تمضي مؤلفة الكتاب في هذه الحلقة في الحديث عن بؤر التوتر المحتملة في العقود المقبلة، فتشدد على أن مضيق تايوان قد يشهد مواجهة ممكنة بين الصين من جهة وتايوان وحلفائها من الأميركيين واليابانيين من جهة أخرى.

ويعترف بعض الضباط الصينيين بأن استرجاع تايوان إلى الوطن الأم يبرر استخدام جميع الوسائل وإن أدى ذلك إلى نشوب حرب عالمية ثالثة. أما الغربيون، فمنقسمون حيال هذه المسألة، فمنهم من يميل إلى الموقف الصيني كالفرنسيين، ومنهم من يرى ضرورة الاعتراف باستقلال تايوان بدون الأخذ بعين الاعتبار احتمال نشوب حرب عالمية نتيجة لذلك.

وتؤكد المؤلفة على أن منطقة مضيق تايوان تعتبر من أكثر المناطق المرشحة في العالم لإثارة نزاع يستخدم فيه السلاح النووي، الأمر الذي ينبغي أن يدفع الجميع إلى التزام الحد الأقصى من التعقل لدى التعامل مع هذه المسألة الدقيقة.

تكمن إحدى نقاط قوة الصينيين في طريقتهم البارعة بالحديث إلى نخب البلدان التي يريدون التقرّب منها. هكذا يردد قادة بكين غالبا في حديثهم إلى المسؤولين الفرنسيين عندما يقولون: »إن تايوان هي الألزاس واللورين في القرن الحادي والعشرين«.

والمعروف أن هاتين المنطقتين بقيتا لعقود طويلة ملحقتين بألمانيا قبل عودتهما إلى »الوطن الأم«. هذا يعني بوضوح على لسان الصينيين التأكيد على ضرورة عودة تايوان ـــ الصين الوطنية ـــ إلى أحضان البر الصيني.

الفرنسيون يدركون جيدا مدى »الهيجان الأعمى« الذي يمكن لهذه القضية الوطنية أن تثيره وتبرره. ثم إن الضباط الصينيين يعترفون صراحة.وحتى الأكثر اعتدالا منهم، بأن استرجاع تايوان يمكن أن يبرر جميع الوسائل بما في ذلك المغامرة بفقدان عدة عقود من النمو الاقتصادي بل وحتى بنشوب حرب عالمية ثالثة.

لكن الغربيين يستبعدون، بل ويرفضون، عند سماعهم ذلك، إمكانية اقتراف مثل هذا العمل الجنوني من أجل جزيرة تمتلك أصلا كل مقومات الاستقلال بوجود رئيس وبرلمان وجيش وأحزاب سياسية.

إن الغربيين، بموقفهم هذا، لا يأخذون باعتبارهم حقيقة تاريخية »تكررت عدة مرّات خلال القرون المنصرمة ألا وهي أنه من النادر أن تنشب الحروب على قاعدة أسس عقلانية.

وتشير المؤلفة إلى أن شوان لاي رئيس وزراء الصين في سنوات الستينات قد استخدم المقارنة بين تايوان والألزاس واللورين أثناء حديثه مع »آلان بريفيت« الوزير الفرنسي آنذاك.

والذي لم يبد أي اعتراض على ذلك، مع أن هناك ما يقال، فتايوان ليست واقعة تحت احتلال أية قوة خارجية، والتايوانيون لا يريدون بأغلبيتهم العودة إلى السيادة الصينية.

هذا ما دلّت عليه بوضوح الانتخابات التشريعية لشهر ديسمبر 2004 عبر التراجع الذي شهده حزب »الشعب أولا« بقيادة »تشين سوي ـــ بيان« الأكثر قربا من الصينيين في الجزيرة إذ خسر 12 مقعدا من أصل الــــ 46 التي كانت له في البرلمان السابق.

كان الأوروبيون هم أول من اهتم بجزيرة تايوان ابتداء من الشركة الهولندية لبلاد الهند ثم الإسبانيون، أما اليابانيون فلم يولوا اهتمامهم بها إلا منذ نهاية القرن التاسع عشر. سكان تايوان هم من الصينيين الذين هربوا منذ أربعة قرون من جور الإمبراطورية واستبدادها.

