بعد أن وضعت الحرب الباردة أوزارها، ساد اعتقاد بأن المشاكل الأوروبية الاستراتيجية قد ذهبت بلا عودة، لكن سقوط الاتحاد السوفييتي خلق أنواعاً جديدة من المشاكل في العلاقات بين ما يسمى أوروبا القديمة وأوروبا الجديدة وحتى بين بعض الملل والأعراق التي شكلت عبر التاريخ جزءاً من هذه المنطقة من العالم.
وتنوع هذه المشكلات الهائل أمر طبيعي في ظل تعدد القوميات والأديان والمصالح على مختلف أنواعها، لكن المشكلة الأساس تكمن، حسب رأي مؤلفة الكتاب، في عدم تخلي موسكو عن التدخل في سياسات البلدان التي كانت منضوية تحت لواء الاتحاد السوفييتي السابق أو البلدان التي كانت تشكل المنظومة الاشتراكية المنحلة.
وتشدد المؤلفة، في هذا السياق، على وجود خلل في آليات عمل الدول الروسية، ترك ظلالاً قاتمة على علاقات الدب الأبيض بجيرانه من دول القارة الأوروبية وكشف بوضوح عن أن الأطماع الامبراطورية الروسية لا تزال حية في ذهن وضمير قادة الاتحاد الروسي.
انتهت «فترة ما بعد الحرب الباردة» مع تفجيرات 11 سبتمبر 2001، كما يُجمع المحللون، لتبدأ مرحلة جديدة لا تزال دون تسمية دقيقة. لكن أبرز معالمها يتمثل في انطلاق دورة عنف جديدة والتعاظم المقلق للتوترات الإقليمية.
ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي، راهنت البلدان الغربية، بمجملها تقريبا، فيما يخص سياساتها حيال موسكو، على أفراد بدلا من المراهنة على إصلاحات عميقة للمؤسسات أو تطوير المجتمع المدني. هكذا ترى مؤلفة هذا الكتاب أن الغرب قد ضحّى بالمبادئ التي تقوم عليها علاقاته الخارجية من أجل الوصول إلى «استقرار» مزعوم على الحدود الشرقية يضمنه القائم على السلطة في الكرملين، حيث المهم هو التفاهم مع «بوريس» أو «فلاديمير» كي يغيب القلق.
وكانت نتيجة هذه السياسة، كما ترى مؤلفة الكتاب، سلبية جدا، إذ لم يعد للغرب أي نفوذ على الأحداث في روسيا. وازدادت بنفس الوقت إمكانية تصدير حالة «عدم الاستقرار» الروسية إلى بقية العالم. وأصبح من الصعب استقراء حقيقة المواقف الروسية، لاسيما في ظل الغموض الذي تتسم به روسيا في ظل قيادة فلاديمير بوتين على وجه الخصوص، ذلك أن الخطاب الخارجي والواقع الداخلي لا يتطابقان. هذا يبرز على السطح عند نشوب أزمة كبيرة مثل الأزمة الأوكرانية الأخيرة عندما حاولت موسكو التدخل صراحة من أجل فوز «مرشحها» في الانتخابات الرئاسية في هذه البلاد.
وترى المؤلفة أن الفترة الرئاسية الثانية تكشف أكثر من الأولى الطموحات الحقيقية لرجال السياسة. هكذا وقبل انتخابات التجديد له لفترة رئاسية ثانية قام فلاديمير بوتين بإزاحة خصومه المحتملين، ليصبح المسؤول الوحيد عمّا يجري في روسيا على صعيدي السياسة الداخلية والخارجية ولم يكن يتردد في معاقبة أولئك الذين يرتكبون الأخطاء حيال نهجه. بنفس الوقت أصبحت أفكاره أكثر وضوحا وإفصاحا عمّا في داخله. وهكذا تبدت إرادته في استعادة أمجاد «الإمبراطورية» جلية في موقفه حيال الأزمة الأوكرانية. ورغم هذا سرعان ما حاولت أوروبا الغربية تهدئة الموقف مع موسكو، بعد موجة احتجاج شديدة ضد تزييف الانتخابات الأوكرانية.
