المحاكاة بعد فلسفي تحدث عنه الفيلسوفان أفلاطون وتلميذه أرسطو، واللذان ينتميان إلى المدرسة المثالية التي تتحدث عن المطلقات وتعتمد على العقل.

أفلاطون في مدينته الفاضلة يرى كل شيء فيها بمنظار المثالية لا الواقع. فعلى سبيل المثال يتحدث أفلاطون عن السرير في عالم المثل. فيعتقد أن هناك سريراً مثالياً واحداً فقط، وغيره على أرض الواقع هو محاكاة للسرير الأصلي. فحين يصنع النجار سريراً. يتجه إلى السرير المثالي كأنه يصوره ويحاكيه. ويكون الثاني أقل جودة من الذي في عالم المثل. والسرير الذي يرسمه الفنان يكون من الدرجة الثالثة لأنه محاكاة لما صنعه النجار وليس محاكاة للسرير المثالي. وإنما يرسم خيالات وأوهاما، ويكون بذلك قد ابتعد عن الحقيقة بثلاثة منازل.

ولعل نظرة التربويين للمحاكاة تختلف عن نظرة الفلاسفة في أمور، وتتفق في أمور أخرى، ففي التربية هناك القدوة التي يحاكي أفعالها الطلاب والشباب عموماً. وهو ما يراه أفلاطون مثالياً بالدرجة الأولى. ولكن في الواقع التربوي توجد القدوة وتوجد كذلك محاكاة لتلك القدوة، ولكن قد تتفوق المحاكاة على القدوة. بأن يتفوق التلميذ على أستاذه! وهذا ما يخالف نظرة أفلاطون للمحاكاة بأنها درجة ثانية أو ثالثة وليست أولى. القدوة ميزان بكفتين إيجابي وسلبي، والقدوة السلبية أكثر رواجاً وانتشاراً كانتشار النار في الهشيم. مما يجعل القدوة الايجابية عملة نادرة.

ودانة من عجائب الزمان. ويظل البحث عنها غاية الباحث عن الرقي والريادة. مسألة القدوة الايجابية قديمة حديثة. ثابتة متطورة. فهي قديمة الطرح حديثة القضية. ثابتة الفكرة متطورة الأبعاد، فلابد للقدوة الحديثة أن تتسم بالحداثة والتطور وتسكب ذلك في قالبها بقناعاتها الراسخة وثوابتها.

وتخرج عن إطار القدوة التقليدية. فشباب هذا العصر يبحث عن القدوة بشكل مباشر أو غير مباشر. فالتقليد الأعمى للشخصيات أكبر مثال للبحث عن القدوة وهو ما يسمى في علم البرمجة اللغوية النموذج الإنساني (الموديل)، وذلك ما نلاحظه في الميدان التربوي بدون أي غبار! لذا وجب تكريس الجهود لطرح البدائل الايجابية في الواقع بنفس الثوابت والقناعات. ولكن بتجديد جذاب وشيق يسلط الضوء على القدوة الايجابية.

بشرى عبدالله