لكن لم يتم حكم تايوان مباشرة من قبل بكين إلا خلال الفترة الواقعة بين عام 1945 وعام 1949، إذ كانت الجزيرة تابعة لإمبراطورية »ماندشو« منذ عام 1611 وحتى عام 1911.

لكن من الواضح أنه ليس لهذه الحجة التاريخية أهمية كبيرة بالنسبة للصينيين. كمحصلة لهذا الوضع ينظر الغرب إلى تايوان باعتبارها »مسألة دولية« وبالتالي ينبغي معالجتها على هذا الأساس.

ثم إن الاتفاق الدفاعي المبرم بين تايوان والولايات المتحدة قد يحوّل أية مواجهة بين الصين الشعبية وتايوان إلى نزاع عالمي مع إدراك الجميع منذ البداية أن الطرفين يمتلكان السلاح النووي.

ولا تتردد مؤلفة الكتاب في القول: »إن أكبر احتمالات اللجوء إلى هذا السلاح في حرب إنما يكمن في هذه المنطقة«. وبالتالي لا شك بأن هذا المعطى ينبغي منه أن يدفع الجميع نحو أقصى حد ممكن من التعقل عند الخوض بهذه المسألة الدقيقة.

مع هذا لا يرى الغربيون بأن »التعقل« يعني ترك الصين »سيدة اللعبة« وبيعها أسلحة مع رفض بيعها إلى تايوان. على العكس كلما ساد لدى الصين الإحساس أنه باستطاعتها الهجوم على الجزيرة دون أي عقاب ازداد لديها »إغراء« القيام بذلك.

الرأي المرجّح في الغرب هو أن بكين لم تتخلّ أبدا عن استخدام القوة ضد تايوان. وكل ما تتمناه هو أن تتم معاملتها، إذا قررت القيام بذلك، وكأن الأمر يتعلق بمسألة داخلية بحتة، أي بنفس الطريقة التي تعامل فيها الغرب مع روسيا عندما تدخلت روسيا عسكريا في الجمهورية الشيشانية.

ومن الملفت للانتباه أن الصين وروسيا، رغم تباين وجهات نظرهما حيال العديد من القضايا، بل ورغم الحذر »المنطقي« المتبادل، تتفقان تماما حول هذه النقطة.

وقد حافظت الصين باستمرار على استخدام نفس الحجج، مع تباين طفيف في الشكل، حيال تايوان. وعندما كان ريتشارد نيكسون رئيسا للولايات المتحدة أراد الشروع بنوع من التقارب مع الصين، وكان شوان لاي رئيس الوزراء الصيني يردد باستمرار وهو »يعدّ على أصابعه« الشروط المطلوبة لذلك.

وكانت الحجج المتنوعة المقدّمة حيال تايوان تقول ان »حكومة جمهورية الصين الشعبية هي الحاكم الشرعي الوحيد للشعب الصيني« و»تايوان مقاطعة صينية« وبالتالي »تحريرها هو مسألة داخلية صينية« و»لا يمكن القبول بأي تدخل خارجي فيها«.

العودة للوطن الأم

على هذا الأساس يرفض الصينيون مقولة ان »الوضعية القانونية« للجزيرة لم تتم تسويتها، وذلك على اعتبار أنه قد »عادت إلى الوطن الأم« اعتباراً من نهاية الحرب مع اليابان عام 1945، وهكذا »سويت المسألة مرة واحدة وإلى الأبد«.

وهكذا أيضا تعارض الصين بشدّة »سياسة وجود صينان«، أي صين على البر، وصين في البحر »تايوان«، كما تعارض كل مناورة شبيهة بهذه السياسة. وتحمل المعارضة الحازمة نفسها ضد الحركة الداعية لاستقلال تايوان.

وتعتبرها حركة »مفبركة« من الخارج و»مستغلّة« من قبله. بناء على هذا يصرّ الصينيون على ضرورة أن يسحب الأميركيون من تايوان ومن »مضيق تايوان« جميع قواتهم المسلحة ومنشآتهم العسكرية.

