المؤلف في هذه الحلقة التمييز الذي كان يعاني منه اليهود من أصل شرقي «السفارديم» من قبل الدولة العبرية التي كان الاشكيناز يسيطرون على مقاليد الأمور فيها. فقد أبدى الاشكيناز تخوفهم من ضياع الطابع الأوروبي لإسرائيل واصطباغها بالصبغة الشرقية، ولذلك حرصوا على تقريب اليهود الشرقيين من الثقافة الغربية وإذابتهم فيها وتشجيع هجرة اليهود من أوروبا للحفاظ على هيمنة الاشكيناز على المناصب الرفيعة في الحكومة الإسرائيلية.

يفرد المؤلف كذلك جانباً كبيراً من هذه الحلقة للحديث عن الإجراءات التي قامت بها إسرائيل من أجل تهجير الفلسطينيين عن قراهم ومدنهم خلال حرب يونيو 1967، والخطط التي كانت موضوعة منذ البداية لتهجير لاجئي غزة وضم الضفة الغربية إلى إسرائيل.

الطابع الاشكينازي لإسرائيل والذي استمر حتى منتصف الستينات بدأ يتغير تدريجياً مع وصول المهاجرين الجدد من الدول العربية، وشيئاً فشيئاً أصبح السفارديم رقماً لا يمكن تجاهله، وعلى الرغم من ذلك استمرت المؤسسات الرسمية في تمييزها ضدهم، واستمر الاشكيناز في تجاهلهم لهؤلاء القادمين من الشرق.

ولمواجهة ذلك قام عدد من الطلاب المهاجرين من الشمال الأفريقي بإنشاء حركة جديدة بهدف العمل على تحسين صورة اليهود الشرقيين وإلغاء شعور الاشكيناز بالغربة تجاه السفارديم، وعملت هذه الحركة تحت اسم «عوديد».

قامت حركة «عوديد» بنشاطات مختلفة دفعت الدولة والصحافة لدعمها إلا أن سفارة الولايات المتحدة في إسرائيل، كانت الطرف الواقعي والذي يكاد يكون الوحيد، الذي عبّر عن عدم تفاؤله في نجاح جهود الحركة، إذ أن الأساس في نجاح أهدافها هو القضاء على الفوارق بين الشرقيين والاشكيناز وهو الأمر الذي لم يحدث، حيث بقي القادمون من الشمال الأفريقي بشكل خاص والشرقيون بشكل عام على هامش المجتمع كمراقبين سلبيين، وهذا ما عززته المؤسسة الاشكينازية.

لقد اعترف كثير من الإسرائيليين بوجود هذا التمييز بين الطوائف، وأعرب الاشكيناز بشكل صريح عن خشيتهم من إفساد الثقافة الإسرائيلية نتيجة دخول العنصر الشرقي لها، وهو الخوف الذي رافق إسرائيل منذ الأيام الأولى لتأسيسها، وعبّر عنه الأديب يوسف فايس عام 1950 بقوله « نعم هناك دافع لمثل هذه المخاوف من الشرقيين».

ومع مرور الوقت تمكنت إسرائيل من إدراك حقيقة أن «الدولة تفقد طابعها الاشكينازي تدريجياً» وأخذ كبار الشخصيات بمراقبة الأمور عن كثب، ومن هؤلاء الأديب حاييم هزان الذي قال :

« ليس بإمكاننا التحول إلى شعب شرقي، من المحظور علينا وبشكل مطلق التحول إلى شعب كهذا، فأنا أعارض هذا الأمر بكل قوة، لقد اجتزنا طريقاً عمره ألفي عام إلى أن أصبح لدينا ثقافة يهودية أوروبية ومن المستحيل الآن إعادة العجلة إلى الوراء وقبول ثقافة اليمن أو المغرب أو العراق، وإن حصل مثل هذا الأمر، فإننا نتجه إلى الهاوية».

