الحاج إبراهيم عبد القادر أحمد صالح انتظر حتى انتهى معظم أبنائه من تعليمهم الجامعي، وصبر حتى أعادت له مداعبته لأحفاده الثمانية عشر، وكلمة «جدي» التي ينادونه بها التفاؤل والطموح والإصرار ليعود إلى الدراسة المسائية بينما هم في صباحهم يتعلمون ما يتعلمه، فهو الآن طالب في الصف التاسع الأساسي بمركز آل مكتوم لتعليم الكبار.

ولد إبراهيم في العام 1945 في فلسطين وتلقى تعليمه الأساسي هناك، ليترك لاحقاً دراسته مكرهاً بفعل الظروف السائدة آنذاك، ويتوجه بعدها إلى لبنان ومن ثم يصل في العام 1971 إلى الإمارات بحثاً عن رزق لا يعلم أين يخفيه له القدر، تزوج هنا وأنشأ أسرة مستقرة مكونة من ثمانية أبناء، وبقي يعمل طويلاً حتى أمَّن لهم تعليماً أرضاه، وكما يقول فبعد أن اطمأن على أبنائه وقلت مسؤولياته، التحق هذا العام بالتعليم المسائي، حيث لم يبعده عن حلمه الطفولي في العلم والمعرفة سوى الواجبات التي يقتنع بها، وما ساعده على تحقيق مراده هذا هو حصوله على الجواز الإماراتي قبل عامين.

الطموح الذي تمسك به هذا الكبير منذ أن فقد مقعده الدراسي قبل نحو خمسين عاماً حمله ليخوض في بحر العلم الذي لا حدود له، ولا ينحصر في عمر محدد، فهو وعلى مدى عشرات السنين ظل يحن إلى الدراسة والتعليم، وبقي يساعد أبناءه وأحفاده في مذاكرتهم رغم مشاغله الكثيرة.

وبالنسبة له فهو يشعر بمتعة كبيرة كونه عاد إلى دراسته بعد سنوات انقطاعه الطويلة، والمواقف التي يعيشها الآن تساعده على استذكار ماضٍ لا يعرف إلى أين سار، ورغم أنه يعد الأكبر عمراً بين نظرائه الدارسين في ذلك المركز إلا أنه يشعر بارتياح كبير وكأنه بين أبنائه في البيت، فمن زملائه يستمد القوة والمثابرة ويمنحهم في المقابل التحدي والاستمرار في علاقات أبرزها الاحترام المتبادل بحسب ما يرى.

وعلى مدى انقطاعه عن الدراسة ظل هذا الشخص نموذجاً للطموح والتحدي، إذ انه يستمتع كثيراً في القراءة والمطالعة ومتابعة الصحف والمجلات والخوض في دروس ومسائل مع أبنائه وأحفاده في مذاكرتهم اليومية، فهو كما يوضح معلموه طالب مليء بالطموح والمثابرة، يذاكر كثيراً ويلتزم في دوامه، ولا مجال لديه في إضاعة الوقت بعيداً عن الفائدة ودرجاته بشكل عام جيدة جداً وأكثر.

ويوضح إبراهيم أن ظروف العمل العصيبة التي مر بها إضافة إلى أنه عاش حياته يتيماً ومتطلبات زواجه وانشغاله مع عائلته، كل تلك عوامل اجتمعت لتبعده ولفترة طويلة عن السعي لتحقيق حلمه، وفي بلده الحالي الإمارات وجد الفرصة مهيأة بفضل حكام البلد الأوفياء لإكمال ما كان يرنو إليه، وهاهي الأحلام والأمنيات تتحقق ولا مجال للوقوف عند حد طالما ظل يملك القدرة على الحركة والتواصل.

في مركز آل مكتوم يعيش إبراهيم بيئة مفعمة بالعطاء والوفاء كما وصفها، ففيها إدارة ومعلمون أوفياء وطلبة يقدرون الزمالة ويحترمون بعضهم البعض، وهو ما جعله يتعلق أكثر بهذا المكان، ويود لو لم يفارقه حتى إشباع رغباته من التعليم.

وبالنسبة لواقع الدراسة في هذا المركز فهي تنتهي عند الصف التاسع كحد أقصى للفصول الموجودة فيه، وبالتالي فإن إبراهيم وزملاءه الدارسين في الصف التاسع يطالبون في عريضة قدموها مؤخراً إلى المسؤولين في الوزارة بفتح فصول إضافية تمكنهم من الاستمرار مع الأسرة التي ألفوها.

وكما يوضح فإن لم يتمكن وزملاؤه من تحقيق مراده فلا يعني أن ذلك يمثل نهاية المطاف عند رمز التحدي والطموح الحاج إبراهيم، فهو سينتقل إلى مدرسة أخرى تمكنه من إتمام دراسته التي لم ولن يحدد سقفها طالما ظل يملك القدرة التي تمكنه من ترميم ما أفسدت الظروف من سلم طموحاته الطويل

متابعة: عنان كتانة