وبالتالي يعتبرون معاهدة الدفاع الموقعة بين الولايات المتحدة وتايوان عام 1954 من قبل فوستر دالاس وشيانغ كاي تشيك، بعد مؤتمر جنيف، غير شرعية ولا قيمة لها. وكانت الصين قد أصرّت بأنها لن تنضم إلى منظمة الأمم المتحدة طالما تثار فيها مسألة وجود صين »شعبية« وصين »وطنية«، أي تايوان.

وتؤكد مؤلفة هذا الكتاب على وجود غموض كبير في »الخطاب البلاغي« الذي تبنته البلدان الغربية بعد أن حلّت الصين الشعبية محل تايوان في منظمة الأمم المتحدة. فإذا كانت تايوان هي جزء من الصين، فكيف يمكن الاعتراض على كون أي اعتداء على الجزيرة هو من طبيعة داخلية بحتة؟

لذلك كانت بكين قد اعتبرت باستمرار أن مسألة الاعتراف بتايوان كجزء من الصين هي مسألة حاسمة. ولذلك أيضا لم تعد تطلب من أي زائر أجنبي كبير الانحناء تبجيلا لإمبراطور الصين وإنما أن يردد، ومنذ وصوله إلى المطار إذا أمكن، بعض الجمل حول وحدة الصين.

هذا وعلى الرغم من أن مثل هذا القول أصبح أكثر فأكثر ابتعادا عن الواقع، فإن الجميع تقريبا ينصاعون لممارسة مثل هذه اللازمة »الطقوسية«. وليس مؤكدا بأن هذا، كما ترى مؤلفة الكتاب، يخدم قضية السلام. ذلك أن »الطلاق« بين التصريحات الدبلوماسية والواقع خطير جدا.

فإذا تمّ الاعتراف بتايوان كدولة مستقلة فإن أي استخدام للقوة ضدها سيكون مدانا بالطبع من قبل الأمم المتحدة. وربما كان من الأفضل للمجموعة الدولية أن تكون في موقع يسمح لها بترقب ذلك. في عام 1966 أطلقت إيطاليا فكرة وجود تمثيل مزدوج للصين في الأمم المتحدة اعتباراً من عام 1971.

واعتبارا من عام 1977 حاولت تايوان الحصول على المكانة القانونية نفسها لوجود ألمانيتين ـــ شرقية وغربية ـــ وكوريتين ـــ شمالية وجنوبية ـــ، لكن لم يكن هناك من يريد أن يتراجع عن اتفاق شنغهاي الموقع عام 1972 من قبل ريتشارد نيكسون.

الدور الفرنسي

وكانت فرنسا قد لعبت دوراً رائداً في هذه القضية. إذ إن إدغار فور، الشخصية الفرنسية المعروفة، وبعد مهمة له في الصين، دعا عام 1963 إلى إحلال الصين مكان تايوان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

لكن الجنرال شارل ديجول أشار في مؤتمر صحافي له بتاريخ 31 يناير 1964 إلى أن الصين لا تحترم حياة البشر وحقوقهم الأساسية ولذلك ينبغي عدم مقاطعة تايوان. وهذا لم يمنع ممثل فرنسا في الأمم المتحدة من القول عام 1965 بأن »الحكومة الفرنسية لا تعترف سوى بالدول« وبالتالي ليس هناك تأثير للتبدلات الداخلية على الوضع الدولي لأية دولة من الدول.

وإذا كان الجنرال ديجول يميل إلى نظرية وجود »صينين«، ـــ شعبية ووطنية ـــ فإن الموقف الفرنسي قد تطور وصولا إلى القبول الصريح بـــ »حصر الصلاحيات« المتعلقة بالشأن الصيني ببكين ببيان صدر عام 1994.

وبعد عشر سنوات، وتحديدا بتاريخ 24 يناير 2004 عاب الرئيس الفرنسي جاك شيراك على تايوان »انها نقضت الوضع القائم عبر مبادرة من طرف واحد تخلّ بالاستقرار« وبأنها تتحمل بذلك »مسؤولية كبيرة حيال المنطقة كلها«.

كانت تلك المبادرة هي إجراء انتخابات تشريعية. بل وأسوأ من هذا جرت مناورات بحرية صينية في البحر »الأصفر« شاركت فيها فرنسا.وذلك قبل خمسة أيام فقط من موعد تلك الانتخابات. هذا ما بدا بمثابة »استغلال لفرنسا من قبل بكين«.

