في هذه الحلقة نجد اعترافاً إسرائيلياً مباشراً بالمسؤولية عن مشكلة اللاجئين وإن كنا لا نحتاج تأكيداً لهذه الحقيقة، إلا أن الاعتراف وعبر كاتب إسرائيلي ومن خلال قيادات رسمية يشكل حجة قوية على أن الحل يجب أن يبدأ من إسرائيل.
فهي سواء كانت مسؤولة عن ترحيل اللاجئين بشكل مباشر عن طريق نقلهم إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن، أو بشكل غير مباشر عن طريق سياسة التخويف أو تسهيل خروجهم، إلا أنها تبقى المسؤول الأول عما حدث لهؤلاء اللاجئين سواء في عام 1948أو 1967.
لكن هذه المسؤولية يجب ألا تعمي أحداً عن الواقع، فمهما كان هذا الواقع صعباً يجب أن يُرى دون رغبات وآمال، فالحل العادل هو إعادة اللاجئين إلى الأماكن التي خرجوا منها، لكن الحل السلمي يختلف عن الحل العادل.
وسياسة الممكن هي التي ستحل هذه المشكلة، فما كان مطروحاً في أعقاب حرب 1967 وعبّر عنه وزير الداخلية الإسرائيلي حاييم موشي كما جاء في الكتاب من استيعاب 200 ألف لاجئ في إسرائيل، لم يعد مطروحاً الآن.
ظلت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين تشكل مصدر قلق للقادة الإسرائيليين، الذين رفضوا الاعتراف علانية بمسؤوليتهم عن إيجاد هذه المشكلة، بالرغم من أن بن غوريون قد اعترف بمسؤولية إسرائيل عن مأساة اللاجئين عندما اقترحت حكومته عام 1949، إعادة مئة ألف لاجئ كجزء من التسوية.
لكن هذا الاقتراح لم يطبق بسبب تراجع إسرائيل خوفاً من عودة اللاجئين إلى بيوتهم، ومطالبة المجتمع الدولي بإعادة آلاف أخرى من اللاجئين بالاستناد إلى أن الأرض تتسع للمزيد من السكان.
لاجئو قطاع غزة، بشكل خاص، شكلوا المعضلة الأكبر لليفي أشكول حتى قبل حرب الأيام الستة، حيث أبدى أشكول قبل الحرب بعامين علامات قلق من تفجر الأوضاع في قطاع غزة، عندما وجه السؤال التالي لرئيس هيئة الأركان اسحق رابين «ماذا لو سمح المصريون ذات يوم للاجئين بالتوجه نحو الحدود مع إسرائيل؟».
فرد عليه رابين «إنهم لن يفعلوا ذلك، ولو فعلوا، فإن جيش الدفاع سيقتل المئة الأوائل من هؤلاء اللاجئين، مما سيدفع بالباقين للعودة إلى غزة».
بعد أن وضعت الحرب أوزارها، أدرك الإسرائيليون فداحة مشكلة اللاجئين، وضرورة التوجه بسرعة لحل هذه المشكلة، حيث كتب عاموس أيلون بعد أسبوع من الحرب في صحيفة هآرتس «نحن نتحمل المسؤولية الأخلاقية إزاء القيام بهذا العمل. لقد دفع اللاجئون ثمن استقلال إسرائيل بأجسادهم وممتلكاتهم».
هذه الأقوال شكلت صدمة في إسرائيل، لأن الرأي السائد آنذاك آمن بأن إسرائيل لم تطرد اللاجئين، بل هي دعتهم للبقاء في بيوتهم في بعض الحالات، وأقوال أيلون جاءت بخلاف ذلك لتكشف حقيقة المسألة.
لكن بعد الحرب، ساد توجه لدى القيادة الإسرائيلية بضرورة العمل بشكل فوري وسريع وأحادي الجانب لإيجاد حلول لمشكلة اللاجئين، بغض النظر عن مصير المناطق المحتلة، التي لم تكن إسرائيل قد حسمت مصيرها فيها بعد، لذلك استمرت القيادة الإسرائيلية في بحث الحلول الممكنة لمشكلة اللاجئين بشكل سريع، مما أدى لبروز اقتراحات متعارضة ومتعددة لحل هذه المشكلة.