وضمن ذات التوجه أعرب الأديب الإسرائيلي شفتاي طيبت عن خشيته من نشوء جيل جديد يكون فيه ثلاثة من أربعة أشخاص غير مرتبطين بالثقافة الغربية، إذ أن جيلاً من هذا النوع من شأنه أن يكون أكثر قرباً من الثقافة الإقليمية المحيطة به، بمعنى أنه حذر من إمكانية التقارب الثقافي بين اليهود الشرقيين والعالم العربي.

ولتجاوز هذه المخاطر، اقترح «شفتاي» قضاء الحكومة على الفجوة القائمة بين الاشكيناز والسفارديم، بعبارة أخرى، تقريب الشرقيين من الثقافة الغربية وإذابتهم فيها.

إذ يمكن القول أن مقترحات شفتاي كانت تنبع من نظرة استعلائية والدليل على ذلك كلماته التي استعان بها لتوضيح وجهة نظره «كلما ازداد عدد أبناء شمال أفريقيا وآسيا في أوساط السكان في الدولة فإنّ المستوى الثقافي من شأنه أن ينخفض وعندها سنبتعد عن الثقافة الأوروبية». وبصورة تفيض بالتمييز حذر من تسلل الشرقيين إلى مهنة التدريس، وتساءل قائلاً :

«هل يمكن الافتراض بأن المعلم الذي ولد في آسيا أو أفريقيا أو ولد لأبوين حضرا من هذه البلاد سيكون قادراً على أداء مهمة التدريس التي يمارسها الآن أشخاص جاءوا من أوروبا؟ من هنا ولأجل الحيلولة دون انخفاض مستوى التدريس علينا أن نشجع هجرة المعلمين اليهود من أوروبا وأميركا ونجذبهم إلى هنا».

دولة الرفاه

يمكن القول ان «شفتاي طيبت» امتلك هاجساً قوياً للحفاظ على الطابع الأوروبي لإسرائيل، بناءً على وجهة نظر محددة مفادها، أهمية العلاقة القائمة بين إسرائيل والعالم الغربي، ووفق اعتقاد «طيبت» فإن معظم يهود العالم يعتمدون على الثقافة الأوروبية وليس على ثقافة الشرق.

وانه في إسرائيل فقط نشأت جالية يهودية غير أوروبية وفي حال عدم تمكن الحكومة الإسرائيلية من منح جميع سكانها خلفية ثقافية أوروبية فإن إسرائيل سوف تتحول إلى صورة عكسية عن تلك التي كان من المفترض أن تكون للشعب اليهودي، مما سيجعل يهود العالم يترددون في المجيء لدولة الرفاه والاستثمار.

وفي الحقيقة، وبصفتي مؤرخاً، يقول توم سيغف، فإن ذلك ليس صحيحاً تماماً، فأربعة فقط من كل عشرة يهود سكنوا في البلاد عام 1967 ولدوا فيها والستة الباقون جاءوا من أماكن مختلفة من العالم.

وإذا جمعنا هؤلاء معاً، أي الذين ولدوا في إسرائيل والذين جاءوا إليها من الخارج، يصل العدد إلى أكثر من مليون شخص، معظمهم جاء من دول أوروبا الشرقية باعتبارهم ناجين من الكارثة، وحوالي النصف جاءوا من دول إسلامية، وأكثر من نصف اليهود سكنوا إسرائيل بعد قيامها عام 1948.

وهذا يعني أن عدداً كبيراً من الإسرائيليين لم يختاروا السكن في البلاد من منطلق اختيارهم الحر، بل تدحرجوا إلى هنا كلاجئين لا خيار أمامهم، إذ كان الكثير منهم يفضل البقاء في بلاده الأصلية، والدليل على ذلك أن الأيديولوجية الصهيونية والهوية العبرية التي أخذت بالتبلور إبان تلك الفترة، والقومية والاستعداد للتضحية.