ولم يتردد تشين سوي ـــ بيان، الرئيس التايواني، في المقارنة بين هذه المناورات وبين إطلاق الصواريخ الصينية عام 1996 تحذيرا وترهيبا للتايوانيين. وتظاهرت فرنسا بتجاهل التطورات الديمقراطية في تايوان.

بينما غضّت النظر عن حقوق الإنسان في الصين ووصفتها كـــ »قوة كبرى فاعلة ومسؤولة« إلى جانب الإشادة بصعودها »السلمي« القوي. هذا التعبير تستخدمه الدبلوماسية الصينية باستمرار كي تطمئن جيرانها وبقية العالم في الوقت الذي تبني فيه قوتها وخاصة ترسانتها العسكرية.

ويتم التأكيد في هذا السياق على أنه بمقدار ما تحس الصين أنه يمكنها التحرك دون عقاب تزداد مخاطر نشوب نزاع مسلح. أما أسوأ الأخطاء فسيكون في الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لن تتدخل عند ذلك.

وترى مؤلفة الكتاب أن هذا النوع من سوء الفهم لموقف واشنطن من قبل خصومها، كان ذلك هو الخطأ الذي اقترفه صدام حسين عام 1990 وكرره عام 2003. والخطأ الذي اقترفه سلوبودان ميلوسيفتش عام 1999.

وتضيف: »هذا هو أيضا الخطأ الذي يمكن لبكين أن ترتكبه بدورها، خاصة إذا اعتقدت بأنها يمكن أن تفرّق بين الولايات المتحدة وأوروبا حول هذه المسألة الحيوية بالنسبة لها«.

يكثر الحديث هذه الأيام في الغرب عن »صبر« الصين إلى درجة تثير الإعجاب. لكن مؤلفة هذا الكتاب ترى أن »فقدان الصبر« بالأحرى هو الذي يمثل السمة المميزة للصين خلال السنوات الأخيرة على خلفية الإحساس أنه ينبغي الوصول سريعا إلى أهدافها وترافق هذا الإحساس بشيء من »الغطرسة«.

وينتظر بعض المراقبين نشوب أزمة كبيرة خلال عام 2007 أو عام 2008، أي قبل الألعاب الأوليمبية وعند نهاية رئاسة تشين سوي ـــ بيان في تايوان والذي كان قد وعد بقدر أكبر من الاستقلال الذاتي لتايوان قبل نهاية فترة رئاسته وسوف يحاول البرهنة على ذلك.

إن اقتراب موعد الألعاب الأوليمبية في الصين قد يسمح بالاعتقاد أنه يمكن لتايوان أن تقوم بإعلان أو بتبديل في دستورها ـــ مثل إضافة بند جديد حول السيادة ـــ في وقت تبدو فيه بكين بحالة شلل.

وتلوح في الأفق أزمة ثانية، بعد تلك التي شهدها عام 1996، في مضيق تايوان والتي دفعت الولايات المتحدة إلى تحريك إحدى حاملات طائراتها. كان ذلك هو الإجراء الوحيد الحقيقي الذي »غامر« الرئيس الأميركي كلينتون باتخاذه طيلة فترتيه الرئاسيتين.

في هذا السياق تبدو سنوات 2008 ــ 2010 أكثر خطورة، حيث سيكون هناك رئيس جديد للولايات المتحدة الأميركية ستحاول الصين »اختباره« لاسيما إذا واجه الاقتصاد الصيني بعض الصعوبات التي قد تزيد من الاضطرابات الاجتماعية.

وفي سياق من التوترات الداخلية، يمكن للصين أن تقوم بمبادرات خطيرة على مستوى الخارج. وما يتم تأكيده هنا هو أن الغرب يقلل من أهمية الأزمات الداخلية الصينية وأن البؤس قد أصبح لا يطاق بالنسبة لشرائح واسعة من الصينيين، خاصة في الأرياف.

كذلك يتم التأكيد بأن بكين قابلة لاقتراف أخطاء خطيرة على صعيد سياستها الخارجية. هذا ما ينم عنه تبنيها في شهر مارس 2005 لقانون يتيح استخدام القوة حيال تايوان في إطار شروط غير محددة بشكل واضح.

