تحت عنوان «خرائط». إن الكتاب يطرق أبواب الموضوع مستهلاً هذه العملية بخرائط ست وافية التفصيل لأنها تجمع بين الجغرافيا والتاريخ.. أو أنها تشارف العناق الأبدي بين المكان والزمان..
الخرائط تحمل على الترتيب العناوين التالية:
(1) صعود نجم الإسلام والفتوحات العربية
(2) الإمبراطورية العثمانية حتى عام 1566
(3) الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عشية الحرب العالمية الأولى
(4) الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في فترة ما بين الحربين العالميتين
(5) الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ـ الحدود
(6) الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في العالم
وفي سياق التعليق على هذه الخرائط يمكن أن نورد بدورنا الملاحظات التالية:
ـ أولاً أن المؤلف يستخدم كلمة «غزو» التي عمدنا إلى ترجمتها بمصطلح «الفتوحات».
ـ ثانيا أن عام 1566 يكاد يكون السنة التي بلغت فيها الدولة العثمانية أوج مجدها وذروة توسعها بقدر ما أنها السنة التي بدأ يعقبها أفول نجم الإمبراطورية التركية التي واصلت تدهورها إلى حين انهيارها ومن ثم زوالها في عام 1922-1923 وتلك من مفارقات التاريخ.
ـ ثالثا إن عبارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تكاد تصدق مع بعض الاستثناءات على جناحي الوطن العربي في المشرق وفي المغرب العربي. وقد لجأ المؤلف الأميركي إلى استخدام مصطلح «الشرق الأوسط» لأنه مألوف في الأدبيات السياسية الغربية وربما لأن المصطلح يضم طرفين غير عربيين هما تركيا وإيران، وربما لأن البروفيسور لوكمان لا يسعده كثيرا أن يستخدم عبارة الوطن ـ العالم العربي.. والله أعلم.
القرن الأميركي
يضم الكتاب 7 فصول تسبقها مقدمها وتعقبها خاتمة ويستهلها فصل بعنوان «في البدء» فيما يحمل فصلها الأخيرة عنوانا يلخصه سؤال مطروح هو:
ـ ماذا بعد الاستشراق؟
ويتوسطها فصول يحمل واحد منها عنوان «القرن الأميركي» ويكاد فصل آخر يشكل حاشية علمية مسهبة على متن العمل الأكاديمي الهام الذي أنجزه الراحل الكبير إدوارد سعيد تحت عنوان «الاستشراق».
مع الفصل الأول من هذا الكتاب يخوض المؤلف غمار مرافعة أكاديمية حامية للتدليل على ما ذهب إليه من أن تقسيم العالم الذي نعرفه اليوم إلى شرق وغرب لم يكن بنفس الحدة ولا بنفس التمايز (القائم أحيانا على روح عنصرية).
يبدأ المؤلف أطروحته من أيام اليونان الأقدمين: هم أول من قسم العالم إلى غرب وشرق.. وكانوا يتصورون الدنيا ـ الكون منقسما إلى أوروبا حيث كانوا يعيشون وإلى آسيا إلى الشرق من أوروبا.
ومن زاد هؤلاء الإغريق في تصورهم أن الناس ـ البشر يعيشون فوق كتلة من اليابسة يحيطها البحر الأبيض الذي تطل عليه بلادهم ـ ومنها اتخذ البحر المذكور اسم.. «المتوسط».. وبعد اليابسة والمتوسط اتسعت تصورات أهل ذلك العالم القديم إلى حيث مسطحات المياه الكونية بلا حدود.. هي المحيط أو هي بحور الظلمات كما استقرت في تصورات العرب الأقدمين.
ـ كيف كانت علاقات الغرب وفي قلبه أهل اليونان مع الشرق في العالم القديم؟
يقول المؤلف:
ـ كانت تقوم على نوع من التوجس والتشكك والتخوف والترصد.
لماذا؟
ـ لأنها كانت تنطلق من واقع الصراعات والحروب التي اندلعت في أحقاب ما قبل الميلاد بين أثينا قوة الغرب المتحضر.. وبين فارس بوصفها قوة الشرق المنافس والقوى المراس. (علاقة نحن.. والآخر)
هذا الموقف من العداء.. أدى إلى أن اصطنع اليونان مقولات «نحن» و«هم»، بمعنى إنسان أوروبا و.. الآخر.. وكان هذا الآخر في القرون القليلة التي سبقت ميلاد المسيح، وعلى نحو ما يوضح أول فصول الكتاب يشمل مصر الفرعونية في أواخر عهد الأسرات الحاكمة وفارس في عهد قورش وداريوس (دارا) وسائر الأكاسرة.. هذا فضلا عن الممالك والإمبراطوريات التي شهدتها بقاع آسيا في تلك المرحلة وصولا إلى إمبراطورية الصين القديمة.