وذكرى الكارثة ومطاردة اللاسامية، كلها مفاهيم لم تستطع إزالة المشاعر الضبابية في قلوب الكثيرين الذين كان أملهم أن يجدوا حياة أفضل في إسرائيل لكن ثبت لهم أن قدومهم إلى إسرائيل دفعهم إلى التخلي عن أنماط حياة أفضل، أو على الأقل الأمل في مستقبل أفضل من تلك الحياة التي وجدوها في إسرائيل.

وهذا الأمر ينطبق على كلا الطرفين، اليهود القادمين من أوروبا، واليهود من الدول العربية، إذ عاش اليهود الغربيون حياة مرفهة قبل قدومهم إلى إسرائيل التي كانت لاتزال في طور النشوء آنذاك، أما اليهود العرب فكانوا يفضلون البقاء في بلادهم، إلا أنهم اضطروا للمجيء إلى إسرائيل، لأن حرب 1948 حولت حياتهم بين العرب إلى أمر مستحيل وبالتالي كان هذا الثمن الذي دفعوه مقابل تحقيق الحلم الصهيوني.

من هنا فإن الكثيرين في أوساط المهاجرين من الاشكيناز والشرقيين على حدٍ سواء تحولوا في إسرائيل إلى جيل ضائع، كما أن حياة الكثيرين تحولت إلى هجرة بائسة وتعيسة، وهذا ما عبر عنه الأديب الإسرائيلي عاموس عوز في قوله:« إني أجد صعوبة في اعتبار دولة إسرائيل مكاناً حقيقياً يمكن كتابة شيء ما عنه، فالمكان الحقيقي هو باريس، مدريد، نيويورك».

شعور اليهود في إسرائيل بالضياع وغياب الهوية وتنازع الطرفين الاشكينازي الغربي والشرقي السفارديم، شكّل صورة إسرائيل قبل حرب 1967 مما جعل الحكومة الإسرائيلية منذ بداية عقد الستينات تبحث عن حل لأزمة الهوية. ورغم هذه الأزمة الكبيرة لم ترتدع الحكومة عن التورط في أزمات أخرى، من هنا كان تورطها في قضية المعارض المغربي المهدي بن بركة.

كان المهدي بن بركة أبرز وجوه المعارضة المغربية في الوقت الذي كانت إسرائيل ترتبط بعلاقات سرية مع المملكة المغربية ولا سيما مع الملك الحسن الثاني ووزير الداخلية محمد أوفقير.

لقد سعت إسرائيل من خلال هذه العلاقة لفتح المجال أمام هجرة يهود المغرب إلى إسرائيل، ولأن الأمور تسير خدمة مقابل أخرى، توجه «أوفقير» ذات يوم بطلب لمسؤول جهاز الموساد اللواء مئير عميت لتقديم يد المساعدة في عملية تصفية زعيم المعارضة المهدي بن بركة.

وبناءً على ما جاء على لسان عميت نفسه، فإن عملية اغتيال المهدي بن بركة تمت بواسطة أشخاص مرتزقة من الفرنسيين، مضيفاً :« لقد خرجنا من القضية سالمين دون أن يمسنا أي شيء».

ومن الجدير بالذكر أن بن غوريون أراد استغلال هذه القضية من أجل تحويلها إلى فضيحة ضد رئيس الحكومة آنذاك ليفي أشكول، أرادها أن تكون فضيحة على غرار فضيحة لافون في الخمسينات والتي تورط بها وزير الدفاع بنحاس لافون على خلفية اعتقال الحكومة المصرية عدداً من اليهود المصريين الذين ثبت تورطهم في وضع قنابل بعدد من المواقع المصرية المهمة.

بدأ يتسرب تورط إسرائيل في قضية بن بركة للعلن بعدما علم عضو الكنيست ديفيد غولومب بهذه القضية على لسان مردخاي تياهو، وهو زوج إحدى أهم النساء العاملات في جهاز الموساد والتي كانت قد شاركت في اختطاف الزعيم النازي أدولف إيخمان من الأرجنتين.

حيث قال غولومب« أخبرني تياهو بذلك بقوله «إسرائيل لها ضلع في القضية، إنها متورطة في اغتيال الزعيم المعارض بن بركة»، وأنا أرى أن ذلك يعني، أنه تم القيام بخطوات وأفعال خطيرة جداً بل فظيعة تفتقر إلى أية مسؤولية، إذ أنني أخشى أن يؤدي اغتيال بن بركة .

والذي تم في فرنسا إلى حدوث أزمة في العلاقات بين الدولتين، خاصة أن فرنسا قدمت لنا يد العون في إنشاء المفاعل النووي في ديمونا، كما أننا كنا نأمل توقيع صفقة عسكرية جديدة مع باريس».

وأضاف غولومب :« أبلغني مسؤول جهاز الأمن العام والموساد في السابق إيسر هارئيل أن إسرائيل متورطة في حادث اغتيال بن بركة، ووصف لي تداعيات ذلك العمل حيث أخذ يقول «اشتطنا غضباً وقررنا العمل من أجل التنصل من هذه القضية.

ولأجل ذلك توجهنا إلى غولدا مائير التي لم تكن بعد رئيسةً للحكومة وأخبرناها بتورط إسرائيل في اغتيال بن بركة، وفور سماعها ذلك ضربت كفاً بكف، كمن يسمع بالقصة للمرة الأولى».

يتابع غولومب الخطوات التي اتبعوها لاحقاً بالقول :« أراد أربعة من أعضاء الكنيست تقديم رسالة لغولدا مائير مطالبين فيها بأن يعلن رئيس الحكومة ليفي أشكول تنصله من العملية أو يقدم استقالته، وحينما علم رئيس الموساد مئير عميت بأمر الرسالة طلب منا عدم تقديمها واجتمع معنا مباشرة لأجل هذا الغرض.

وعندها لم أجد أمامي إلا التوجه لوزير الدفاع موشيه ديان، الذي طلب مني بدوره الكف عن الخوض في هذه القضية. ويختم غولومب شهادته بالقول:« لقد اتضح لي عندها أننا متورطون في حادث الاغتيال وبشكل مباشر جداً».

بعد انتهاء حرب يونيو 1967 بدأت الحكومة الإسرائيلية بدراسة مستقبل الأراضي التي احتلتها وكانت أولى الخطوات في هذا المجال طرد الفلسطينيين. إذ لم تكد الحرب تنتهي إلا وتوجه خمسة عشر مقاولاً نحو منطقة حائط «البراق» «المبكى» وبدأوا وبرفقتهم الجرافات بهدم 135 مبنى سكنياً وحمامين عامين كانت قائمة مقابل حائط «المبكى».

لقد بدأ المقاولون بهدم الحمامين، وفي أثناء ذلك توجه أحد ضباط الاحتياط إلى المنازل القريبة وأخذ يصدر الأوامر للسكان بمغادرة منازلهم، ولأن هذا الإجراء ينطوي على مشكلات كبيرة فإنه لم يتم إلا بموافقة صادرة عن قائد المنطقة الوسطى آنذاك اللواء عوزي نركيس الذي كتب في مذكراته قائلاً:« لقد كانت هذه المباني تعيق المصلين اليهود.

وأردت عبر هذه العملية إفساح المجال أمام وجود باحة كبيرة تسمح للمصلين اليهود الاقتراب من حائط المبكى، ولأن هذا الإجراء ينطوي على مشكلات كبيرة لم أتوجه لرئيس الأركان إسحق رابين ولا لوزير الدفاع موشيه ديان.

وحتى لو طلبت موافقة هؤلاء، أو غيرهم من كبار المسؤولين، فلربما أتلقى جواباً سلبياً، وقد لا أتلقى أي رد على الإطلاق، وقد يطلبون مني التريث. أي أنه ضمن ظروف معينة ينبغي عدم تدخل المستويات العليا، لذلك قام عوزي نركيس بالأمر على عاتقه متحملاً كامل المسؤولية لوحده.

تفجير المسجد الأقصى

ضمن سياق الفرص المناسبة تقدم الحاخام الرئيسي في الجيش ويدعى «غودين» بطلب من عوزي نركيس مفاده تفجير المسجد الأقصى، إلا أن الأمر لم يتم تنفيذه، فاللواء نركيس مشغول بقضية تدمير المباني وتنفيذ ذلك بأقصى سرعة بعيداً عن الإجراءات البيروقراطية، لذلك توجه على الفور وبرفقته عدد من المقاولين إلى رئيس بلدية القدس «تيدي كوليك» الذي قام بدوره باستدعاء شخصين أحدهما مهندس مدني والآخر عالم آثار .

حيث تجول الجميع في منطقة حائط «المبكى» وقاموا برسم الخرائط، وعلى ضوء ذلك تحدث كوليك مع وزير العدل الذي رد عليه بالقول: «افعل ذلك بسرعة، ورب إسرائيل يحميك ويحرسك.

ومن هنا تم المباشرة في تنفيذ العملية بأقصى سرعة وتحت جنح الظلام بهدف الإدعاء لاحقاً بأن من قام بالعملية ليس الجيش ولا البلدية وإنما طرف مدني وهم المقاولون.

وفي سياق تبريره هدم المنازل في القدس كتب نركيس في مذكراته :س لقد بذل اليهود عدة محاولات منذ القرن التاسع عشر لشراء حائط «المبكى» والمنطقة المحيطة به إلا أن العرب رفضوا ذلك، أما الآن فقد سنحت لنا الفرصة بخلق واقع جديد».

وفي الحقيقة كان يعلم منفذو هذه العملية تماماً بأن خطتهم تنطوي على إشكالية قانونية ودولية وأن ما فعلوه لا يتعلق بمسائل أمنية وإنما جاء تنفيذاً لدوافعهم الخرافية وحول ذلك كتب عوزي بنزيمان «لقد نظر هؤلاء لأنفسهم كممثلين للشعب اليهودي، وقدموا إلى هنا لإظهار سيادتهم على أقدس مكان لهم.

وضباط الأركان والمقاولون شعروا أنهم أنبياء جاءوا لاستئناف الرسالة اليهودية، ولم يبالوا بمصير العائلات العربية البالغ عددها 135 عائلة كانت ضحية لمشاعر ورغبات رهيبة».

هذه النظرة لا تقتصر على اللواء نركيس، بل رآها فايتس أيضاً من خلال ما كتبه بن غوريون في هآرتس تعبيراً عن فرحه باحتلال القدس حيث قال:

«هذا اليوم الثاني الأكبر في حياتي، اليوم الأول كان يوم جئت إلى البلاد». فسارع فايتس إلى إرسال برقية لبن غوريون يسأل فيها عن نظرته ليوم تأسيس إسرائيل، فجاءه الرد من بن غوريون «يوم قيام الدولة كنت في حالة من القلق الشديد، أما اليوم وبعد دخولنا القدس.

وبعدما زرت منطقة حائط «المبكى» غمرني الفرح، فرح الانتصار الساحر والسريع، هذا الشعور لم ينتابني إلا في الليلة الأولى بعد مجيئي إلى بلدة بيتاح تكفا قادماً من بولندا، عندما سمعت عواء بن أوى ونهيق الحمير أحسست أنني في وطن شعبنا الذي سيمتد، وليس في الشتات أو الغربة».

اقتراح بيغن

لقد غرق الجميع في التفكير بالخطوة المقبلة، وكان السؤال ما الذي ينبغي فعله الآن؟ وهنا ظهر ديفيد بن غوريون مدعياً عدم قدرة الحكومة على تحصين الاحتلال في مدينتي القدس والخليل إلا من خلال حملة استيطان يهودي كبير، وقد وجه كلامه لكل من موشي شبيرا ومناحيم بيغن.. «ينبغي علينا أيضاً عدم إعادة الضفة الغربية إلى الأردن.