سيناريو أزمة

ثم إن منطقة جنوب شرق آسيا كلها تتخوف من حدوث أزمة خطيرة منذ سنوات. ففي شهر سبتمبر 1997، أضيف بند لمعاهدة الأمن الأميركية ــ اليابانية، يمكن لليابان بموجبه الانتقال من حالة »دفاع سلبي« إلى حالة »المساهمة النشطة« في »القضايا الإقليمية«.

وبفضل هذا البند سيكون بمقدور القوات الدفاعية اليابانية تقديم المساعدات التقنية ــ اللوجستية ــ للجيش الأميركي في حالة حدوث »ما يمكن أن يمس بشكل خطير الاستقرار والسلام حول اليابان«. وبالطبع تشكل تايوان جزءاً من »السيناريوهات« التي تدخل ضمن هذا الإطار.

إن هذا يحدث في سياق تقوم فيه اليابان بتبديل حدود سياستها الدفاعية، وكان قد تمّ تجاوز مرحلة جديدة بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، إذ إن اليابان قد تبنّت ثلاثة قوانين لمكافحة الإرهاب تسمح بإرسال قوات يابانية إلى الخارج حيث توجد نزاعات.

إن قرار طوكيو بإرسال بعض جنودها إلى أفغانستان والعراق للمساهمة في »إعادة الإعمار« يبيّن بوضوح تصميمها على أن تأخذ دورها في جهود المحافظة على السلام، ولكن ترمي أيضاً إلى استعادة موقعها كقوة عسكرية طبيعية بعد خمسين سنة من نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمتها الساحقة فيها.

ومنذ فترة وجيزة أشار مدير وكالة الدفاع اليابانية إلى أنه »من العبث استبعاد تايوان من المحادثات الخاصة بالأمن في منطقة جنوب شرق آسيا«.

كانت هذه هي المرة الأولى التي يعبر فيها مسؤول رسمي ياباني كبير عن موقفه بمثل هذا الوضوح لصالح تايوان بهذه المسألة الدقيقة، وهذا يعني أيضا أن اليابان تولي أهمية كبيرة للاستقرار في المنطقة المحيطة وخاصة مضيق تايوان.

وفي شهر يناير 2003 رفعت اليابان وتايوان مستوى التمثيل العسكري الثنائي بينهما. ثم في شهر فبراير 2005 أكّد بيان ياباني-أميركي بشكل صريح وعلني عن الحماية المشتركة لتايوان ضد أي اعتداء صيني محتمل.

إن طوكيو لا يمكنها في واقع الأمر أن تبقى مكتوفة الأيدي أمام فرضية إغلاق الطرق البحرية بين الشرق الأوسط واليابان لأن ذلك سيكون بمثابة »كارثة« لمصادر تزودها بالطاقة.

الصورة التي يتم تقديمها لتايوان هي أنها بلد ديمقراطي عرف ثلاث عمليات اقتراع رئاسية بالانتخاب العام المباشر وبشكل سلمي، حيث شارك 80 في المئة من التايوانيين بانتخابات 2004، مع وجود 99 حزباً سياسياً مسجّلاً رسمياً.

هذا يعني أن القيم الآسيوية لا تتعارض مع تطور الحريات المدنية مثل حرية التعبير والعبادة، وبالتالي، فإن ما يفصل الصين وتايوان ليس فقط الاقتصاد ومستوى المعيشة وإنما بالأحرى »النهج السياسي«.

لكن هذا لم يمنع الأوروبيين، وعلى رأسهم فرنسا، من رؤية أن »الاختيار الصحيح« يكمن في دعم البلد القوي ولو كان مستبداً.

فكيف يمكن إذن التعرض لموضوع تايوان مع الحفاظ على إمكانيات الوصول إلى تسوية سلمية؟

بلد واحد ونظامان

في معرض الإجابة عن هذا السؤال الجوهري الذي تطرحه المؤلفة في محصلة تحليلاتها عن الوضع القائم في تلك المنطقة من العالم، ترى أن المسألة هي أولاً ذات طبيعة سياسية وبالتالي ينبغي معالجتها في هذا الإطار.