أحد المسؤولين اقترح الشروع في حل مشكلة اللاجئين لاعتقاده أن ذلك سيعزز حق إسرائيل الأخلاقي للتمسك بالضفة الغربية. وفي سياق آخر، حث سفير إسرائيل في كندا الحكومة على إنشاء مشروع صناعي وبجانبه مشروع إسكان شعبي لاستيعاب اللاجئين، لأن هذه الخطوة ستنطوي على فائدة إعلامية كبيرة لإسرائيل.
وفي الإطار ذاته، تقدمت شخصيات ومنظمات يهودية في الولايات المتحدة باقتراحات لتأهيل اللاجئين وترميم المخيمات، ومن بين الذين تقدموا بهذه العروض اللورد أدموند روتشيلد والبنك الدولي.
وقد نقل السفير الإسرائيلي في واشنطن لليفي أشكول تقريراً تحدث عن رغبة الإدارة الأميركية في أن تتخذ الحكومة الإسرائيلية مبادرة لإنشاء مشاريع بهدف تأهيل اللاجئين.
وخلال جلسة الحكومة الإسرائيلية، التي انعقدت بعد الحرب بأيام، وضعت على طاولة الحكومة عدة مقترحات لحل مشكلة اللاجئين، فقد اقترح وزير الداخلية حاييم موشي استيعاب 200 ألف لاجئ في إسرائيل.
وبالرغم من أن ذلك سيؤدي إلى زيادة نسبة العرب في إسرائيل، إلا أن الوزير استدرك قائلاً «الأمر ليس بالشيء الفظيع، فمن أجل الحفاظ على أغلبية يهودية، ينبغي العمل على تشجيع الهجرة وفعل شيء ما إزاء قضية الولادة».
وزير الشرطة الياهو ساسون، طرح تصوراً آخر يقول بأن اللاجئين هم أصل المشكلة، مقدماً اقتراحين، الأول إقامة دولة فلسطينية أو حكم ذاتي، والاقتراح الثاني ينص على توطين لاجئي قطاع غزة في مدينة العريش وقسم آخر منهم في الضفة الغربية.
هذه الاقتراحات لم ترق لليفي أشكول، لكنه أعجب باقتراح الوزير زئيف شيرف، الذي نص على الشروع بمفاوضات مع دول أجنبية بهدف توطين اللاجئين هناك، وعلق أشكول على الاقتراح بالقول إنه حدثت عمليات تبادل للسكان عبر التاريخ، مضيفاً «إننا قبلنا 100 ألف يهودي من العراق، فليقبلوا هم أيضاً 100 ألف عربي، إنها اللغة نفسها والمستوى نفسه».
وقد كان أشكول يردد كثيراً فكرة توطين اللاجئين في دولة عربية أو أجنبية، متأثراً بتجربة توطين اللاجئين من آسيا الوسطى في اليونان، وقد زار أشكول اليونان قبل حرب 1967، للاطلاع على هذه التجربة بهدف تطبيقها على اللاجئين الفلسطينيين.
ولتجنب الخلافات بين أعضائها، خرجت الحكومة بقرار عام حول هذا الموضوع، جاء فيه «إن تحقيق السلام في الشرق الأوسط والتعاون المشترك الملازم له سوف يفتح نوافذ الأمل أمام تسوية إقليمية لحل مشكلة اللاجئين».
مصير مجهول
وضمن الخطط والتصورات لحل مشكلة اللاجئين، استدعى رئيس الوزراء، رئيس قسم الاستيطان في الوكالة اليهودية، رعنان فايتس، طالباً منه طرح تصورات لحل المشكلة.