على أن المؤلف لا يلبث أن يؤكد لنا أن علاقة الغرب بالشرق لم تكن تتسم على طول الخط بالعداء أو «عدم الاستلطاف».. كما قد تقول. فقد كان ثمة تمازج وتفاعل ومعاملات بقدر ما أتاحته سبل المواصلات والاتصال المتخلفة في ذلك العهد البعيد..
بل كان ثمة تأثيرات متبادلة بين ثقافة الشرق الفارسية وبين ثقافة الغرب الإغريقية.. وقد جاءت إمبراطورية الرومان اللاتينية لترث هذه العوامل التي كانت تقوم على التفاعل والتواصل وقت السلم فيما تقوم على التناحر والتقاتل وقت الحرب والطريف هو ذلك التغير الذي طرأ في عهد إمبراطورية روما على مفهوم انقسام العالم إلى شرق وغرب..
لقد بدأ مفكرو روما الإمبراطورية يقولون: إن الشرق يبدأ من بلاد اليونان ذاتها، ثم يوغل هذا الشرق إلى حيث يصل مع توالي القرون الأولى بعد الميلاد إلى بيزنطة حيث أنشأ الإمبراطور قسطنطين عاصمة جديدة فوق سواحل البوسفور في آسيا الصغرى وخلع عليها اسمه لتصبح ـ كما كان معروفا ـ عاصمة الدولة الرومانية الشرقية.
والأعجب من ذلك أن جاء قوم من مؤرخي أوروبا ـ منهم الإنجليزي جيبون (في عام 1794) ليزعموا أن هذه المؤثرات «الشرقية» هي التي أدت إلى «اضمحلال ومن ثم سقوط الإمبراطورية الرومانية» (عنوان كتاب جيبون الشهير).
وقد زاد من هذه النزعة السلبية إزاء الشرق حقيقة المنافسة التي احتدمت داخل الديانة المسيحية بين الكنيسة الشرقية (الأرثوذكس) وبين الكنيسة الغربية (الكاثوليك) فكان أن اصطبغت ـ حتى العقيدة الدينية وقتها ـ بصفة أقرب إلى العنصرية حيث كان الانقسام بين مذاهب شرقية ومذاهب غربية.
عهد الإسلام
وسط هذا المشهد، ومع حلول القرن السابع للميلاد استقبل العالم حدثا جديدا وجليلا في آن تلخصه سطور الكتاب في العبارة التالية:
؟ مجيء الإسلام
تحت هذا العنوان يتابع المؤلف نشأة وتطور العقيدة المحمدية مؤكدا لقارئه (وهو قارئ ناطق بالإنجليزية بالضرورة) كيف أن الإسلام عقيدة جاءت تصدق لما بين يديها من تعاليم التوراة والإنجيل.. وكيف أدى المد الإسلامي في عهود الخلفاء المسلمين إلى هزيمة وتحجيم الإمبراطورية الرومانية الشرقية إلى أن دانت عاصمتها للسلطان العثماني الكبير محمد فاتح بيزنطة ـ القسطنطينية في عام 1453 للميلاد.
في هذا السياق بالذات، يلاحظ المؤلف كيف أن أهل الغرب الأوروبي، ولا سيما خلال العصور الوسطى، كانوا ينظرون إلى المسلمين في الشرق نظرة يشوبها مزيج من الجهل والاستعلاء.. كانوا يتصورونهم أقرب إلى الوثنية أو أبعد ما يكونون عن تعاليم السماء(!).
ولم يكن هذا الجهل مبرّرا ولا منطقيا بحال من الأحوال.. بل كان هناك من مثقفي أوروبا في القرون الوسطى مَنْ فَهِم القضية بشكل مختلف. يضرب كاتبنا المثل بواحد من علماء الكنيسة الإنجليزية هو السيد بيد (ت عام 735) الذي نظر إلى المشارقة على أنهم من نسل هاجر والدة إسماعيل ابن إبراهيم (عليهما السلام) وهو أيضا ـ كما أضاف بيد ـ أخ لإسحاق الجد الأعلى لليهود (ومن ثم المسيحيين من الناحية الروحية)..
