الأعباء والهموم التي تثقل كاهل المعلم والمعلمة خلقت حلولاً غريبة أوجدها الميدان في إطار بحثه عن السبل للخلاص من متطلبات لا قناعة له بها، فتوجه المعلم إلى منزله محملا بالأعباء أصبح أمرا مفروغا منه وعادة يومية خاصة لدى المعلمات، مما اضطر بعضهن إلى البحث عن سبل لإنهاءأعمالهن دون التأثير على واجباتهن الأسرية
ورغم عدم صحة الإجراءات الا أن المعلمة ترى أنها مجبرة على ذلك فتنفيذ ملف عن احدى المكتبات او دفع 100 درهم لإحداهن مقابل الخلاص من عمليات التصحيح للأوراق والدفاتر، أو اضافة اعمال في ملف الانجاز ليست من انجازها ومن عمل الآخرين كلها أمور أصبحت غير بعيدة على المعلم في ظل كثرة المطلوب الذي أبعده عن دوره الأساسي.
واوضحت سلوى محمود موجهة لغة انجليزية في تعليمية أبوظبي أن الأعباء المطالب المعلم بانجازها أصبحت تفوق المعقول وخاصة على مستوى المراحل التأسيسية والإعدادية وحمل الأعمال إلى المنزل شيء يومي واعتيادي ولكن غير الاعتيادي هو تحول العملية التعليمية في بعض المدارس إلى مجرد تنافس على الظهور بشكل أفضل من الناحية الجمالية والفوز بمسابقات وأنشطة ومراكز وطبعا المعلم يساهم بشكل كبير في إتمامها وكله على حساب مستوى الطلاب الذي يكون أقل من المتوسط مما يعني تقليص دور المعلم في الناحية الأكاديمية وتفعيله في جوانب الأنشطة والفعاليات والأعمال التوثيقية.
وتطرح سلوى مثالا على ذلك قيام إحدى المدارس الإعدادية بإحضار مختصين في مجال التصميم والتقنيات وإنفاق مبالغ باهظة عليهم ليقوموا بإعداد معرض نتاجات تعلم لمادة العلوم وبدلا من ابراز أعمال الطالبات نجد التنافس المبالغ فيه يدفع المدرسة للدفع للظهور بشكل مميز أمام المنطقة وتنال الإعجاب، فاذا كان هذا حال إدارة مدرسة فما حال معلمة تريد أداء أعبائها بشكل جيد ربما لإرضاء الموجهة والمديرة وتحقيق تقارير ممتازة، فهناك معلمات صادفتهم خلال عملها مع المراحل المتوسطة كن يحرصن على المشاركة في دورات تدريبية للحصول على شهادات ووضعها في ملف الانجاز فقط.
مساعدة الأسرة
وذكرت معلمة أن فترة الدوام المدرسي لم تعد كافيه لانجاز ثلث ما هو مطلوب منها من أنشطة وحفلات ومشاريع لطالباتها وكلها أساسية لإدارة المدرسة ولملف الانجاز لان النشاط أساسي لإبراز عمل المعلمة وليس أداءها داخل الفصل الدراسي فقط، وتؤكد أنها تطلب من أسرتها في المنزل مساعدتها في كل ما تحمل إليهم يوميا ولولا ذلك لما كانت لتتمكن من انجاز ما عليها خاصة في ظل متطلبات إدارة المدرسة التي لا يمكن رفضها.
على حساب البيت
وأشارت ايناس مسعد مدرسة لغة عربية إلى أن المساعدة التي تلقاها من زوجها وأسرتها في المنزل أمر حقيقي ولكن تحصره في أمور لا تؤثر على مصلحة الطالب مثل طباعة مواد أو تدقيقها أو تصحيح أسئلة الصح والخطأ لأنها واضحة الإجابة أما الجوانب الموضوعية فلا يمكن أن تكون لغير المعلمة ذاتها، مشيرة إلى أن دور المعلمة الأساسي في الحصة الدرسية أصبح محصورا و ينظر له على أنه غير أساسي
فهناك الأنشطة والمشاريع والأبحاث المطلوبة من المعلمة اضافة إلى جانب التفاعل مع الموقع الالكتروني للمدرسة المرتبط بالمنطقة التعليمية وضرورة تغذيته بالبيانات المتعلقة بدرجات الطلاب اضافة إلى المواد الاثرائية للمادة العلمية كلها أمور مطلوبة ولا وقت للتصحيح والتدقيق أو رعاية الموهوبين أو الضعاف مشيرة إلى ان الكثير من المعلمات تعرضن لمشاكل أسرية دفعتهم لترك المهنة فالعمل في المدرسة والمنزل أمر مستمر.