وبالفعل استجاب فايتس لرغبة أشكول وأعد خطة مفصلة لحل مشكلة اللاجئين في قطاع غزة، عبر توطين قسم منهم في منطقة أريحا، ونقل 50 ألف إلى منطقة العريش التي كانت آنذاك تحت السيطرة الإسرائيلية، هذا الاقتراح طورته مجموعة من الاقتصاديين، الذين قاموا بوضع خطة مفصلة لحل مشكلة اللاجئين.
تنص على نقل 40 ألف عائلة لاجئة من قطاع غزة إلى الضفة الغربية في غضون عشرة أعوام، بكلفة سنوية تقدر بـ 50 مليون دولار تشمل توفير السكن والعمل وبناء شبكة طرق ومدارس ومستشفيات بالإضافة إلى تقديم حوالي 20 ألف ليرة (إسرائيلية) لكل عائلة.
وفي حال تطبيق هذا المشروع، فإنه سيحدث زخماً اقتصادياً في إسرائيل والضفة الغربية، بالإضافة إلى أن هذه الخطة لن تثقل كاهل الحكومة اقتصادياً. وقد أحيط هذا المشروع بالسرية، لأنه يشكل برهاناً على عدم وجود صعوبات اقتصادية إزاء توطين اللاجئين في الضفة الغربية، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل.
وفي سياق ذي صلة، تشاور ليفي أشكول حول الوضع السكاني للاجئين في قطاع غزة، مع كل من روبرت باكي، مدير دائرة الإحصاء المركزية، وأريه دبوتسكي، أستاذ الرياضيات في الجامعة العبرية.
وقدم باكي استعراضاً للوضع السكاني المقلق في أوساط لاجئي قطاع غزة، عبّر خلاله عن قلقه من انخفاض نسبة وفيات الأطفال، وقال لأشكول ان المشكلة الرئيسية هي أن «نسبة الوفيات في صفوف الأطفال في قطاع غزة قد تنخفض إذا بقينا رحماء طيلة الوقت مع الفلسطينيين».
كما تجلى الخوف من الخطر السكاني الفلسطيني بعدما أكد باكي على أن 50% من سكان قطاع غزة هم من الشباب دون سن الخامسة عشرة، الأمر الذي جعل أشكول يشعر بالصدمة.
مما دفع باكي لتقديم اقتراح تقوم إسرائيل بموجبه بعملية إشراف ورقابة على الوحدة العائلية الفلسطينية بهدف تخفيض نسبة المواليد. لكن الأمل الرئيسي لدى أشكول الموساد يشتري جوازات سفر لاتينية لتوزيعها على الفلسطينيين
هو قيام اللاجئين الذين سيتم نقلهم إلى الضفة الغربية بالمغادرة إلى الأردن أو أي دولة أخرى. وفي نهاية النقاش، قال أشكول «انني أريد الآن إظهار عواطفي، أولاً أنا لا أدري ماذا أريد. ثانياً كنت أرغب بفعل شيء». وهنا يمكن القول انه لا توجد عبارات أفضل من تلك لوصف توجهات أشكول الأساسية والتي تبدو متخبطة في كل زمان ومجال تقريباً.
فعلى سبيل المثال، لم يكن أشكول واثقاً إن كان من الأهمية بمكان المبادرة لفعل شيء ما لأجل اللاجئين، حيث قال «ربما الأجدى لنا الانتظار حتى تقوم دولة أخرى، أو أي منظمة كبرى بفعل ذلك. ربما علينا الانتظار إلى أن يتم التوصل لاتفاقية سلام، أو حتى قيام حرب جديدة».
وهنا، اقترح باكي عدم الاعتماد على فكرة إمكانية هجرة عرب غزة طواعية وبإرادتهم. فسأله أشكول، وماذا عن ليبيا، فهي بلد هجرة. فأجابه باكي بأنه ليس بالإمكان القيام بعملية طرد، وإنما تشجيع الهجرة فقط. لكن أشكول لم يتنازل عن موقفه، وبقي يتحدث عن هجرة سكان المخيمات، وقال ضاحكاً، إن حل المشكلة قد يكون عبر حرب أيام ستة أخرى.