وذلك على الرغم من أن ضمها إلى إسرائيل سوف يضيف مليون عربي للدولة مما يشكل خطراً جسيماً إضافة لمشكلة اللاجئين في غزة». عندها اقترح بيغن نقل اللاجئين إلى منطقة العريش والحفاظ على الضفة الغربية كجزء من إسرائيل.

هذه المباحثات التي كانت بعيدة عن ليفي اشكول، أرادها بن غوريون كمحاولة لتجنيد بيغن وشبيرا لصالحه في الصراع ضد أشكول، وهو الأمر الذي رفضه شبيرا بشكل مباشر في حين أظهر بيغن معارضته لذلك فيما بعد.

وفي الطرف المقابل اهتم أشكول بالاتصال بمستشار الرئيس الأميركي جونسون هاري مكفيرسون مقترحاً عليه بحث إمكانية قيام دولة وصاية في الضفة الغربية، بحيث لا تكون هذه الدولة خاضعة لأي من السيادتين الأردنية أو الإسرائيلية، بل خاضعة لسيطرة دولية، ويبدو أن الولايات المتحدة لم تبدِ حماساً لهذا الاقتراح، إذ أن مكفيرسون نقل الاقتراح لرئيسه قائلاً له:

«في اليوم الأول لاندلاع الحرب استيقظت على صوت القذائف والمدافع التي تسقط فوق مدينة نتانيا وهي على بعد أقل من عشرة كيلو مترات عن منزل السفير الأميركي حيث كنت هناك تلك الليلة، إني أعتقد أنه وفي هذه المنطقة على الأقل يجب توسيع مساحة إسرائيل».

وفي ظل الجدل حول مصير الضفة الغربية والأراضي التي احتلتها إسرائيل في أعقاب حرب يونيو، ظهرت مشكلة أخرى لا تقل حدة، فمع نهاية الأسبوع الأول للحرب اكتظت طرق الضفة بقوافل طويلة من اللاجئين وصفها المقدم أهرون شيتغل خلال مناقشات عسكرية لتلخيص مجريات الحرب بالقول:

«لقد شاهدنا أطفالاً في الثانية من العمر وأمهات بلا ماء والصراخ والعويل هنا وهناك» أما المراسل العسكري لصحيفة هآرتس زئيف شيف فقد وصف مشهد اللجوء بقوله: «شاهدت اللاجئين على جانب الطرق يلقون بمتاعهم من أجل التخفيف عن أنفسهم في هذا الطقس الحار، بل هناك من ألقى بطرف قدمه الاصطناعية من أجل التخفيف عن نفسه».

وأمام مشاهد اللاجئين وآلاف العائلات التي طردت من منازلها وتوجهت نحو المجهول، وجدت إسرائيل نفسها في أزمة وحاولت ولا تزال التنصل من مسؤوليتها تجاه هؤلاء المهجرين.

هذا ولا تزال إسرائيل تعيش بين صراع حكومي يقول أن عملية احتلال الضفة الغربية تمت مع مراعاة عدم المس بالمدنيين وبين أصوات عليا في الجيش الإسرائيلي تقول أن السكان رحلوا بمحض إرادتهم والجيش لم يقف أمام رغبتهم بالفرار، في حين أخذت الحقائق تظهر مؤخراً من خلال مذكرات رجال الحرب والسياسة في إسرائيل آنذاك وأخذت تثبت خلاف ذلك.

فعلى الرغم من الإدعاء الإسرائيلي بعدم المسؤولية عن مشكلة اللاجئين، كشفت الوثائق الإسرائيلية عن استخدام إسرائيل لتكتيكين متوازيين بهدف إرغام الفلسطينيين على مغادرة الضفة الغربية نحو الأردن، ترهيب السكان وتسهيل مغادرتهم وعدم وضع أية عوائق في سبيل ذلك.