وترى ايناس أن الأنشطة الاثرائية لمادة مهمة ولكن الأنشطة الشكلية وملف الانجاز المحشو بأي مادة وأوراق حتى وان لم تكن من انجاز المعلم لإرضاء التوجيه والأبحاث الإجبارية التي دفعت البعض لأخذها من الانترنت أمر مرفوض لابد من إعادة النظر فيه.
ملف بالآلاف
وشددت نهى علاء مدرسة لغة انجليزية في إحدى المدارس الثانوية على أن معلمات المرحلة الثانوية هن الأقل معانات من تلك الأعباء لأنهن مطالبات بالأعمال الأكاديمية لتحقيق أعلى النتائج مع الطالبات بينما تنشغل المراحل الأقل بالأنشطة والفعاليات وهذا أمر تتفهمه الإدارة والتوجيه لأن نتائج الطلاب هي الأهم لديهم
ولكن هذا لا يعني عدم وجود أعباء تحمل من قبلهم كمعلمات ثانوية إلى المنزل لأن هناك ملف انجاز وأنشطة اثرائية وغيرها فلابد من 3أو 4 ساعات منزلية توظف في خدمة المدرسة، وبعض المعلمات يتقاعدن بسبب مشاكل أسرية ناتجة عن انشغال المعلمة حتى خلال تواجدها مع أسرتها واحدى صديقاتها تقاعدت هذا العام لعدم قدرتها على تحمل ما هو مطلوب.
وتشير نهى إلى أن الأسوا هو عدم قناعة الميدان بالعديد من الأعباء الموكلة مما يقود للكثير من الإشكاليات منها على سبيل المثال توجه معلمات لانجاز ملفات الانجاز من خلال إحدى المكتبات وبمبالغ كبير تصل إلى ثلاثة وأربعة آلاف لانهن محتاجات والمكاتب تستغل ذلك.
استقالة من الأعباء
أماني احمد معلمة تركت التدريس من كثرة ضغوطه وأعبائه ومتطلبات إدارة مدرستها حيث كانت البداية بأعمال إضافية للمدرسة على هامش دورها الأساسي كمعلمة ولكن مع الوقت أصبحت متطلبات الإدارة من أنشطة وأعمال وفعاليات هي الأساس ودورها كمعلمة ترعى طلابها وتنمي مهاراتهم هو الأمر الهامشي مشيرة إلى أن هذا لم يكن حال التعليم في السنوات السابقة فقد كان الاهتمام بالطالب والحصة الدراسية هو الأهم من أي شيء
والآن العكس، ومما زاد الطين بلة ملفات الانجاز « أو الإجهاز» التي تقدم في صناديق أحيانا لكثرة محتوياتها من الأوراق وكل هذا كان كافيا لتقدم استقالتها وتراعي أولادها.
