كانت الساعة على وشك أن تدق السابعة مساءً، وحل الموعد الذي كان ينتظره الكثيرون، وبينما اقترب الحضور من بوابات الجامعة الأميركية في دبي حتى غزت الآذان أصوات مختلطة في ضجة مصحوبة بالموسيقى لا يمكن تفسيرها بغير الفرح والسرور، كيف لا وذلك الحدث عنوانه الاحتفال باليوم العالمي في تلك الجامعة، والذي تجسده همم الطلبة الشباب.

وسار المدعوون إلى حيث تسير الجموع، ولا يمكن لمتاهات الجامعة ولساحاتها الشاسعة أن تضل أياً كان عن هدفه، لأن الأضواء والأصوات المنبعثة من مكان الحدث كانت الدليل والمرشد لكل من لا يعرف المكان، ناهيك عن الأقدام المتزاحمة من أولياء الأمور والأصدقاء ممن ينتظرون ليلة كهذه، والمتجهين جميعهم يحملون روح التفاؤل والمحبة للاستمتاع مع آبائها وأبناء بلادها.

عند ساحة توسطت مباني الجامعة توقف الجميع وراحوا يتزاحمون عند بوابة ليست صغيرة لموقع الحدث، حيث الأكشاك المكتسية بألوان شتى وترشح منها روائح بلادها، فالجميع آثر أن يعيش هذا اليوم في قالب مصغر لما هو في بلادهم، فكانت الأجزاء التراثية حاضرة بقوة، مثلما برزت الأزياء القديمة والحديثة لكل دولة، ناهيك عن الطلبة أنفسهم الذين تخلوا عن اللباس الذي اعتادوه في جامعتهم ليبدوا وكأنهم يشاركون في حفلة تنكرية نتيجة التنوع اللافت الذي وجد بين أزياء الطلبة الشباب.

في ساحة حصرتها اللوحات الجميلة تزاحمت عشرات أكشاك الطلبة الممثلة للجاليات، وفي وسطها وجدت بعض المحلات الصغيرة التي تبيع الأكلات العربية والفرنسية، وبعض الأصناف الشعبية السورية والفلسطينية، خاصة المنسف العربي والحلويات الدمشقية، وحول هذه الأكشاك ومحلات عرض الجاليات لا يمكن التنقل بسهولة لشدة التزاحم الذي حل بالمكان تلك الليلة.

وما أن انتقل الحضور إلى الأمام حتى وجدوا طلبة من مختلف الجنسيات يرحبون بقدومهم ويعرفونهم بما هو موجود وما سيتبع من فعاليات يطول الحديث عنها مثلما طالت في ليلة طربية وثقافية هادفة، وكان أولئك من الهيئة الطلابية في الجامعة وهم المشرفون على الحدث، أخذوا البعض بعيداً عن ضوضاء الطلبة وفرحتهم بهذا العيد ليجدوا أنفسهم على كراس في مكان خصص لل(VIP)، جلسنا هناك استمع العشرات أيضاً إلى موسيقى آتية من المسرح الرئيسي أمامنا.

لم يطل الانتظار كثيراً حتى ظهر على المسرح طالب عربي بلباس خليجي متقن، يتحدث إنجليزية أميركية دبي بطلاقة قوية، معلناً أن الحفل قد بدأ بعروض كثيرة تنتظر الجمهور، وفي حنكة تقديمية تعجز عنها القنوات التلفزيونية الكبيرة تبادل وزملاؤه الطلبة المقدمون لبرنامج الحفل الحديث عن فقراته بشكل مشوق، حتى صار الجميع يتابع فقرات الحفل باهتمام ومتعة كبيرين.

وتحت تأثير الأصوات الصاخبة والأنوار المتلألئة من المسرح تابع الحضور الفعاليات باهتمام واستمتاع بالغين، ومن خلف كراسي الشخصيات المهمة تدافع الطلاب في أجواء حماسية وأنيقة ليشكلوا جمهوراً متعطشاً للكثير من ألوان الفن والتراث الممزوج برائحة طلابية تراعي تفاهم الحضارات، وتبادل الاحترام بينها.

ومن دون تأخير أطلت مجموعة من الطلبة الأميركيين الذين بدوا وكأنهم يراعون الدقائق القليلة الممنوحة لهم في تلك الاحتفالية الكبيرة، والتي تأتي على شكل مسابقة طلابية بحسب ما تقدم كل جالية من أعمال هادفة، تنقل أو تعرف بحضارة بلدها وتمتع الجمهور بجمالها.

هؤلاء الطلبة الأميركيون قدموا رقصة جامعة لثقافة بلدهم بولاياته الاثنتين والخمسين، دون أن يهملوا الهنود الحمر من حساباتهم، ومع أن تلك الرقصة لم تستمر إلا لبعض دقائق إلا أنها استطاعت بتنظيمها وأداء أصحابها أن تشد الجمهور إليها، وتجعله يبدأ احتفاليته بمتعة كبيرة.

وعلى الرغم من أن البعض من الموجودين كان يرتبط بالتزامات أخرى، إلا أن العروض الممتعة والجاذبة التي قدمت في ذاك المساء كانت أقوى من الحسابات تلك، واستطاعت أن تلغي حتى فكرة النظر إلى الساعة لدى الكثيرين، فما هو ينتظر الجمهور أكثر مما قيل عنه أو شوهد، كما يكرر دائماً مقدمو الحفل الذين أبدعوا أيضاً في لوحة جمالية أخرى جاذبة.

لحظات قليلة حتى أزاح ستار الصمت طالب وطالبة ممن أمتعوا على الأقل نظراءهم بأغنيات وموسيقى «الراب» المشهورة، وكلاهما أبدى حضوراً قوياً على حلبة المسرح، والذي أهلهما لأن يسرقا أصواتاً كثيرة من الإعجاب والتصفيق والتصفير التي كان مصدرها الجمع الطلابي الكبير، الذي يتابع فعاليات المهرجان بكل فقراته من دون النظر إلى بلد بعينه، وكان الفيصل في ذلك مدى إمتاع الجمهور فيما يقدم من عروض.

وتوالت بعدها المشاركات اللافتة سارقة من أذهان الحضور مواعيدهم أو التزاماتهم الأخرى، إذ اكتست خشبة المسرح بسواد الطلبة الأفريقيين الذين طوعوا أجسادهم المرنة لتأدية أمتع فنون القارة السوداء، فجسدوا صحراء وخضار وسط وجنوب أفريقيا في تناغم كبير لاقى ترحيباً واسعاّ من الطلبة والمدعوين.

وكما هي العادة ثار الجمهور فرحاً وطرباً قبل أن تتلى على مسامعهم إيقاعات الدبكة الفلسطينية، وبمجرد أن أعلن أحد مقدمي برامج الحفل عن بدء عرض النادي الفلسطيني حتى راح كل من في المكان يصرخ ويرحب بطريقته الخاصة، وبالفعل استطاع بضعة من طلبة النادي رسم خطوط الدبكة على خشبة المسرح بموازاة الأنغام الجبلية الفلسطينية.

أثناء عرض الطلبة الفلسطينيين لتراث لم يعشه معظمهم بدا لافتاً العرس الفلسطيني الذي جسده طالب وطالبة، وبرزت فيه الأغنيات التراثية القديمة التي تمجد العريس «أبو الحطة» و«أبو العقال». وما لفت انتباه الحضور أكثر هو آلية عرض الطلبة لدبكتهم التي شاركت فيها طالبة أميركية أظهرت حبها لتعلم الدبكة الفلسطينية، فأدتها بإتقان يوازي أصحابها الأصليين.

بعد هذا المشهد استفاق الجمهور على ألوان براقة من الفن والتراث اللبناني، والذي جاء متداخلاَ مع التراث السوري، إذ اعتمد الطلبة اللبنانيون في عرضهم على الأغنيات السورية، فكانت دلالاتهم أيضاً مؤشراً سياسياآخر جسده على الأقل الطلبة الذين جعلوا أشجار الأرز في لبنانهم تتمايل رقصاً وطرباً على أنغام «العتابا والميجانا»، حيث قال أحدهم إن الدبكة بشكل عام استطاعت أن توَّحد بين أبناء الشام مجدداً، فسواء كانت لبنانية أو سورية أو فلسطينية أو أردنية فهي فن واحد لأبناء جلدة واحدة.

كسر سلسلة الدبكات العربية الممتعة في تلك الليلة مجموعة من الطلبة الهنود الذين قدموا عرضاً شيقاً ومنظماً ومتماسكاً فاق كل ما سبقه من العروض، إذ تجسد فلكلور الهند المترامي بأداء عشرات الطلبة الذين أجادوه تماماً، فظل الجمهور على درجة عالية من الاستمتاع مع الأداء الهندي الذي حاكى ألوان بلادهم المتداخلة، ورسم الحضارة الهندية العريقة في خمس عشرة دقيقة على خشبة مسرح الجامعة الأميركية في دبي.

ثم أخذ مجموعة من طلبة النادي الخليجي في الجامعة مكانهم على المسرح ،وعزفوا ألواناً خليجية ثابتة من تراث بلدانهم، ولم تغب القصائد الشعرية الجميلة التي يتألق فيها الخليجي عن مشهد العرض الطلابي على المسرح، فكانت كلماتهم معبرة ولائقة بحفل ثقافي ترفيهي اعتاد الطلبة على اختلاف ألوانهم الإبداع فيه.

وعاد الصخب ثانية بعد الأداء الشاعري للطلبة الخليجيين، وأدى فريق من نادي «سلسا» في الجامعة رقصة إيحائية ممتعة كانت لطالب وطالبة، ثم تناوب الطلبة الأفريقيون مرة أخرى لعرض ما تبقى من تراث وثقافة بلادهم الواسعة بألوانها المتشعبة، وعادت البسمة إلى محيا الجمهور مثلما ارتسمت في قلوبهم فرحة وشاعرية كبيرة.