بل كان هناك من مثقفي أوروبا في العصر الوسيط من وصف العرب المشارقة بأنهم السلاجقة أو السراجقة زاعما أن الكلمة جاءت من اسم سارة الزوجة الأولى للخليل إبراهيم عليه السلام. أما المسلمون المغاربة في شمال أفريقيا وفي الأندلس الأسبانية فقد أطلقوا عليهم لقب المور واستمدوا من اللقب صفة الموريسكي.. وفي هذا الصدد يقول مؤلف كتابنا (ص 25):
كثير من مثقفي أوروبا في تلك الفترة لم يلاحظوا أن السلاجقة في الشرق أو المور ـ المغاربة في أسبانيا كانوا جميعا مسلمين، وأنهم مشارقة أو مغاربة.. كانوا جميعا يؤمنون بديانة توحيدية جاءت لتكمل كلا من اليهودية والمسيحية..
وذلك رغم أن أهل هاتين الديانتين عاشوا في ظل الحكم الإسلامي بالأندلس تحت لواء التسامح بوصفهم من «أهل الكتاب».. ورغم هذا التسامح فقد وُجد من مثقفي ذلك العصر من ينظر إلى الثقافة العربية في الأندلس نظرة من الغيرة وربما الحقد الدفين. ها هو الأديب بول الفاروس وكان من معاصري الحكم الإسلامي في أسبانيا يقول:
ـ رأيت المسيحيين وقد شغفوا بتلاوة الشعر العربي وقراءة حكايات المسلمين الرومانسية.. ومنهم من يقرأ دراسات علماء الدين المسلمين وفلاسفتهم لا لكي يفنّد ما يكتبون بل لكي يستقيم لديه لسان عربي صحيح ومبين.
الزحف الاستعماري
على هذه الخلفية المتواصلة من تربص الغرب بالشرق.. تدفقت موجات الاستعمار الأوروبي التي تذرعت بالدين وتمسحت بشعاراته.. فكان أن حملت اسمها المعروف وهو:
؟ الحروب الصليبية
ليس صدفة أن كثيرا من العلماء المنصفين يتعاملون مع هذه الحروب التي شنتها أوروبا على أراضي المشرق العربي، بمنطق موضوعي يستبعد الدين حافزا، ولكنه لا يستبعد الدين شعارا تّم استغلاله ومبررا لشن غزوات أملتها ضرورات اقتصادية وديمغرافية (سكانية) وعنصرية بالدرجة الأولى.
يقول المستشرق الفرنسي الكبير مكسيم رودنسون:
ـ تركزت بؤرة الصورة التي شكلتها أوروبا عن الإسلام وبصورة حادة، في القرن الحادي عشر للميلاد.
ـ (بدء الحروب الصليبية)
يعلق الأستاذ لوكمان مؤلف كتابنا فيقول:
ـ تلك كانت الفترة التي شعرت فيها أوروبا بأنها مشتتة. كانت بحاجة إلى ما يوحد صفوفها واستطاعت فيها بابوية روما (الفاتيكان) أن تفرض سيطرتها الدينية بل والسياسية (وكان عليها أن تستغل هذه السيطرة على رعاياها) لكن أوروبا في تلك الفترة واجهت مشاكل ازدياد سكانها بعد أن غزتها وسكنتها قبائل وثنية بربرية مثل الماغيار والنورمانديين.
وبدأت القارة تعيش حياة اقتصادية متسارعة الوتيرة وتتسع تجارتها في القرى والمدن واقتضى ذلك المزيد من هذا التوسع لإشباع احتياجات متصاعدة لسكان متزايدين..
على الجانب المقابل من الصورة ـ يواصل مؤلفنا التحليل ـ في الشرق كان ملوك بيزنطة يستصرخون أهل أوروبا طلبا لمساعدتهم إزاء مد إسلامي كان يهدد عاصمتهم القسطنطينية ـ وفي الشرق أيضا كان المماليك السلاجقة قد أحكموا قبضتهم على فلسطين بعد أن رسخوا دعائم دولتهم في مصر وهددوا من ثم بإعاقة وصول الحجاج المسيحيين إلى الأراضي المقدسة في فلسطين.