كما فوجئت أماني منذ عدة أيام بابنتها في الصف الرابع الابتدائي وقد طلبت منها المعلمة إعداد ملف انجاز يتضمن موضوعات والأعمال التي قامت بها خلال العام ومن لا تأتي به ستحصل على صفر فهل تحول الملف إلى مطلب من الطالبات للخلاص من عبئه؟
أختي أرهقتني
نهال عبد الوهاب أخت لاحدى المعلمات تشتكي من أختها التي ترهقها بأعمال مدرستها وطالباتها مشيرة إلى أن أختها تحضر أوراق الامتحانات ودفاتر الطالبات وسجلات رصد الدرجات للعمل معها وكالعادة يكون العمل مشتركا من قبل الجميع في المنزل فتساعد هي وصديقتها أختها في إنهاء اعمالها،
وكما تقول نهال أن المساعدة ليست أمرا سيئا لأنها تدرك مسؤوليات أختها وواجبات عملها من أنشطة واعمال إدارية إلى جانب التدريسية ولكن المشكلة أنها تقوم بتصحيح أسئلة مقالية وموضوعية ورغم أن لديها نموذج إجابة الا أن المعلمة هي الأقدر على تقدير إجابة الطالبة وبالتالي لا بد أن هناك خطأ أو ظلما قد يلحق باحدى الطالبات كما أن عملية رصد الدرجات وكلها مسؤوليات يجب ألا يستهان بها ،
وترى نهال ضرورة الاهتمام بهذه النقطة لدى المعلمات لأن المرأة لديها مسؤوليات عديدة في المنزل ولا يعقل أن تعود بأعمال يومية للبيت على حساب زوجها وأبنائها مما يضطرها للجوء لطلب المساعدة من غير أهل البيت غير المؤهلين لكل الاعمال فهذه أمانه.
وقالت مديرة مدرسة أم عمار في أبوظبي ان المعلم اليوم في حركة دائمة داخل البيت وخارجه فهموم إيصال المعلومة بالشكل الصحيح للطالب أصبحت أكبر لأن الموقف التعليمي يتطلب الكثير وليس مجرد الشرح التقليدي، ولكن هناك متطلبات ليست سوى ضغط ولا فائدة منها
وهي تعتبر ملف الانجاز مثلا «ملف إجهاز» فالمعلم عليه جمع أكبر كم من الأوراق والوثائق. وهم كإدارة يسعون إلى التخفيف على المعلمات قدر الإمكان وبالنسبة للمعلمات اللواتي ينجزن بقية اعمالهن في المنزل أمر طبيعي ولكن يجب ألا تقوم هي بأدائها ولا تتركها لمن هو غير مؤهل من أسرتها بهدف الانتهاء منها لأن هذه أمانة مرتبطة بمصائر طلاب.
الثقة مطلوبة
حمدة الهاجري مديرة مدرسة المشرف الإعدادية في أبوظبي ترفض قيام معلمة بتصحيح امتحانات طلابها في المنزل وتقول ان جميع المعلمات يحملن أعمالا إلى منازلهن ولا مانع من ان تكون تحضير أو تصحيح دفاتر ولكن ليس امتحانات ولا يجب أن تترك الأمور لأحد غير متخصص ليساعد فيها، ولا احد ينكر ما على المعلمة من ضغوط وربما أكثر من المعلم كونها لديها مسؤوليات أسرية.
أما فائدة الكثيري مديرة مدرسة الأمين فلا تمانع من ان تقوم المعلمة بانهاء أعمالها في المنزل حتى اعمال التصحيح للامتحانات باستثناء امتحانات نصف العام ونهايته لأنها تصحح من أكثر من معلمة وترى أن مصدر قبولها لذلك منبعه أهمية وجود الثقة في المعلمة كما ان التحريري لم يعد يمثل سوى 40 في المئة من الدرجة وبيدها 60 في المئة توزع على الأداء داخل الصف والنشاط والعملي وغيرها
وتشير الكثيري إلى أن المعلمات اللواتي يصححن في بيوتهن يتركن المجال لأخواتهن أو أزواجهن للمساعدة يمثلن حالات وليس ظاهرة وربما فرضتها الأعباء الكبيرة عليها وقد تسببت تلك الأعباء ليس فقط في اللجوء لمساعدات خارجية بل إلى الهروب من مهنة التدريس ككل والتقاعد.