لكن باكي ودبوتسكي كثفا جهودهما لإقناع أشكول بأن الضفة الغربية تقدم حلاً للمشكلة، أي أنه بالإمكان توطينهم في غور الأردن. واقترح دبوتسكي نقل لاجئي قطاع غزة إلى المنازل التي أخلاها اللاجئون الجدد بعد حرب ال67.
موضحاً لأشكول مدى فائدة هذا الأمر قائلاً:«طالما أن لاجئي غزة يستولون على المنازل التي أخلاها سكان الضفة مؤخراً، فإن إمكانية عودة لاجئي الضفة الغربية ستقل.
بالإضافة إلى أن هذا الأمر سيؤدي إلى حدوث نزاعات داخلية في أوساط السكان لعدم رغبتهم في استضافة سكان آخرين في مناطقهم. وبهذه الطريقة سيتم التخلص من الفائض السكاني في قطاع غزة، ونحول دون عودة اللاجئين إلى الضفة الغربية».
وتعود رغبة باكي ودبوتسكي في نقل لاجئي قطاع غزة إلى الضفة الغربية، إلى قناعتهم بأن إسرائيل ستنسحب من الضفة الغربية وإلى رفضهم فكرة توطين اللاجئين في منطقة العريش، لأن العريش منطقة مصرية.
وسيبقى يحمل هؤلاء اسم «اللاجئين الفلسطينيين» في حين أن توطينهم في الضفة الغربية سيذيبهم في وسط السكان. لكن أشكول أكد لهم بأن وزارة الدفاع لا تعتزم الانسحاب أو إعادة الضفة الغربية إلى الأردن، كما أنه أبدى عدم قناعته بأفكار توطين اللاجئين سواء في الضفة الغربية أو العريش.
ولم يكن أشكول الوحيد الذي عارض خطط توطين اللاجئين في الضفة الغربية، حيث قوبلت هذه المقترحات بمعارضة شديدة من قبل مناحيم بيغن الذي خصص الضفة الغربية لاستيطان اليهود فقط. وتجدر الإشارة هنا، إلى أنها مبادرة توطين اللاجئين شكلت بين الحين والآخر موضوعاً للتسريبات الصحافية وللتناطح الشخصي بين الوزراء.
تشجيع الهجرة
واكب الحركة الصهيونية منذ نشأتها تطلع لنقل العرب القاطنين في البلاد إلى دول أخرى، حيث قامت إسرائيل بالعديد من المحاولات لتشجيع هجرة عرب إسرائيل إلى دول أميركا اللاتينية.
وخلال حملة العدوان الثلاثي المسماة «كاديش» عام 1956 واحتلال قطاع غزة، خصص ليفي أشكول الذي كان يشغل منصب وزير المالية، مبلغ نصف مليون دولار لتمويل هجرة 200 عائلة من اللاجئين الفلسطينيين في القطاع ومن عرب إسرائيل، خاصة المسيحيين والأغنياء منهم. وقد كان عزرا ديشن مسؤولاً عن هذه العملية.
وفي عام 1962، أبتكر عزرا فكرة جديدة لغرض تهجير الفلسطينيين أطلق عليها اسم «عملية هبوعيل»، التي هدفت إلى تشجيع هجرة اللاجئين الفلسطينيين باتجاه ألمانيا الغربية، التي كانت بحاجة ماسة للعمالة الأجنبية، وعملت إسرائيل على تحقيق ذلك من خلال النقابات المهنية في ألمانيا.
خاصة أن الحكومة الإسرائيلية عملت على إقناع الجانب الألماني بهذه الفكرة من خلال التلميح لهم بأن ألمانيا في نظر العرب مسؤولة بشكل ما عن إقامة دولة إسرائيل جراء ما ارتكبته النازية بحق اليهود الذين أخذوا يهاجرون إلى فلسطين مشكلين النواة الأولى للاستيطان اليهودي هناك.