وفي كل حال، وفي ضوء محصلة جمعت كل هذه الظروف السكانية والاقتصادية والتجارية، فضلا عن الطموحات الشخصية لملوك وأمراء وباباوات وفرسان إقطاعيين..
أعلن البابا أوربان الثاني في عام 1095 للميلاد أنه استجاب لصيحة استغاثة من عاهل بيزنطة ودعا إلى تعبئة جيوش أوروبا في الغرب لمقاتلة «أعداء الله» في الشرق.. و.. هكذا اندلعت الحروب الصليبية التي قدر لها أن تزيد من روح العداء بين الشرق والغرب على مدار قرون من عمر الزمان.
إما لأن التاريخ له منطق خاص.. أو لأن الأحداث تسفر في الغالب الأعم عما يصفه أهل الإستراتيجية بأنه «النتائج غير المحسوبة أو غير المتوقعة أو غير المستهدفة» فقد كان لهذه الحروب الصليبية أثرها في إذكاء الرغبة في معرفة المزيد عن الشرق وخاصة عن سكانه من المسلمين. منهم من بذل جهوده في هذا المضمار تحت شعار «معرفة العدو» ومنهم من كانت تحدوه روح البحث المعرفي للإحاطة عن «الآخر».
وفي كل حال فقد أنتجت أوروبا أول ترجمة للقرآن الكريم إلى اللاتينية في عام 1143 وكان المترجم مثقفا انجليزيا اسمه روبرت الكيتوني. وقبل هذه الفترة بسنوات قليلة كان الأسباني بدرو دي ألفونسو قد بدأ في نشر أول دراسة عن «حياة محمد» (صلى الله عليه وسلم) عرض في سياقها لتعاليم الإسلام وتاريخ العقيدة المحمدية.
يعترف مؤلفنا بأن مثل هذه المحاولات السابقة شابها كثير من التحامل والأخطاء.. بعضها يرجع إلى مجرد الجهل بالموضوع، وبعضها يرجع إلى سوء المقصد والنيّة وبعضها ـ يا للعجب! ـ كان بهدف تكريه أهل أوروبا في الإسلام وفي سيرة رسوله الكريم خوفا من أن «تنجذب قطاعات من شعوبها إلى حيث التحول إلى هذا الدين».
يتوقف مؤلف كتابنا عند هذا الجانب الذي خلعنا عليه وصف «الطريف» فيقول (ص 30):
ـ كانت الهجمات التي شهدتها تلك الفترة الباكرة ضد الإسلام سبيلا إلى ترسيخ انصياع المسيحيين الأوروبيين لتعاليم الدين ورجال الدين وكانت أقرب ما تكون إلى ما شهدته فترة الحرب الباردة (في النصف الثاني من القرن العشرين) من إدانات وتشويهات تعرضت لها النظم الرأسمالية في الغرب (على يد الدعايات الشيوعية)
وأدت هذه الدعايات التي كرست التخويف من (العدو الخارجي) الرأسمالي المتربص على الحدود إلى تسهيل إمساك النظم الشيوعية بمقاليد الحكم في الاتحاد السوفييتي وتوابعه في شرق أوروبا بما في ذلك قهر المعارضة وإسكات أي أصوات منشقة في الداخل فيما أدت على مستوى الولايات المتحدة إلى تصاعد قوى اليمين الرجعية الباطشة (المكارثية مثلا وإرهابها الفكري ضد المبدعين المثقفين)
حيث كان تجسيم الخطر المزعوم التي كانت تمثله «الشيوعية الدولية» مما سهّل بدوره على تلك القوى الرجعية أن تستخدم عملاءها السريين من أجل عزل وتشويه وقهر عناصر اليسار المستنير الذين وصفتهم في عقدي الخمسينات والستينات بأنهم الأعداء الداخليون.
بهذا يصل بنا المؤلف عند ختام هذا الفصل الاستهلالي من الكتاب يحدثنا في صفحات الفصل الختامية عن الشراكة الثقافية التي جمعت وتجمع بين كل من أوروبا والعرب المسلمين ضمن إطار تراثي موحد ومن ثم يحدثنا عما يصفه بأنه «صور الإسلام» في ذهنية الآخر حيث إن المنصفين من مثقفي الغرب ظلوا،
وبعضهم لا يزالون ـ يعترفون بفضل التراث الإسلامي بكل ما يحفل به من علم ومنطق وبحث وتكنولوجيا على الحياة والثقافة في أوروبا يقول الأستاذ لوكمان:
ـ كانت الترجمات من اللغة العربية هي نصوص الكتب المقررة المعتمدة في كل أنحاء أوروبا طيلة العصر الوسيط سواء في مجالات الطب أو الرياضيات أو الفلك أو في غيرها من العلوم والتخصصات،
بل كانت كتابات الفيلسوف المسلم ابن رشد (المتوفى عام 1198) والمعروف لدى الغرب بعامة تحت اسم (أفيروس) موضع إقبال وشغف شديدين وكانت موضعا لحوارات ومناقشات شاركت فيها أجيال من بعد أجيال من فلاسفة أوروبا ورجال الدين على صعيدها..
وليس أدل على هذا التأثير العربي ـ الإسلامي من ثروة المصطلحات والتعابير العلمية والفنية التي وجدت طريقها من اللغة والعلوم العربية إلى متون اللغات والتخصصات الأوروبية وهي مصطلحات من قبيل:
ـ الكيمياء.. الكحول.. الجبر.. اللوغاريتمات (الخوارزميات) القلويات وغيرها.
حكاية صلاح الدين
مع ذلك تشاء مفارقات الأحداث ألا تكون الشخصية الأهم ذات التأثير والاعتبار في الذهنية الأوروبية وفي الوجدان الغربي هي شخصية عالم رياضيات ولا شخصية كيميائي ولا حتى فيلسوف بل تكون هذه الشخصية قد حفرت اسمها المتميز في التاريخ:
ـ صلاح الدين كما تعرفه أدبيات الغرب أو الناصر صلاح الدين الأيوبي كما يعرفه تاريخ العرب وحوليات المسلمين.
يقول المؤلف:
ـ رغم أن صلاح الدين كان عدو الصليبين باعتباره الرجل الذي طردهم من بيت المقدس في عام 1177 إلا أن صورته في الآداب والإبداعات والمرددات الشعبية (الفلكلورية) في كل أنحاء الغرب الأوروبي ترسمه في صورة فارس.. شهم، مقدام، إنساني النزعة ويجمع بين روح العدل ورحابة الحكمة.
والأعجب من هذا كله يشير المؤلف (ص 32) إلى أن أهل أوروبا والغرب استكثروا كل هذه المناقب على قائد مسلم تقي ورع، وفي هذا يقول المستشرق الفرنسي رودنسون: «هذه الصورة للفارس الكامل الأوصاف لم تكن لتفوت على تصورات الأوروبيين الذين اختاروا (واهمين بالطبع) أن يلحقوه بعقيدتهم
حين روجوا حكايات وأساطير من نسج خيالهم تقول بأن أم صلاح الدين المسلمة (الكردية طبعا) لم تكن سوى أميرة مسيحية ـ بل إن صلاح الدين نفسه تحول إلى تلك الديانة وهو على فراش الاحتضار!.
وكان طبيعيا أن يختار الشاعر الإيطالي دانتي موضعا هينا ولطيفاً(!) ولو بشكل نسبي ليحل فيه صلاح الدين في أركان الجحيم (إنفيرنو) ضمن ملحمته الشهيرة بعنوان «الكوميديا الإلهية».. صحيح أن المكان يحمل اسم الجحيم..
لكن صلاح الدين كان ينعم فيه بقدر لا يستهان به من الدعة أو الارتياح هل نقول مكيفا؟ ـ إذ كان بصحبة فلاسفة وحكماء كبار تفخر بهم البشرية في قامة سقراط وابن سينا وفي حجم أفلاطون وابن رشد وأرسطو حسبما ذهبت إليه أوهام دانتي.
يخلص المؤلف عند نهاية فصل التمهيدي الأول إلى أن صورة الإسلام عند الغرب ما برحت هي صورة «الآخر» أو أنها إحدى تجليات هذه الصورة وهو يقول: إن الغرب الأوروبي رأى هذا الآخر في أهل الصين والهند ولكنهم بعيدون عن أوروبا.. بل ورأى الغرب المسيحي هذا الآخر» في يهود أوروبا أنفسهم لكنه ظل يخضعهم لسطوته ويبعدهم داخل معازل اليهود (الجيتو).
عرض ومناقشة: محمد الخولي