سوء توظيف
أما إبراهيم أبوجاس معلم فيرى ان الأسباب التي تجعل المعلمات الأكثر شكوى من الأعباء رغم أن الأعباء واحدة لدى الجميع هي عدم القدرة على توظيف الوقت واختزال العديد من الأمور المطلوبة فهو مثلا ينهي كافة اعماله داخل المدرسة ليعود إلى بيته متفرغا لأسرته ونادرا ما ينجز شيئا في البيت طبقا للحاجات الجديدة ولكن التصحيح والتحضير ورصد الدرجات وانجاز أوراق عمل ومناشط كله في المدرسة
وخلال حصص النشاط مشيرا أنه لا يمكن انكار وجود العديد من المتطلبات غير المجدية ولكن على المعلم محاولة التركيز على ما يفيد الطالب بالدرجة الأولى موضحا أن بعض الإدارات في مدارس البنات تكون متطلبة أكثر خاصة من النواحي الجمالية وتفرض على المعلمات القيام بالعديد من المهام والأنشطة غير الضرورية وبالمقابل هناك معلمات ومعلمون يعرضن خدماتهن على إدارة المدرسة ربما هربا من المسؤولية والعمل مع الطلاب.
المعلم أقل عبئا
أوضح عصام محمد مدرس مرحلة تأسيسية ان المعلم كرجل يتحمل عبئا أكثر من المعلمة وربما يكون أقدر على الانجاز في وقت أقل منها مشيرا إلى أن أعباء المعلمين متماثلة ولكن عودة المعلم إلى بيته محملا بالأعباء أمر ليس يومياً بل طبقا للطواريء بينما المعلمة تحمل الكثير يوميا.
ويعتبر عصام أن هناك أعباء ومتطلبات لا تفيد العملية التعليمية مثل فرض عمل البحوث بشكل سنوي على المعلمين مما اضطر البعض لاستخراج البحوث من الانترنت وإجراء بعض التغييرات عليها ومن ثم تقديمها على أنها من انجازهم وغيرها من الأعمال التي تهدر الوقت فقط والضغط هو الذي يقود المعلم أحيانا للبحث عن طرق تخلصه من الأعباء. فملف الانجاز مثلا يمكن أن يقتصر على ذكر ما أنتجه المعلم ولا داعي لكم الأوراق الموثقة والتي لا تعود في النهاية بأي فائدة على الطالب أو المعلم.
إهمال غير مبرر
أم احمد مديرة مدرسة سابقا بينت أن المعلمات اللواتي لا يتحملن المسؤولية الملقاة عليهن والأمانة التي في أعناقهن موجودات وهن يقمن بطلب المساعدة للخلاص من أعبائهن بأي ثمن ومن أشخاص غير مؤهلين فليس ملف الانجاز وحده الذي يباع بل حتى الخطة الدرسية توجد مكتبات متخصصة لبيعها جاهزة فقط تغير المعلمة الاسم والتاريخ،
والأسوأ الاتكال على الطالبات مثل تكليف طالبة بطباعة أسئلة امتحان أو تصحيح دفاتر أو عمل ملخصات في حقيقة الأمر هي للمعلمة وليست للطالبة كل هذا يؤثر في شخصية المعلم وعلاقته بالطالب، ولا ترى أم أحمد أي مبرر لمثل هذه التصرفات ولا يمكن تفسير الموضوع على أنه عبء بقدر أنه إهمال وعدم شعور بالمسؤولية.
فلاش
ـ بعض المعلمات يدفعن لإحداهن للقيام بواجباتهن بدلا منهن هربا من كثرة الأعباء وإحدى المعلمات أكدت أن زميلاتها يدفعن ما يقارب 100 درهم مقابل تلك الخدمات وطبعا المواطنة تدفع أكثر لأن إمكاناتها أعلى ويصل المبلغ إلى 500 درهم في بعض الأحيان.
ـ معلمات يذهبن إلى متخصص في مجال التقنيات ليقوم بتجهيز المادة العلمية لهن على أقراص مدمجه لتقدمنها خلال حصة درسية تحضرها الموجهة على أنها من إعدادهن وتحضيراتهن للمادة.
ـ إحدى المدرسات قامت بأخذ مسابقة شعرية قدمتها معلمة أخرى ومن مدرسة أخرى ووضعتها في ملف انجازها على أنها من أنشطتها، وذكرت أخرى أن إحدى المعلمات أخذت أوراق عمل لابنتها وقامت بالتعديل عليها وتغيير شكلها وضمتها إلى ملف انجازها الذي أصبح يمثل ثقلا على الصدور قاد لمثل هذه السلوكيات التي نرفضها من طلابنا!!
تحقيق لبنى أنور:


