بون شاسع ذاك الذي يفصل ما بين النظرية والممارسة.. ما بين القيم والمبادئ والممارسات السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية والعسكرية منها.
وهذا ما يفسر بالضبط، حسب رأي مؤلفة الكتاب الذي بين أيدينا، التناقض الجوهري الذي وقع فيه الغرب عموماً حين فضل الظلم والاستبداد على الفوضى والديمقراطية طيلة سنوات الحرب الباردة، الأمر الذي انعكس في دعم الحكومات الغربية للأنظمة الاستبدادية حول العالم حتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، الذي كان المتهم الأول بالاستبداد من قبل الغرب عموماً.
كل ذلك يجري على قاعدة وحدة المعسكر الغربي على ضفتي الأطلسي، حيث يبدو أن التركيز يتم على جبهتين أساسيتين، الجبهة الأولى تتعلق بالحرب ضد الإرهاب والثانية مرتبطة بصحوة التنين الأصفر من غفوته ليطل برأسه وبقوة هذه المرة، مما يترك ظلاله على المكانة الاستراتيجية للعالم الغربي في عالم يموج بالتوترات والاضطرابات.
شهد القرن العشرون قيام العديد من الدكتاتوريات العاتية التي خضعت لها شعوب في أوروبا وآسيا وإفريقيا وأميركا الجنوبية حيث غابت الديمقراطية بشكل شبه كامل.
وباسم «الاستقرار« أظهر الغرب «الديمقراطي» قدرا كبيرا من اللامبالاة حيال الشعوب التي كانت «تنتظر العون وراء الستار الحديدي». لقد فضّل هذا الغرب «الظلم» على «الفوضى» طيلة فترة الحرب الباردة.
وفي خريف عام 1989 انهار جدار برلين «ليكتشف» الفرنسيون أن العاصمة التشيكية «براغ» تقع على بعد ساعة بالطائرة عن باريس ويفهموا بأن السفارة الفرنسية في بولندا كانت قد منعت لفترة طويلة أية علاقة مع «ليخ فاليسا» .
وأنصاره عندما شكلوا نقابة «التضامن» عام 1980. لكن هذا لم يمنع بالمقابل الحكومات الغربية من دعم الدكتاتوريات والأنظمة الاستبدادية.
كان ينبغي لهذا المفهوم السياسي أن يموت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. لكن مؤلفة هذا الكتاب تؤكد بأنه لا يزال سائدا لدى الغربيين «الأوفياء لعاداتهم» إذ أنهم لم يوجهوا أي سؤال لروسيا حول طبيعة الغاز المستخدم في مسرح موسكو الذي كان المقاتلون الشيشانيون قد احتجزوا رهائن فيه عام 2003.
أو حول ما جرى في مذبحة مدرسة «بيسلان» عام 2004، مع استثناء واحد صدر عن الحكومة الهولندية حيال «تحرير» المدرسة بواسطة الدبابات الهجومية وراجمات اللهب.
كما يتم التأكيد ضمن نفس السياق على أن هذا المفهوم السياسي نفسه هو الذي يفسر الموقف المحابي الذي يتبناه الخارج عامة، والغرب خاصة، حيال الصين.
ونفس المفهوم أيضا هو الذي يبيّن أسباب إخفاق «الشراكة المتوسطية» التي تمّ إطلاقها في مؤتمر برشلونة منذ عشر سنوات، إذ وعلى الرغم من المساهمة المالية الكبيرة التي وصلت إلى 21 مليار يورو خلال الفترة السابقة إلا أنه لا تزال النتائج غير موجودة، وهذا يعود إلى حد كبير للمراهنة على الحكومات وليس على المجتمعات وشعوبها.
وإذا كانت الحكومات الغربية قد أظهرت احتجاجها عام 1989 عندما قامت الدبابات الصينية بسحق الطلبة في ساحة تيانانمين في بكين عندما بدا أن هناك تغيراً يجري لصالح الشعوب التي حشدت.
لكن «رياح الحرية» تلك كانت عابرة... إذ أن بلدية بكين نظمت في شهر يناير 2004 عرضا في جادة الشانزيليزيه بمناسبة تدشين سنة الصين في فرنسا، واستثنت من ذلك العرض كل عنصر غير خاضع تماما لرقابتها وبالدعم الكامل من السلطات الفرنسية. وتفسير هذا بسيط وهو أن «الاقتصاد الصيني هو الميدان الوحيد الذي يثير الاهتمام الجدّي لأوروبا».
وبالتالي لا بد من قيام أزمة اقتصادية حادة واضطرابات اجتماعية مهددة يمكن أن تؤثر على الاستثمارات الغربية أو يكون لها نتائج إقليمية إستراتيجية كي تتغير المواقف.
من هنا ترى مؤلفة الكتاب أن المقالات التي بدأت بالظهور في السنوات القليلة الماضية حول «المخاوف» التي تحيط بالنمو الاقتصادي الصيني «هي التي يمكن أن تدفع رجال السياسة إلى «إعادة النظر» بمواقفهم فيما يتعدّى بكثير أي مساس بحقوق الإنسان في الصين.
وما يتم تأكيده أيضا هو أن البلدان الغربية لا تريد، بل ترفض، التدخل في المناطق الخطرة عندما لا تكون مصالحها الأمنية مهددة بشكل مباشر. وهذا مفهوم يتناقض مع الاعتراف بالسمة «الدولية الشاملة» للتهديدات المعاصرة.
إنها بوضوح لا تريد التدخل في إفريقيا. وما زالت حاجة النظام تعتبر هدفاً «أسمى» من مطلب العدالة، وبقاء الحكومات لا يزال أكثر إلحاحا من «بقاء» السكان الذين تقع مسؤولية حمايتهم بالدرجة الأولى على منظمة الأمم المتحدة التي يرد في ميثاقها عبارة «نحن الشعوب»، فأية دولة هي على استعداد كي تجعل من هذا مبدأ تتبناه في العلاقات الدولية؟!
وحدة المعسكر الغربي
عندما قامت الحرب العالمية الثانية عام 1939 هاجر عدد كبير من الأوروبيين نحو الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي. وكان دخول الولايات المتحدة في الحرب عبر عملية الإنزال الشهيرة على شواطئ النورماندي الفرنسية عاملا حاسما في انتصار الحلفاء على جيوش هتلر.
على هذا الأساس يرى العديد من الأوربيين بأنهم مدينون لأميركا ب«حريتهم» ويضيف آخرون وب«أمنهم» طيلة نصف قرن من وجود التهديد السوفييتي (السابق).
لكن هل كان الواقع يعكس ما تبدو عليه الصورة؟ كان الحديث يجري عن الإستراتيجية المشتركة التي تمّ وضعها عند نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 والتي كان هدفها وقف تدهور أوروبا والصعود القوي لأميركا وبحيث يمكن ل«الكتلة» الغربية أن تواجه التحديات المستقبلية.
وكان يتم الحديث كذلك عن «العدو المشترك» وعن «اللحظات الكبرى التي يعيشها حلف شمال الأطلسي» وعن «الصداقة عبر الأطلسي». لكن مثل هذا الحديث كله كان ينسى أو يتناسى كم تعرّض ذلك التحالف الأميركي ـ الأوروبي لمصاعب وعقبات وكم من الأزمات الكبرى، مثل أزمة حرب السويس عام 1956.
وينسى أيضا أهمية الأحزاب الشيوعية في عدد من البلدان الأوروبية، خاصة في فرنسا وإيطاليا، والأحزاب المسيحية، خاصة في ألمانيا، زد على هذا كله صعوبة التعامل مع بعض الحلفاء الأوروبيين وخاصة فرنسا التي كان الجنرال شارل ديجول قد سحبها من البنى العسكرية للحلف الأطلسي عام 1965. باختصار لم تكن وحدة المعسكر الغربي بالقدر المزعوم من المتانة في هذه الأيام.
ثم إن خطب السنوات الأولى للقرن الحادي والعشرين في أوروبا تعيد إلى الأذهان حديث سنوات السبعينات والثمانينات حول «الإمبراطورية الأميركية».
ومن الممكن التساؤل إذا كان الوضع قد تطور كثيرا وعمّا إذا كان زوال الاتحاد السوفييتي وما يمثله من تهديدات قد ترك آثارا مهمة كما يقال. إن أوروبا لم تعد تشعر بأنها مهددة وهي تريد التمتع بثمار السلام.
لكن هذا لا يمنع واقع أن شرائح كبيرة من الرأي العام الأوروبي لم تكن مقتنعة بحقيقة التهديد السوفييتي أو تهديد حلف وارسو طيلة فترة الحرب الباردة.
بل إن الكثيرين كانوا يعتقدون أن مصدر التهديد الحقيقي هو واشنطن. كذلك يوجد اليوم عدد كبير من الأوروبيين الذين يفضلون فلاديمير بوتين على جورج دبليو بوش.
وكان الأوروبيون يعيشون أيضا أثناء فترة الحرب الباردة أشكال خوف متناقضة إذ كانوا يدركون بأنهم لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم في مواجهة موسكو لذلك كانوا يخشون الانسحاب الأميركي، لكنهم كانوا يخشون أيضا جرّهم إلى مواجهة بين واشنطن وموسكو ومن هنا كانت نزعتهم السلمية.
ما يتفق عليه الجميع هو أن أوروبا لم تعد «مركز ثقل» القضايا الإستراتيجية العالمية. لقد انتقل إلى آسيا وكان لهذا الانتقال آثاره الكبيرة. إذ سمح أولا لأوروبا بأن توحد صفوفها بعد عقود من الانقسام، ثم إن مسرح العمليات الرئيسي لم يعد فوق أراضيها، في حالة قيام نزاع كبير، على الأقل في مراحله الأولى.
على صعيد الأمن، ينبغي الاعتراف بأنه كان للعولمة آثارها الكبيرة في هذا الميدان. وقد حددت الولايات المتحدة الأميركية الأولويتين الرئيسيتين لها اليوم في مكافحة الإرهاب الدولي وآسيا.
الإرهاب هو تهديد تواجهه أوروبا أيضا أما الأولوية الثانية، أي آسيا، فإن التحليل المقدّم يقول انه على الرغم من حالة قصر النظر الإستراتيجي لدى الأوروبيين، فإن أية أزمة كبيرة ستنعكس نتائجها سريعا على الأمم الأوروبية.
وينبغي الانتباه إلى أن كبح النزاعات اليوم هو أصعب بكثير مما كان عليه الوضع في القرن الماضي، الذي كان قد شهد مع ذلك ظاهرة عولمة الحروب.
إن التحليلات تتباين اليوم في الغالب حول المسألتين الإستراتيجيتين المطروحتين. ففي حالة الإرهاب الدولي، وبعد اتخاذ موقف موحّد عشية 11 سبتمبر 2001 في مجلس الأمن وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة وداخل الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، فإن المواقف لم تعد هي نفسها.
فأوروبا ورغم التفجيرات التي شهدتها مدريد يوم 11 مارس 2004 وتفجيرات 7 يوليو 2005 في لندن، لا تزال على قناعة بأنها أقل استهدافا من قبل الإرهاب مما هي الولايات المتحدة.
الرادار الاستراتيجي
بالنسبة لآسيا، ما يتم تأكيده هو أن هذه المنطقة الشاسعة «لم يتم تسجيلها بعد على الرادار الإستراتيجي« الأوروبي. وليس هناك ما يدل على ما يمكن أن يفعله الأوروبيون في حالة قيام نزاع في شبه الجزيرة الكورية، هذا على الرغم من أن بعض الأمم الأوروبية، ومن بينها فرنسا، كانت طرفا في الوصول إلى هدنة عام 1953 التي وضعت حدا للحرب الكورية.
ولا يُعرف أيضا ما ستفعله أوروبا في حالة قيام نزاع بين الولايات المتحدة والصين حيال تايوان. الألمان يرون في الصين سوقا هائلة والفرنسيون يرون بها قوة فاعلة رئيسية في العالم متعدد الأقطاب واقتصرت الصين خلال فترة طويلة بالنسبة للبريطانيين على مشكلة هونغ كونغ.
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن تقرير «الاستراتيجية الأوروبية للأمن» المنشور في ديسمبر 2003، لم يأت على ذكر الصين إلا في نهاية الوثيقة وفي إطار الحديث العام عن «الشراكات الاستراتيجية» للاتحاد الأوروبي إلى جانب الهند واليابان.
