اعتبره أحد مديري المدارس معجزة، ووصفه آخر بأنه شخصية يندر شبيهها، أما أصدقاؤه فيكتفون بالاستعانة فيه ليحلل لهم أحداث مباراة سابقة خطوة بخطوة، وتلك دلالة قوية على الثقة الكبيرة التي يولونه إياها، وبالنسبة له فهو على يقين أن علاقته مع الرياضة وتحديداً في كرة القدم، كعلاقة الأب وولده، وذلك بالرغم من أنه طالب كفيف لا يرى من الحياة شيئاً، لكنه كما قال يرى الكثير بغير عينيه.

الطالب أحمد الغفلي من مدرسة المعارف الثانوية ينتظر أشهر قليلة حتى ينهي اثنتي عشرة سنة من الدراسة بشكل مختلف، فهو على أعتاب الثانوية العامة في الفرع الأدبي، ويملك من الإرادة ما لا يملكه غيره، وهذا شيء طبيعي، لكن أن يكون لديه حس رياضي تحليلي بالشكل الذي هو فيه فتلك موهبة ربانية.

أحمد وشقيق ثانٍ معه في المدرسة نفسها يدرسان على طريقة «برايل»، وله أخ ثالث فاقد البصر في احدى عينيه، فهم ولدوا على هذه الحال، والسبب كما يقول ناجم عن زواج الأقارب، ولكنه لا يخفي تأقلمه الكلي مع هذا الوضع، فهو اختار الدراسة في الفرع الأدبي لأنها أسهل بالنسبة للمكفوفين عنها في العلمي، ودراسته تسير كما يشتهي ومن دون معوقات وفقاً لنظام المكفوفين والذي وفرته له هيئة الهلال الأحمر الإماراتي. يقول هذا الشاب أنه بدأ دراسته في مركز دبي لرعاية وتأهيل المعاقين، ومع وصوله للصف الثامن وبعد صدور قرار الدمج عاد الغفلي إلى مدرسة حكومية ليتابع دراسته بين زملائه ولكن على طريقته الخاصة.

الأبرز في ملامح الحياة التي يعيشها هذا الكفيف علاقته مع كرة القدم التي لا تهزمها ظروف، فهو كما يقول يسافر لا شعورياً إلى عالم آخر عندما تتابع حواسه وجوارحه مباراةً على شاشة التلفاز، ولا يستعين في رؤيته للمباراة بطريقة بغير معلقها الذي يريه المباراة بالطريقة التي يشتهي. يضيف الطالب الكفيف أنه يستمع بإنصات إلى المعلق في كل ما يقوله عن المباراة، ثم يتابع التحليل، ولا يمكن أن ينسى مباراة استمتع بأداء لاعبيها لأنها تبقى عالقة في ذهنه إلى ما لا نهاية كما يقول، وضيف إنه يحفظ من أسماء اللاعبين أكثر مما يحفظ غيره من الرياضيين أنفسهم.

الشاب الرياضي الصغير الذي لم ير الكرة بعينيه يعرف خباياها بشكل تفصيلي، ويسير مستمتعاً مع تعليق يغنيه عن مشاهدة ما نراه من متعة في تلك المباريات، فاهتماماته الرياضية أوجدت لديه أصدقاء كثر لا سيما من أعلام الرياضة المعروفين، فعلى صعيد المعلقين يتواصل أحمد بل وتربطه علاقة متينة مع شيخ المعلقين كما أسماه علي حميد، إضافة إلى عامر عبد الله وفارس عوض.

ويوضح الطالب الكفيف أحمد إنه في غالب الأوقات يجلس مع أصدقائه ليمنحهم تحليلاً وافياً عن مجريات مباراة ماضية، ويمنحهم تصوراً كاملاً عن أحداثها وكأنه مرئي، فزملاؤه يثقون بإمكانياته المعرفية في هذا الجانب ،وكثيراً ما يلجأون إليه في استيضاح أمر ما حول كرة القدم.

المفارقة في الأمر أن أحمد الغفلي ولد كفيفاً واستمر هكذا، فهو لم يمارس هذه الرياضة على الإطلاق، فمن أين جاء تعلقه فيها ؟ لاأحد يدري، أما هو فيقول إنه كان يستمع إلى التعليق وهو صغير مع عائلته، وعلى مر الأيام صار يحفظ أسماء اللاعبين ويعرف أماكن تواجدهم، وأصبح يرى المباراة بطريقة مختلفة تخلق لديه إدماناً رياضياً لا يمكن أن يتخلص منه.

ويوضح أن متابعته لحديث المعلق يجعله يتصور أحداث المباراة في قالب مختلف، فهو يحفظ الدقيقة التي يأتي فيها الهدف وآلية صنعه وصاحبه، ولا تنقصه معلومة رياضية مهما كانت، لأنه لا يفوت على نفسه مباراة تذكر سواء كانت محلية أو عالمية، وبالرغم من أن ظروفه حرمته ممارسة اللعبة التي يتعلق فيها كثيراً،

إلا أنه يمارس وزملاؤه الأكفاء في جمعية رعاية المكفوفين في الشارقة أنشطة متنوعة مثل الكمبيوتر ولعبة كرة الهدف للمكفوفين، ليبقى بذلك عاشقا لكرة القدم التي يراها بعيون أخرى غير تقليدية. إضافة إلى تعلقه غير المحدود بمعشوقة الجماهير، فهو يملك اهتمامات أخرى مثل الشعر، فالرياضة وكتابة الشعر تسلبان من حياته الجزء الأكبر، ومثلما يجد هذا الشاب متعة روحانية في متابعته لكرة القدم، يسير أيضاً بعشق ومتعة كبيرين مع الشعر النبطي، وحتى اليوم أنهى أحمد ما يقارب الأربعين قصيدة شعرية، في مختلف جوانب الحياة.

أحمد الطالب الكفيف بعينيه والذي يرى من الحياة أكثر ما يراه نظراؤه الطبيعيون، فهو يعيش حياته بطمأنينة عالية وارتياح كبير، وكل من يعيش في محيطه يعرفه ويحترمه ويقدم له ما لا يستطيع فعله، إلا أنه يقول إن أكثر ما يزعجه مساعدة الآخرين له على إتمام عمل يقوى عليه، لأن الاعتماد على النفس شعار يرفعه حتى النهاية.

الغفلي طالب ملتزم منضبط في مدرسته، تربطه مع معلميه وإدارة المدرسة علاقة مميزة، يحبهم كثيراً ،وهم أيضاً يبادلونه هذا الشعور، ويثقون بكل ما يقوله أو يفعله ،لا سيما فيما يخص كرة القدم التي يستمتع الجميع في الحديث عنها برفقته، كيف لا وهي بمثابة الأخ أو الابن بالنسبة للطالب الكفيف الذي تربى على أنغام الملاعب التي لم يرها،

إلى جانب ذلك كله فهو يدرك تماماً ما يحيط به من تطورات كبيرة تشهدها الإمارات، وتعيش في قلبه رسومات تحكي حقيقة هذه الجماليات التي أصبحت الجاذب الرئيسي لملايين البشر. يحلم الطالب الضرير أحمد الغفلي بدراسة الإعلام، وتحديدا الإذاعة والتلفزيون، لأنه كم يقول يملك ميولاً إعلامية، ويستطيع تقديم الكثير في هذا الجانب،

وفي جانب كرة القدم فهو يحتفظ بعلاقة قوية مع لاعب نادي العين سبيت خاطر، لأنه يراه اللاعب رقم واحد في الإمارات، وعربياً فهو معجب باللاعب المصري حسام حسن، أما عالمياً فحظي اللاعب البرازيلي أدريانو بإعجابه الكبير.

ولأنه فتى كرة القدم الذي لم يرها حقيقةً فسيبقى يعيشها بكل ما تحمله الكلمة من معنى حتى يبقي في داخله شيئ من المتعة التي لا يجده الكثيرون غيره، أحمد اختتم حديثه قائلاً: لو وجد من يعيد لي بصري بأية وسيلة فلن أقبل، لأنني أعتدت هذا الواقع وتأقلمت مع رؤية الأشياء من منظوري الخاص، وكل ما أحتاجه هو رضا الله ووالدي والمحيطين بي.