وتكفيراً عن هذا الذنب، عليها أن تبادر إلى تأهيل اللاجئين الذين ساهمت هي في خلق مشكلتهم في أعقاب حل مشكلة اليهود الذين عانوا من النازية.
وفي أعقاب حرب الأيام الستة، ظهرت عدة اقتراحات لتهجير اللاجئين الفلسطينيين لدول بعيدة، وكان جزء كبير من هذه العمليات محاطاً بالسرية، ولكثرة الجهود الإسرائيلية والمشاريع المتنوعة لتشجيع الفلسطينيين على الهجرة، أصدر ليفي أشكول أوامره بتنسيق هذه الجهود وعيّن عدنا سيراني كمسؤولة عن تركيز جميع الجهود الخاصة بتشجيع سكان قطاع غزة على الهجرة.
وقد عينت سيراني في هذا المنصب بسبب خبرتها في العمل السري، وعملها السابق في مجال إخراج اليهود من الاتحاد السوفييتي ناهيك عن دورها في قيادة التنظيم اليهودي في إيطاليا إبان فترة الأربعينيات واقتراحاتها الخاصة بتهجير الفلسطينيين إلى ليبيا مستغلةً علاقاتها الواسعة مع الحكومة الإيطالية التي كانت لا تزال تحتل ليبيا آنذاك.
في بداية عمل سيراني لمهمة تنسيق جهود تهجير الفلسطينيين، كانت على قناعة أنه بالإمكان إخلاء أربعين ألف عائلة إلى الأردن في غضون عامين، وذلك انطلاقاً من فرضية أنهم سيقبلون بالخروج مقابل ألف ليرة للعائلة الواحدة، أي أن إسرائيل ستحتاج إلى أقل من عشرة ملايين دولار لاستكمال العملية. لكن ليفي أشكول تردد في تمويل هذه الخطة بسبب عدم قناعته بإمكانية نجاحها.
ومن ضمن العمليات التي أشرفت عليها سيراني، يبرز النشاط الذي قامت به خلية مكونة من خمسين شخصا، في قطاع غزة عام 1968، بهدف تشجيع الفلسطينيين على الهجرة، مقابل المال. وقد كانت هذه العملية مهمة ومعقدة للغاية، حيث اشترك في إدارتها كل من الحكم العسكري وجهاز الشاباك، وشموئيل طولدينو، مستشار أشكول للشؤون العربية.
وخلال فترة هذه العملية، غادر الآلاف قطاع غزة، من دون قيام إسرائيل بتشجيعهم على فعل ذلك، ودون الحاجة لدفع الأموال لهم. لكن رئيس الوزراء أعرب عن قلقه من كون معظم المغادرين من الشباب، في حين بقيت الفتيات في القطاع. وقد وصف أشكول هذه الحقيقة بالمشكلة العويصة لإسرائيل، مقترحاً فتح مكتب وساطات للزواج، يقدم الأموال لمن يعمل على إخراج البنات من القطاع.
وقد نوقشت عدة أفكار حول هذا الموضوع في جلسة للوزراء ومستشاري رئيس الحكومة. حيث تحدث مستشار أشكول للشؤون العربية، عن وجود ألف جواز سفر لدولة أجنبية في حوزته، يمكن توزيعها على سكان غزة وعرب إسرائيل الراغبين بالمغادرة. وفي أعقاب نقاش هذه الفكرة، اتضح أنه تم شراء هذه الجوازات من أحد وزراء داخلية إحدى دول أميركا اللاتينية.
لكن هذه الفكرة لم تثر حماسة الوزراء، ولم يكن ليفي أشكول واثقاً من جدية هذا الطرح وفاعليته في حل مشكلة عرب إسرائيل ولاجئي قطاع غزة. وفي إطار المناقشات، طرح أشكول فكرة تجنيد العرب في الجيش الإسرائيلي لحث عرب إسرائيل على المغادرة، وقال: «إننا لو أرغمنا عرب إسرائيل على الانخراط في صفوف الجيش لغادروا البلاد».
وضمن الجهود الإسرائيلية لحث الفلسطينيين على المغادرة، أقام الحكم العسكري الكثير من «مكاتب الهجرة»، وقد كان هذا المشروع سرياً، إلا أن السفارة الأميركية والصليب الأحمر الدولي كانا على علم به، فقد أرسل مندوب الصليب الأحمر في غزة، شاباً فلسطينياً إلى أحد وكلاء سفريات «عدنا سيراني»، لاستطلاع الأمر وكشف الحقيقة.
وعاد الشاب مع العرض التالي «500 ليرة لكل شخص يغادر قطاع غزة برفقة زوجته أو أمه». وتحدثت تقارير السفارة الأميركية أن عملاء الموساد قاموا الى المخاتير وطلبوا منهم الحصول على معلومات بشأن العائلات المجزأة.
وبعد ثلاثة أشهر من عملها، أبلغت سيراني رئيس الوزراء أنه قد خرج من قطاع غزة خلال هذه الفترة خمسة عشر ألف شخص، في حين قالت تقديرات أخرى أن العدد يصل لحوالي خمسين ألف شخص.
أما الجيش الإسرائيلي فقال إن معطيات الجسور تشير إلى أن المغادرين من القطاع والضفة الغربية يصل عددهم ما بين 220 إلى 250 ألف شخص.
وكان من الصعب معرفة عدد الذين هاجروا جراء جهود سيراني، خاصة أن موشي ديان قدم دراسات إلى رئيس الوزراء تشير إلى وجود عدة أسباب دفعت بالفلسطينيين للهجرة، مثل البطالة والالتحاق بالعائلة والدراسة.
للموساد دور
وبعيداً عن جهود سيراني، فقد عملت وزارة الخارجية بالتنسيق مع جهاز الموساد على تشجيع هجرة اللاجئين إلى البرازيل ودول أخرى في أميركا الجنوبية. وقد طلب ليفي أشكول من سفير إسرائيل في البرازيل إبداء رأيه في الموضوع.
وكان رأي السفير أنه توجد إمكانية لتهجير بضعة آلاف للبرازيل. كما حث مندوبو إسرائيل في الولايات المتحدة واشنطن على دعم سياسة «الترانسفير» من خلال إجراء عدة اتصالات مع منظمة «إيسام» التي تعنى باللاجئين على مستوى العالم.
حيث قاد أحد أعضاء البعثة الإسرائيلية في الأمم المتحدة ويدعى «مردخاي قدرون» هذه الحملة، مؤكداً أن هذه المنظمة التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية لمعالجة مشكلة لاجئي الحرب في أوروبا، أخذت تفقد مبرر وجودها شيئاً فشيئاً.
وأخذت تناضل لأجل استمرار عملها، وبهذا يكون اللاجئون الفلسطينيون بمثابة فرصة لاستمرار عمل المنظمة من خلال بحثها عن مكان لتوطينهم بما يعني أن «قدرون» كان يؤمن بحاجة المنظمة إلى مهاجرين لتستمر في عملها، والفلسطينيون الآن هم مادة هذا العمل.
خطط توطين اللاجئين الفلسطينيين في دول بعيدة، حصلت على دعم جهة غير متوقعة عندما تبنى السيناتور الأميركي، إدوارد كندي خطة تقضي بتوزيع 200 ألف لاجئ فلسطيني في عشرة أماكن مختلفة في العالم.
ومن بينها الولايات المتحدة، التي اقترح كندي أن يوطن فيها ما بين 25 ـ 05 ألف شخص. كما تقدم السيناتور يعقوب يعيش، بخطة لتأهيل اللاجئين. وبعث القنصل الإسرائيلي في نيويورك بدعم يتضمن وعداً من الكنيسة اللوثرية بتقديم الدعم لتلك الخطة.
وأضاف أنه تلقى أنباء سارة من أستراليا بهذا الشأن. إلا أنه وبالرغم من كل الجهود، فإن معظم اللاجئين لم يغادروا غزة مقابل المال. ولم تكن هناك إمكانية لتنفيذ عملية إبعاد جماعي حيث أن أعين الدبلوماسيين والإعلام كانت مفتوحة طيلة الوقت.