مساعد وزير الدفاع الإسرائيلي أثناء الحرب، أرييه بارون قال ان موشي ديان أعطى تعليماته للجيش أثناء الحرب بإفساح المجال أمام الفلسطينيين للهرب إلى الأردن، وهو ما حدث بالفعل في بعض المناطق.

لجوء مخيب للآمال!

بعد احتلال مدينة طولكرم أمر وزير الدفاع ديان بإبقاء جميع الطرق التي تصل المدينة بأريحا، مفتوحة لكي يسهل مغادرة من يخشى تبعات الحرب، كما أمر اسحاق رابين والذي كان يشغل منصب رئيس هيئة الأركان بعدم نسف الجسور على نهر الأردن لإفساح المجال أمام سكان الضفة للتوجه إلى الأردن.

وفي ذات السياق، أبقى الجيش الإسرائيلي على بوابات القدس مفتوحة للغاية ذاتها، ووضعت إسرائيل الحافلات لنقل سكان القدس لجسر «النبي»، لكن الأمر كان مخيباً للآمال، ولم يكن المشهد موازياً لعام 1948، كما قال اللواء عوزي فركش، إذ غادر عدد قليل من الفلسطينيين قراهم ومدنهم، ثم أخذ العدد يقل يوماً بعد يوم إلى أن توقف كلياً.

ولإنجاح هذه السياسة، صدرت الأوامر للقوة التي كانت متجهة في اليوم الثالث لاحتلال مدينة أريحا، بالتريث لعدة ساعات لإفساح المجال أمام الفلسطينيين بالانتقال إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن. أما الشق الثاني من سياسة تهجير الفلسطينيين فكان إستخدام القوة.

حيث أفادت السفارة الأميركية في عمان، استناداً إلى شهود من الأمم المتحدة، أن الجيش الإسرائيلي قصف مخيم اللاجئين في منطقة أريحا، وأشارت مصادر أخرى إلى أن الجيش الإسرائيلي أطلق النار على قوافل اللاجئين، الأمر الذي دفع ب90% من لاجئي عام 1948، الذين سكنوا منطقة أريحا بالمغادرة صوب الأردن.

وعن ظروف ترحيل سكان مدينتي طولكرم وقلقيلية، ذكرت القنصلية الأميركية في القدس أنه تم إرغام حوالي سبعة آلاف من سكان طولكرم على مغادرة منازلهم، وتحدثت تقارير أميركية أخرى، أن سيارات إسرائيلية جابت قرى الضفة الغربية لحث السكان على الخروج.

وفي هذا السياق، نقل الصحفي جدعون ليفي عن فنان الكاريكاتير رعنان لوري الذي خدم كضابط في صفوف الاحتياط في بلدة عنبتا في منطقة طولكرم عام 1967 والذي تحدث عن وصول حافلات إسرائيلية إلى البلدة، في الوقت الذي كان الجيش يوجه أوامره للسكان للتجمع على الرصيف. وقد أمره قائده المباشر قائلاً «عليك نقل جميع السكان إلى الحافلات، إذ أننا سننقلهم إلى الأردن». لكن لوري رفض الأمر، فقام شخص آخر بتنفيذ المهمة بدلاً منه.

ظروف ترحيل وهدم جزء من مدينة قلقيلية كانت أكثر وضوحاً، حيث كان هناك قرار بهدم المدينة والتخلص منها. العقيد زئيف شاحام تحدث عن إرغام السكان على ترك منازلهم.

وكتب حول ذلك «لقد كانت مدينة قلقيلية قريبة جداً من بلدة كفار سابا، التي لم تنعم بالراحة، إذ انطلقت من قلقيلية خلايا تخريبية كثيرة قبل حرب يونيو. وبالتالي فإن التعليمات بشأنها كانت في غاية الوضوح، أي إخلاء جميع سكانها وتدمير المدينة كلياً. وبالفعل فقد تم تدمير جزء منها».

عرض ومناقشة: مركز جنين للدراسات الاستراتيجية