وأبى بعدها الطلبة السوريون أن يختتموا المشهد الجمالي واللوحة الفنية الثقافية في تلك الليلة من دون تألق معهود، وبلوحات ثلاث أطرب طلبة دمشق وحمص واللاذقية الجمهور ونالوا منهم كل اهتمام، فثار الطلبة صخباً وطرباً ثانية.

السيف والترس كعادتهما لمعا على أضواء تلونت وتداخلت فوق مسرح طربت خشباته الصامتة على جمال الأداء الطلابي في تلك الأمسية السنوية، ثم التفت الدبكة الشامية المصبوغة بشيء من التناغم والانتظام، وتألقت طالبة في غناء منفرد ردد من خلفها مجموعة من الشباب السوريين أغنيات بلدهم القديمة والممزوجة بالقدود الحلبية المعروفة، والتي كانت الخاتمة الملهبة لمشاعر الكثيرين بعد أن شارفت عقارب الساعة على منتصف الليل.

وفي خضم هذه العروض المبهرة شعر الكثيرون، وكأنهم سافروا في تلك السويعات وتجولوا في العالم كله، عاشوا حضارات وثقافات عدة، واستمتعوا بروح من المعرفة مع ألوان عالمية مختلفة، أجواء تشد بفقراتها الجميع، فكل جالية تحاول تقديم ما هو مميز ولافت أكثر من غيرها، تسابقوا في اندماج واستنشقوا رائحة بلدانهم، فحظيت بالفوز جميع مشاركاتهم على الأقل بنظر الجمهور، لأن كل ما فيها جاء كما اشتهى الحاضرون.

بعدها جاء دور لجنة التحكيم التي تكونت من بعض أساتذة الجامعة، والذين رصدوا الأداء الطلابي بكل اهتمام وتوازن ليعلنوا، في النهاية ،النادي الفائز على خشبة المسرح بكل موضوعية، كما يقول الطالب مناف قدور رئيس الهيئة الطلابية المنظمة للحدث.

وأضاف إن النادي الهندي حظي بالفوز بالمرتبة الأولى بعد أن قدم عرضاً شيقاً ومتماسكاً على خشبة المسرح، تمكن خلاله من إلهاب الجمهور استمتاعاً وفرحاً، أما في المعارض المصاحبة للحفل فحاز على المرتبة الأولى فيها النادي الإيراني الذي أظهر تناغماً واضحاً وهادفاً في آلية عرضه لتراث وثقافة بلده.

وعلق قدور على الحدث بالقول :إن أفضل ما يكتسبه الطلبة من مثل هذه المشاركات هو التنظيم اللافت الذي منح الجميع حرية الاستمتاع مع ما يقدم بارتياح، علاوة على التبادل الحي والمهذب للعادات والتقاليد والثقافات المتباعدة، وهو ما يمثل أداة إيجابية في دمج أو جسر الهوة بين الحضارات، وحتى تكتمل الفرحة والمتعة لدى الطلبة وجهت الدعوة إلى عشرات العائلات التي جاءت لتؤازر أبناءها ضمن احتفالية منسقة كلفت عشرات آلاف الدراهم.

* منافسة مبدعي هوليوود

وفق جدولة منظمة لفقرات الحفل الذي تنوعت موضوعاته واهتماماته، تمكن طلبة كلية تكنولوجيا المعلومات بالجامعة من كسر روتين الغناء والرقص الممتع بعرضهم لفيلم ثلاثي الأبعاد أسمه (AUD 101)، جسد الحياة الجامعية لطلبة أميركية دبي، وصور مرافق الجامعة بإتقان لافت، واستغرق عمله أكثر من خمسة شهور تشاركت فيه جهود 25 طالباً وطالبة من دون دعم خارجي.

وهذا العمل كما علق عليه أساتذة تكنولوجيا المعلومات في الجامعة، والذين أكدوا أن هذا العمل يتطلب إمكانيات ومهارات كبيرة حتى ينجز بهذه الصورة، وإصرار وتميز الطلبة وضعهم في موضع المنافسين المستقبليين لألمع مبدعي هوليوود.

* وجهة نظر

في مشهد نطق بالمعاني الكثيرة، شاركت طالبة من الجنسية الأميركية نظراءها الفلسطينيين بدبكتهم التراثية، ثم طلبت منهم تأدية رقصات بلادها الأميركية.

الطالبة الأميركية التي اختارت لنفسها أن تغني وتدبك وتشارك نظراءها الفلسطينيين فيما يفعلون، أكدت أنها جاءت إلى الإمارات ولم تكن تعرف سوى أن الفلسطينيين أناس إرهابيون، نتيجة للضخ الإعلامي الغربي في هذا الجانب، ولكنها وبعد معايشتها للواقع العربي وللطلبة الفلسطينيين تحديداً أيقنت أنهم شعب يختلف عما كان في مخيلتها، فعشقت التعامل معهم، وأرادت لنفسها أن تتعلم ثقافتهم، فكانت المشاركة الفنية المتبادلة بينها وبين طلبة النادي الفلسطيني أداة قوية لكسر ما يسمى بصراع الحضارات

متابعة: عنان كتانة