كذلك تتم في نفس السياق الإشارة إلى دراسة أعدّتها الولايات المتحدة في مطلع هذا القرن حول آسيا عام 2025 والنتائج المترتبة على التطورات الديمغرافية والعسكرية وعلى صعيد الطاقة في هذه المنطقة من العالم. تقدّم هذه الدراسة «سيناريوهات» مختلفة مع الإلحاح على إمكانية حدوث «مفاجآت استراتيجية».
لكن أوروبا تعاني، كما يتم التأكيد، من «حالة عدم فهم» كبير حيال الصين، وبالتالي لا بد من حوار أوروبي ـ أميركي وأوروبي ـ ياباني لإمكانية الوصول إلى تضامن غربي حقيقي في القرن الحادي والعشرين.
العديد من المراقبين في أوروبا وأميركا يبدون قلقهم من ظهور «غربينش: غرب أميركي وغرب أوروبي. وهذا يعود إلى حقيقة أن القوة الأميركية، التي كانت تحمي أوروبا.
بدأت تثير قلقها حاليا، ثم إن أوروبا تريد أن تصبح قطبا اقتصاديا هاما بدون الاهتمام بلعب دور في القضايا الاستراتيجية. وكذلك لكون أن التحليلات الخاصة بالتهديدات التي تثقل على ضفتي الأطلسي لا تتقاطع فيما بينها سوى «جزئيا».
هذا الاختلاف في «الرؤية» يقوم على أساس أزمة أكثر عمقا وهي أن ذروة القوة الأميركية تلتقي تاريخيا مع إعادة توحيد أوروبا؛ أي ما ينبغي أن يترافق مع تبدل للمكانة الاستراتيجية الأوروبية لكن عدم تنامي القوة يبقى عائقا أمام ذلك.
لقد مارست أوروبا خلال تاريخها الطويل الانفتاح على العالم مما جعل منها إحدى الحضارات الأكثر ثراءً. لكن يبدو أنها نسيت هذا التاريخ في نفس اللحظة التي أكملت فيها وحدتها الجغرافية.
أما الولايات المتحدة، فعلى العكس، لا تتوقف عن توسيع منظورها، على الرغم من أن اهتمامها بالعالم لا يعود إلا لنهاية القرن التاسع عشر عندما انتصرت في الحرب ضد أسبانيا وسيطرت على كوبا والفيلبين.
صدمة أميركية
وبعد خروج أميركا منتصرة في حربين عالميتين دفعتها الضرورة للانخراط فيهما، تلقت يوم 11 سبتمبر 2001 صدمة عنيفة وبدا التهديد يقترب بشكل خطير. نتج عن هذا شعور بضرورة التحرك الملحّ.
وبدا أن الدعم الأميركي لأنظمة لا تبحث سوى عن تأمين استمراريتها قد أصبح مصدرا كامنا للخطر وليس ضمانا للاستقرار. لكن الأوروبيين الذين شهدوا العديد من الاضطرابات في قارتهم منذ عام 1989 بحيث إنهم لا يحلمون سوى بالاستقرار في بقية العالم.
لا شك بأن أميركا تمثل اليوم، بنظر أغلبية المراقبين، أكثر قوة تجسد الغرب... وكانت أوروبا تشغل قبل قرن من الزمن فقط هذه المكانة. ويرى خصوم أميركا بأن المسافة التي تفصلها عن أوروبا ليست كبيرة كما يعتقد. فالانجليز يصفون بسخرية المحيط الأطلسي بأنه مجرد «بركة».
وفي الواقع، ورغم التباين الكبير بين الخيارات السياسية والاجتماعية والعسكرية لأميركا وأوروبا، فإنهما تشكلان معا «عالما واحدا» بنظر خصوم الحضارة الغربية المعلنين بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001. وبالتالي ترى مؤلفة هذا الكتاب أنه ينبغي وضع حد للأوهام التي تصف الأوروبيين بأنهم «متقاعدو التاريخ».
وتنقل في هذا السياق عن ليون تروتسكي، الزعيم الشيوعي اليساري المعروف، رغم معارضتها الكاملة لإيديولوجيته، جملة تقول: «قد لا تهتمون بالحرب، لكن الحرب تهتم بكم».
ويتم وصف الولايات المتحدة اليوم بأنها تمارس سياسة أوروبا في الماضي، أي التدخل بشؤون العالم من أجل صياغتها كما تريد، بينما تمارس أوروبا اليوم سياسة أميركا سابقا، أي البقاء داخل حدودها من أجل تطوير النموذج الذي اختارته. هكذا تتبنى أوروبا نظرة «إقليمية» للعالم بحيث ترى في مناطق البلقان وروسيا والبحر المتوسط رهانات استراتيجية بالنسبة لها.
مع ذلك لا تجهل أوروبا بأن أي هجوم تتعرض له على أراضيها أو تتعرض له مصالحها الاستراتيجية مثل التزود بالبترول مثلا، سيكشف لها أن إمكانياتها الخاصة لن تكون كافية للدفاع عنها ولن تستطيع الأمم المتحدة أن تقوم بهذه المهمة الدفاعية.
إن أميركا تتدخل في كل مكان بالعالم اليوم و«غالبا دون معرفته»، كما تؤكد المؤلفة قبل أن تتساءل: «هل تختلف رؤية أميركا عن رؤيتنا فيما يخص المستقبل الغربي؟» «من يعش ير»، كما تختصر إجابتها مشيرة إلى أن هذا سيظهر عند الامتحان الأول. «عندها ربما ستتحقق الوحدة».
مع ذلك تبقى المشكلة الأساسية هي معرفة ما إذا كانت هذه «الوحدة في الرؤية» لن تكون متأخرة جدا؛ ذلك أن الوسائل والعقائد العسكرية ستتطور بطريقة مغايرة جدا بحيث قد لا يمكن العمل معا بفعالية.
ثم إن المقارنة بين حروب الخليج وكوسوفو وأفغانستان والعراق تبيّن تطورا كبيرا على مستوى العقيدة الدفاعية الأميركية، كما تمّ استخدام تقنيات المعلومات على مستويات نوعية وكمية لا يمكن لأي بلد أوروبي زعم التوصل إليها.
وفي الحقيقة أن ميزانيات الدفاع في أوروبا لا تسمح بذلك، والنتيجة هي عدم توفر إمكانية القتال معا وحتى لو جرى اتخاذ القرارات التي تؤكد ضرورة ذلك.
في محصلة التحليل يتم التأكيد على أن العالم الخارجي ينظر للغرب، على ضفتي الأطلسي، على أنه يعيش المشكلة التاريخية لحالة من الانحطاط. فالقارة الأوروبية «القديمة» لعبت خلال قرون دورا استثنائيا في تاريخ البشرية وقد أصابها الإعياء من هذا التاريخ الطويل..
. أما أميركا فإنها تحتفظ بموهبة استثنائية بتطلعها للمستقبل، لكنها الآن بصدد «بسط قوتها بأكثر ما ينبغي على بقية العالم». وبالتالي فإن الانحطاط يهدد هذه الضفة الأطلسية وتلك، ولأسباب متضاربة تماما، أي الانكفاء من جهة والتمدد من جهة أخرى.
لكن الخطر يكمن في القناعة بأنهما يعانيان فعلا من الانحطاط مما قد يجعل شن هجمات على العالم الغربي أكثر احتمالا وأكثر خطورة بنفس الوقت، و«دائما في فترات الانحطاط تسقط أقنعة الخصوم». وتقول المؤلفة: «ينبغي على أوروبا ألا تنسى في هذه المعركة بأن قوة أميركا يرجع عائدها لها أما ضعفها فهو مشترك لنا جميعا».
مفهوم الردع النووي
لا شك بأن الخشية من التدمير، وربما هذه الخشية وحدها، هي التي هدّأت نزوات القادة السياسيين وأعطت لمفهوم الردع دورا كبيرا في درء خطر أي نزاع كوني جديد.
لكن هذا لا يمنع واقع أن العالم اقترب أكثر من مرّة من إمكانية حدوث مجابهة نووية مدمّرة، ربما كان أخطرها أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 عندما اضطرّ الاتحاد السوفييتي (السابق) إلى تفكيك الصواريخ التي كان قد نصبها تحت الضعط الأميركي.
تلك الأزمة التي قال نيكولاي ليونوف، مسؤول الشؤون الكوبية في جهاز الكي.جي.بي آنذاك عند حلّها: «في المرّة القادمة لن نظفر بمثل هذا الحظ السعيد».
لكن يبدو أن البشرية لا تتعلم كثيرا من الأحداث «التي لم تقع». بل إنها بحاجة إلى أخطاء بل وأحيانا إلى معرفة الكوارث كي تسعى لولوج سبل جديدة. كوارث الماضي كانت «محدودة» رغم ضخامتها في بعض الأحيان، كما تشهد هيروشيما وناغازاكي عام 1945.
أما الأمر فقد يكون مختلفا جدا في هذا العصر النووي «بجدارة». ثم لا بد من الاعتراف بأن وجود سلاح ما في ترسانة عسكرية مع عدم استخدامه إنما يشكل بالأحرى الاستثناء وليس القاعدة.
وهناك مؤشرات كثيرة اليوم على أن استخدام السلاح النووي، رغم الحديث عنه بدرجة أقل، قد أصبح أكثر احتمالا في الواقع. فإذا كان الردع يقوم على أساس مركزية القرار النووي، فإن تعددية عدد مالكي السلاح النووي تزيد من أخطار استخدامه. وبكل الحالات قد يكمن الخطر الكبير في اللجوء إلى هذا السلاح الفتاك بفقدان السيطرة على نزاع تقليدي، كلاسيكي.
المثال الذي يتم تقديمه للدلالة على هذا هو النزاع الذي انفجر عام 1999 بين الهند وباكستان في منطقة «كشمير» أي بعد عام من قيام البلدين بتجاربهما النووية، وحيث كان تدخل الرئيس كلنتون، كما يبدو لدى نوّاز شريف حاسما من أجل تجنب كارثة «كانت محتملة».
لابد من التذكير بأن أي استخدام «جديد» للسلاح النووي سيتم في ظروف مغايرة جدا لما قبل عام 1945 حيث كانت هناك قوة وحيدة مجهّزة به وحيث لم يكن هناك صواريخ عابرة للقارات أو ذات مدى طويل.
وفي ظل الانتشار الكبير للأسلحة النووية، بمختلف الوسائل، يحق لنا التساؤل عن العامل الذي يتم تحضيره للأجيال اللاحقة؛ هذا لاسيما بوجود مناطق توتر مستمرة خاصة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا والشرق الأقصى.
وبخصوص الشرق الأوسط تقول المؤلفة ما نصّه: «لا أحد يعرف كيف ستتم إدارة عالم قد يشهد الشرق الأوسط فيه أربع أو خمس قوى نووية خلال العشرين سنة المقبلة، وعددا مماثلا في القارة الآسيوية».
ويتم تحديد قوى الشرق الأوسط ب«إسرائيل وإيران والسعودية ومصر وتركيا وربما سوريا» أما في آسيا فهي «الهند وباكستان والصين واليابان وتايوان وأندونيسيا».
كذلك يتم القول إنه بالنسبة لهذه القوى الأخيرة فإن بعضها مثل «اليابان أو تايوان قد تقوم بتجاربها عبر حواسيب قوية جدا لا تجذب انتباه العالم حيال خرق الالتزامات الدولية.
عن السؤال المطروح: هل الخطر النووي وراءنا أو أمامنا؟ يجيب استراتيجيو الحرب الباردة «إنه وراءنا». بينما يؤكد أولئك الذين يتابعون مسيرة انتشار السلاح النووي. «إنه أمامنا» هؤلاء وأولئك يعرضون «حججهم».
في 26 أكتوبر 1962، عندما قارب العالم دخول حرب عالمية ثالثة بسبب أزمة الصواريخ الكوبية كتب نيكيتا خروتشوف رسالة إلى الرئيس جون كندي جاء في أحد جملها: «إذا لم تقدم الشعوب البرهان على حكمتها، فإن الأمر سينتهي بها إلى الدخول في مواجهة مثل أسماك القرش العمياء، وستبدأ عندها عملية الإبادة المتبادلة».