لكن شائعات سُربت بين الحين والآخر تحدثت عن أعمال وحشية مبرمجة تقوم بها إسرائيل لتشجيع السكان على الهجرة وطردهم من أماكن سكناهم. ففي ديسمبر 1967، أكدت القنصلية البريطانية في القدس على خبر كانت صحيفة «التايمز» قد نشرته سابقاً، جاء فيه أنه تم إرغام 200 بدوي من عشيرة النصيرات على اجتياز نهر الأردن صوب الضفة الشرقية.
وفي تقرير عن احدى المداولات الداخلية، قال موشي ديان «هناك موافقة على مواصلة إتباع سياسة فرض حظر التجول، وعمليات الاعتقال وحملات الهدم في أعقاب العمليات الفدائية المعادية، كاحدى الوسائل المشجعة للهجرة».
إلى جانب ذلك تم طرح أفكار أخرى تهدف بشكل رئيسي للتضييق على الفلسطينيين ودفعهم بمحض إرادتهم للهجرة، ومن بين تلك الأفكار شراء أراض وبيارات في غزة لتوطين اليهود فيها .
وفتح حوانيت خاصة بهم مما سيجعل وجودهم يشكل ضائقة للسكان الفلسطينيين، وترافق هذا الاقتراح مع طريقة عملية للتنفيذ، خاصة أن إسرائيل كانت تعلم عدم جدوى شراء الأراضي، إذ أنها حاولت ذلك أثناء فترة الانتداب البريطاني .
ولم تستطع شراء أكثر من 2% من أراضي فلسطين، لذلك كان الحل أو الطريقة العملية التي اقترحها أشكول هي فتح بنك للقروض السكنية يتيح للفلسطينيين الاقتراض، ولأن الأوضاع الاقتصادية كانت سيئة بشكل عام، فإن المقترض سيعجز عن السداد وبهذا تتم مصادرة أرضه، وبالفعل تبنت عيدنا سيراني هذه الخطة التي لم يكشف للآن عن نتائجها الفعلية.
ويختتم سيغف هذا الجزء بالتعليق التالي :«معظم الفلسطينيين الذين غادروا الضفة الغربية وقطاع غزة، لم يرغموا على ذلك بالقوة. وفي المقابل، لم يسمح للاجئين بالعودة.
حيث حاول المئات منهم التسلل والعودة، إلا أن إسرائيل طردت بعضهم وقامت بإطلاق النار وقتلت آخرين. وقد صرح رئيس هيئة الأركان، إسحاق رابين، أنه تم قتل 146 شخصاً حاولوا اجتياز نهر الأردن خلال الأشهر الثلاثة الأولى على انتهاء الحرب، وأعتقل خلال هذه الفترة ألف شخص وطردوا إلى الأردن».
ومهما حاولت إسرائيل، فإنها لن تستطيع الهروب من مسؤوليتها تجاه اللاجئين الفلسطينيين، فليس من السهل أبداً شرح كيف استطاع 600 ألف يهودي تواجدوا في فلسطين قبل عام 1948 استيعاب مليون مهاجر جديد من مختلف أنحاء العالم خلال أقل من عشرين عاماً.
وخلال ذات المدة تم إنشاء مئات القرى الجديدة، داخل الخط الأخضر، وبالمقابل، لم تتمكن إسرائيل من استيعاب اللاجئين وأخذت تبحث عن بدائل لتوطينهم سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة أو خارج حدود فلسطين بأكملها، في العريش والعراق، وليبيا ودول العالم بأجمعه.
صعوبة شرح ذلك وعدم القدرة على إبداء أي تفسير منطقي، يتفق مع ما عبر عنه عيزرا فايتسمان في مذكراته لاحقاً حينما قال «تقصيرنا إزاء اللاجئين كان مؤلماً وضاراً، وربما لا يقل أهمية عن تقصيرنا الاستخباري عشية حرب يوم الغفران عام 1973».