الصين تقول بوجود »صين واحدة« والتايوانيون لا يقبلون أبدا صيغة »بلد واحد ونظامين« مثلما هو الحال بالنسبة لهونغ كونغ. وترى بكين أن إجراء استفتاء في تايوان لتقرير مصيرها خطير بالنسبة لها لأنها تريد دائما المحافظة على القول إن أقلية ضئيلة من أبناء تايوان تريد الاستقلال.

في إطار هذا الوضع المبهم قد يكون من مصلحة الولايات المتحدة أن تذكّر بكين دائما بأنها سوف تتدخل في حال استخدام القوة ضد تايوان، ولكن عليها أيضا أن تعيد الرئيس التايواني تشين سوي ــ بيان إلى الصواب بالقول: »لا تعتقدوا بأن الصين لن تتدخل. وتذكّروا عام 1989 وحركة الطلبة« التي تم سحقها.

المطلوب أولاً هو تجنب دفع الطرفين إلى أقصى المواقف المتطرفة، كما كانت حالة فرنسا وألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى عام 1914. ثم إن غياب الاعتراف الدبلوماسي بتايوان من قبل المجموعة الدولية قد يدفعها إلى اتخاذ مبادرات خطيرة حيث قد ترى بها الصين حركة نحو الاستقلال.

ونظرا للقانون الجديد المناهض لانفصال تايوان الذي أقرّته بكين عام 2005، فإنه لا أحد يعرف ما إذا كان يمكن لتفسير هذه المبادرات أن يجعل الصين ترى أن الظروف قد نضجت للهجوم على تايوان.

على العكس يمكن للاعتراف الدبلوماسي أن يكون بالنسبة لتايوان بمثابة إعلان للاستقلال، وأن يمنع قيام نزاع مسلح. إنه سيثير بالتأكيد أزمة دبلوماسية مع بكين. هكذا يرى التحليل المقدم أن مثل هذا »السبيل الثوري في الشكل« وإنما »السلمي في الواقع« يستحق التفكير به وتفحص إمكانيات تحقيقه، من أجل مساعدة الطرفين على الخروج من المأزق الذي وصلا إليه.

وعلينا أن لا ننسى أن الحرب العالمية الأولى قد قامت على أساس »آلية« وجد رجال السياسة آنذاك أنفسهم عاجزين عن كبحها. ومثل هذه »الآلية« يمكن أن تتكرر اليوم.

وترى المؤلفة أن أوروبا تتحمل مسؤولية أخلاقية كبيرة في هذا المجال لأنها تعرف أفضل من غيرها »المنطق القسري« الذي يقود إلى مجابهات انتحارية. من هنا قد يكون عليها أن تأخد مبادرة للقيام بحملة للاعتراف بتايوان على أساس حجج قانونية ينص عليها القانون الدولي.

لكن الواقع الأوروبي يسير اليوم في منحى معاكس تماما. فرئيس الوزراء الفرنسي أقرّ خلال زيارة رسمية له في شهر مايو 2005 القانون المناهض للانفصال الذي تبنته الصين ضد تايوان.

واليونان، أحد بلدان الاتحاد الأوروبي، لم تسمح في عام 2004 للرياضيين التايوانيين الذين حصلوا على ميدالية ذهبية، برفع علمهم أو بترديد نشيدهم الوطني. فماذا يمكن لهذا أن يعني بالنسبة للصين في أفق الألعاب الأوليمبية القادمة التي ستجري فيها عام 2008؟

الحجج التي يقول بها الكثيرون، وعلى رأسهم أوروبا، لتفسير مواقفهم حيال الصين، عديدة مثل الأهمية المتزايدة للصين على المسرح الدولي، أي الحجة التي يمكن أن تلخصها الجملة التالية: »لا يمكن معاملة الصين مثل زيمبابوي«.

وحجة أخرى تقول بضرورة »تحديث« الروابط مع الصين في أفق الوصول إلى »شراكة استراتيجية تستدعي الخروج من منطق قائم على المكافآت والعقوبات«، كما جاء في نص فرنسي رسمي عام 2004 تحت عنوان »تأملات حول مستقبل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين«.

وحجة ثالثة يتم نادرا الإفصاح عنها جهارا وإنما المعروفة للمهتمين بهذا الملف وتقول بضرورة إعادة موازنة مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان مع مبيعات الأسلحة الأوروبية للصين.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف