كم كانت صدمة ذلك الأب كبيرة حينما دخل منزله على صراخ الخادمة وهي تستنجد، ولكم كانت الصدمة أكبر حينما عرف ان استنجادها كان من ولده الذي لم يبلغ السنوات الست. منظر غريب تجري فيه الخادمة بذعر وخلفها ذلك الطفل الصغير ممسكاً بسكين في يده يريد طعنها.. صرخ الأب على ابنه صرخة المذعور:
«ماذا تفعل؟» وهو يأخذ السكين من بين يديه. فقال ذلك الطفل في براءة: «سوف أقتل الخادمة لكي يأتي كونان إلى منزلنا فيفتش عن القاتل، فأنا أحب كونان وأريد أن أراه». هذا ما قاله لي أحد الزملاء عن حادثة حدثت لصديق له وهو يطلب الاستشارة.
ترى هل يصنع الإعلام من أبنائنا عدوانيين ومجرمين؟
لقد تكلمنا في المقال الماضي عن العنصر الأساسي للتأثير على عدوانية الطفل ألا وهما الوالدان ،واللذان يأتيان في المرتبة الأولى. ثم يأتي بعد ذلك الإعلام والذي يشكل عنصراً أساسياً من بين أفراد الأسرة. حيث إنه يشارك الأسرة في كل مكان. فهو في الصالة وفي غرف الطعام وغرف النوم والألعاب، حتى لقد أدركنا في سياراتنا.
وتوضح الدراسات النفسية والتربوية أن هناك تأثيراً واضحاً للإعلام على سلوك الأطفال، وأن الأطفال يتعلمون بنسبة كبيرة من الكرتون والدعايات التلفزيونية. ونتيجة لتحليل ست دراسات أجريت في أميركا الشمالية أجراها كيفين وكاترين هاميلتون جياتشريتسيس من جامعة برمنجهام أظهرت أن مشاهد العنف التي يعرضها التلفزيون، وألعاب الكمبيوتر العنيفة أسهمت في زيادة العنف بين الأطفال. ووجدت الدراسة أدلة متسقة على أن الأطفال الصغار الذين شاهدوا لقطات عنيفة في التلفزيون أو مارسوا ألعاب فيديو عنيفة أظهروا سلوكاً يتسم بالعدوانية.
ويعرض الإعلام مشاهد العنف دون مراعاة لقيم أو دين أو سن يعيشها الطفل. ففي محطة فضائية ،كمثل سبيس تون ،تعرض في اليوم الواحد 12 مسلسلاً كرتونياً، تسعة منها هي مسلسلات عنف كاملة، والبقية تحمل بعض مشاهد العنف.
ولا يخفى على ذي البصيرة أن أفلام الكرتون تمجد الأقوى وتبسط الجريمة. فعلى سبيل المثال يعد مسلسل دراغن بول من المسلسلات الأكثر مشاهدة لدى الأطفال، وهو يمجد العنف ويجعل البطل الحقيقي هو من يستطيع في نهاية المطاف افناء الآخر. ويولع اليوم الأطفال بشخصية يوغي يو والذي يكون انتصار الشخص فيه بقدر ما يكون من قدرة لدى الوحش الذي يمتلكه البطل فيحطم بكل عنف وقسوة الوحش الآخر. كل تلك المشاهد التي تتكرر على أبنائنا في اليوم والليلة تطبع في عقولهم معاني ومفاهيم خطيرة.
ان الإنسان حينما يتعود على مشاهد معينة في حياته يصبح في مرحلة الإلغاء من التأثير. فالدم الذي كان يمثل مشهداً مخيفاً له لم يعد سوى لقطات مثيرة من انتصار البطل على المجرم. ثم ينتقل إلى مرحلة أخرى وهو انتظار ذلك المشهد بعد أن يلغي التأثير السلبي إلى ان يكون شعوراً بالفرحة مع قدومه وظهوره على الشاشة. ثم يتحول إلى مرحلة التشكيل بعد أن يلغى التأثير السلبي إلى أن يكون شعوراً بالفرحة مع قدومه وظهوره على الشاشة.
ثم يتحول إلى مرحلة التشكيل والذي يتطلع فيه الطفل إلى أن يكون المشهد أقسى وأعنف لكي يشعر بلذة انتصار البطل. ثم تكون مرحلة الاستكشاف بتقليد البطل. الطفل لا يشعر بطبيعة الحال بهذه المراحل ولكنها تتكون بانسيابية مع اعتياد عينيه على هذه المشاهد، ولكن تختلف الاستجابة من طفل لآخر. فمن الأطفال من يقلد تقليداً كاملاً ومنهم من يقلد بعض الحركات. وأخالك أيها القارئ ممن تأثروا بشخصية سوبرمان حينما ظهرت،
فكم من الأمهات والآباء اشتكوا بأن أبناءهم يقفزون من فوق أسطح منازلهم، وقد سلم الله الكثير منهم، ورحمة الله على من لم يسلم. ومما يبثه الإعلام في نفوس ابنائنا هو استبساط العنف والجريمة، ففي ضربة واحدة قد يقضي البطل على أكثر من شخص دون الاكتراث لما أحدث من عنف وقتل. بل وان البطل الأقوى هو الذي يفعل ذلك وهو يضحك ويمارس الحياة الطبيعية، وهو بعيد أشد البعد عن واقع الحياة البشرية.
ويتضح التبسيط أيضاً ببساطة العقوبة أمام فداحة الجريمة. فرغم ان شرعنا يحكم على القاتل المتعمد بالقتل إلا انه مع كل نهاية حلقة من حلقات كونان بعد أن يفتضح فيها أمر المجرم يتضح ان القاتل يواجه عقوبة السجن عدة سنوات وهو ما يعطي انطباعاً للطفل بأن عواقب العنف والجريمة لن تكون إلا أمراً محتملاً.
كل ذلك يوضح كم يساهم الإعلام في تربية العنف وتشجيعه في نفوس أبنائنا، الإعلام الذي قد يقضي أبناؤنا نصف عمرهم أمامه. وإذا كنا نظن بأن التلفاز مجرد تسلية ولا يرقى لأن يكون له هذا التأثير الكبير فإننا حقاً نتعامل بسذاجة مع مؤثر من أكبر المؤثرين في حياتنا