لقد أراد قادة أوروبا الغربية أن تهدأ «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا بسرعة وسعوا خاصة إلى عدم إثارة غضب فلاديمير بوتين، لذلك وفي شهر فبراير 2005، عندما حضر الرئيس الأوكراني قمة الحلف الأطلسي، كان استقبال رؤساء الدول الأوروبيين الثلاثة له أكثر من بارد. فالرئيس الفرنسي غادر القاعة بعد بداية الجلسة والمستشار الألماني لم يقل كلمة واحدة بينما وصف رئيس الوزراء الإسباني الجلسة بأنها لم تكن مثيرة. واعتبارا من ذلك التاريخ، أوعزوا لرئيس المفوضية الأوروبية بأن لا يفعل أي شيء يمكن أن يدعو أوكرانيا للاعتقاد بإمكانية انضمامها ذات يوم إلى الاتحاد الأوروبي.
هكذا بدت حقيقة الموقف الأوروبي وكأنه يدعم «بوتين» الذي يحذر من أوروبا وليس الرئيس الأوكراني المنتخب الذي يتطلع للانضمام لها. كما بدا هذا الموقف أكثر مدعاة للتشوش منذ أن أعلن الرئيس الروسي يوم25 أبريل 2005 بمناسبة خطابه أمام ممثلي الشعب الروسي المجتمعين في الكرملين، وهو الخطاب الذي يوجهه سنويا للأمة، عن انهيار الاتحاد السوفييتي باعتباره «الكارثة الجيوسياسية الأعظم في القرن العشرين».
الامتحان الأوكراني
وترى مؤلفة هذا الكتاب بأن المسألة الأوكرانية شكّلت امتحانا حقيقيا أمام موسكو كي تقبل أن تكون دولة مثل غيرها من الدول وأن تختار بين «الديمقراطية» و«الإمبراطورية» حسب تعبير مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي، إذ لا يمكن الجمع بين هذه وتلك. وما يتم تأكيده أيضا هو أن قسما مهماً من الروس من بينهم العسكريون ورجال الأجهزة السرية، لم يقتنعوا أبدا أن موسكو قد خسرت الحرب الباردة إذ لم يعطهم أحد فرصة خوضها. وبالتالي يرون أن انهيار الإمبراطورية إنما هو سياسي وليس عسكرياً.
وتدل الدراسات الأخيرة على أن نسبة هؤلاء تزداد في الواقع حيث ان 11% من النخب كانت تنتمي إلى الجيش أو إلى الأجهزة السرية في عهد بوريس يلتسين مقابل 25% في عهد فلاديمير بوتين و6.7% منهم كانوا قد تلقوا تدريبا عسكريا مقابل 27% في ظل الرئيس الحالي. باختصار، يبدو أن النخب تقبل بدرجة أقل الاعتراف بالنهاية الدائمة للإمبراطورية الروسية. ثم إن هذه النخب هي التي تحيط ببوتين و«تشير عليه» بالسياسة الكرواتية حيال أوكرانيا وجورجيا وأبخازيا والشيشان، الخ. إن دعم الغرب لمثل هذه السياسة إنما يعني عدم فهمه لدروس التاريخ.
في شهر نوفمبر 2004، ساد الشعور في الغرب بأن مشاهد تاريخية سابقة تتكرر عندما قامت القوات السوفييتية بسحق انتفاضات في بولندا وهنغاريا وتشيكوسلوفاكيا. وفي أوكرانيا بدأت الحركة أولا باحتجاج على فساد النظام القائم ثم أخذت بسرعة منحيً سياسيا خاصة فيما يتعلق بالروابط الوثيقة جدا بين كييف وموسكو التي لم تتردد في دعم نظام «كوشما» المؤيد لها.
وكان رد الفعل الشعبي هو الانتقال من الاحتجاج إلى الثورة مما اضطر المحكمة العليا الأوكرانية إلى إلغاء نتائج الانتخابات «المزوّرة» وأمرت بإعادتها حيث شارك المرشحان المتنافسان بنقاش تلفزيوني عام كسابقة أولى في تاريخ البلاد وذلك للتأكيد أن «رئيس أوكرانيا المستقلة لن تختاره موسكو بعد الآن». لقد انتصر مرشح «الثورة البرتقالية» فكتور يوشنكو الذي أكّد في 5 يناير 2005 قوله في موسكو: سيتم من الآن فصاعدا اطلاع موسكو على خيارات كييف لكنها لن تكون أبدا شريكة بالقرارات التي تتخذها.
لقد استأنف فلاديمير بوتين استخدام الخطاب السوفييتي أثناء الأزمة الأوكرانية. وشجب صراحة في تصريح له بمدينة لشبونة بتاريخ 23 نوفمبر 2004 وجود مراقبين دوليين للانتخابات. وبعد عدة أيام فقط، أثناء زيارة رسمية له للهند، شجب الرئيس الروسي «دكتاتورية» الولايات المتحدة، وذلك على أساس أن مراقبين مماثلين كانوا قد أشرفوا على الانتخابات الأميركية لعام 2004 بطلب من الحزبين الجمهوري والديمقراطي لعدم تكرار الشروط التي تمّ فيها انتخاب جورج دبليو بوش رئيسا عام 2000 وما رافق ذلك من احتجاجات واعتراضات على عملية تعداد الأصوات. في الوقت نفسه، اتهم بوتين أوروبا ب«التشجيع الصريح للمعارضة للقيام بأعمال غير مشروعة وعنيفة».
وفي أنقرة بدا بوتين وكأنه قد فقد أعصابه ليقوم بتخدير أولئك الذين يعطون الدروس من «ذوي القبعات الاستعمارية». لكن سرعان ما أخلت هذه العبارات «العنيفة» المكان لأخرى أكثر «تسييساً». وترى مؤلفة هذا الكتاب بأن العبارات الأولى هي التي ربّما تعبّر عن حقيقة تفكير بوتين من تلك التي يصرح بها وراء «قناع بارد» في الزمن الطبيعي.
وتبقى أوكرانيا رهانا مهما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، حيث تتجه الأنظار إلى الانتخابات التشريعية التي ستشهدها خلال عام 2006. ذلك أنه إذا كانت موسكو قد اضطرت للقبول بفوز فكتور يوشنكو في الانتخابات الرئاسية فإن حمايته وحماية الديمقراطية في أوكرانيا تتطلب أن تكون أوكرانيا «داخل أوروبا» وليس فقط «على تخوم أوروبا» كما ردد آلاف المتظاهرين في بروكسل بتاريخ 22 فبراير 2005. لكن للقادة السياسيين الأوروبيين، بأغلبيتهم، نظرة أخرى إلى الأمور.
مؤشرات أخرى
لم يكن الموقف من الأزمة الأوكرانية الأخيرة، كما تقول التحليلات المقدّمة، سوى أحد المؤشرات البارزة على «التطور المقلق» و«الغامض» اللذين تتسم بهما السياسة الروسية الحالية. هكذا واعتبارا من شهر ديسمبر 2003، الذي شهد الانتخابات التشريعية، اختفت عمليا أية معارضة للنظام، بعد أن كان مجلس «الدوما» - البرلمان الروسي- قد منح السلطات التنفيذية حق إغلاق أية وسيلة إعلامية إذا رأت بأن المعلومات التي تقدمها «مغرضة» و«تحريفية». وتتم الإشارة في هذا السياق إلى مذبحة «بيسلان» التي قُتل فيها عدة عشرات من تلاميذ مدرسة تلك البلدة، حيث تنقل المؤلفة عن «ألكسندر تورشين»، رئيس لجنة التحقيق البرلمانية الروسية حول مأساة «بيسلان» تأكيده بأن «عسكريين روس، بما في ذلك ضباط من رتب عالية قد ساعدوا الفاعلين على احتجاز الرهائن في مدرسة بيسلان، وبأنهم كانوا ـ حتى تاريخ 29 يناير 2005 ـ لا يزالون في مناصبهم».
ما يراد الخروج به من هذا كله هو أن هناك خللا كبيرا في آليات عمل الدولة الروسية. وهذا ما كان له أثره على علاقات روسيا مع الاتحاد الأوروبي في عام 2004. ففي تلك السنة طلبت روسيا تأجيل القمة التي كان يُفترض أن تجمعها مع الدول الأوروبية في لاهاي خلال شهر نوفمبر، بسبب الخلاف الكبير في مواقف الطرفين حول مسائل الحرية والعدالة والأمن الخارجي. لقد اعتبر الروس بأن حقوق الأقليات الروسية في بلدان البلطيق تعادل مسألة حقوق الإنسان في الجمهورية الشيشانية. هكذا بدا بوضوح أنه من الصعب صياغة سياسة قائمة على مبدأ حسن الجوار لتنسيق العمل في المنطقة الممتدة من روسيا البيضاء حتى القوقاز. كما بدا أن روسيا تريد أن تلعب دورا مباشرا في تطور المنطقة، مما يجعل من الصعب اتخاذ مواقف تعاون روسي-أوروبي مشترك في حالة قيام أية أزمة كبيرة. تقول المؤلفة: «بعد 15 سنة من نهاية الحرب الباردة لم يقم بعد حسن الجوار مع موسكو لسبب بسيط هو أن روسيا لم تعترف أبدا بمفهوم حسن الجوار نفسه».
وهناك سبب آخر يتم ذكره كخلفية لطلب روسيا تأجيل قمة لاهاي ويكمن في الضغينة التي كان يحملها فلاديمير بوتين حيال الرئاسة الهولندية للاتحاد الأوروبي، لأنها تجرأت وتساءلت علنا عن الشروط التي قامت بها القوات الروسية بهجومها ضد محتجزي الرهائن في بيسلان في شهر سبتمبر 2004. لقد بدت الطريقة التي تمّ بها الهجوم وكأنها «تحتقر الحياة البشرية مثلما كان الحال في أسوأ لحظات الاتحاد السوفييتي».
ومذبحة «بيسلان» أعادت للأذهان أيضا عمليات التدمير التي شهدتها المنطقة الشيشانية. وبدا أن هذه الحرب قد كان لها عواقب وخيمة على مجمل السياسة والمجتمع في روسيا. فالجنود الروس الذين خاضوا الحرب في الشيشان مارسوا في أغلب الأحيان عند عودتهم إلى روسيا أعمال النهب والسطو وحتى الإجرام. ذلك أنهم كانوا قد أضاعوا في غضون سنوات تلك الحرب «اللاإنسانية» أي حس حضاري لا يهم. بل أصبح الروس العاديون يطلقون عليهم تسمية «الشيشان» لتشبيههم بأولئك الذين كانوا مرغمين على قتالهم. وفي الخلاصة تقول المؤلفة: «إن الشباب الروس فقدوا مرجعياتهم - نقاط الاسترشاد في حياتهم- في وحشية هذه الحرب، كما كان الجيل السابق قد فقدها في أفغانستان».
الانتصار الروسي!
وفي الشيشان ذاتها حيث عانى السكان كل أنواع القهر والضغط طيلة خمس سنوات من الرعب، فإن النتيجة التي أدّى لها «الانتصار» الروسي هي تقوية العناصر الأكثر تطرفا مثل أصلان ماسخادوف، الرئيس المنتخب في ظل رقابة دولية والذي يتم توجيه أصابع الاتهام باغتياله للأجهزة السرية الروسية. هكذا لم يبق عمليا في الساحة سوى المتطرفين من الجهتين وحيث لا تتردد مؤلفة الكتاب في تحميل أوروبا جزءاً من المسؤولية في الوصول إلى هذا الوضع. بل وترى بأنه لا ينبغي على أوروبا أن تندهش إذا جرت أعمال عنف ذات مصدر شيشاني في بلدانها. ثم إن النزاع الشيشاني هو الذي برر الإجراءات التسلطية البوليسية التي اتخذتها روسيا.
وبسبب الشيشان لا يريد قسم كبير من الأقليات الناطقة باللغة الروسية العودة إلى بلادها خشية أن ترى أطفالها على جبهة، العاصمة الشيشانية غروزني. بالمقابل يتزايد عدد اللاجئين من هذه الأقليات إلى أوروبا. وكانت بولندة قد استقبلت 1300 لاجئ عام 2001 ثم 3000 عام 2002 و5300 عام 2003 و7000 عام 2004. وأثناء كل أزمة كبيرة تتزايد أعدادهم بحيث ان بعضهم يقطعون أكثر من 2000 كيلومتر هربا من العنف الذي يضرب موطنهم منذ مطلع الحرب الشيشانية (الثانية) في عام 1999. أمّا الروس فإنهم يتركونهم يرحلون مقابل دفع مبالغ مالية ودون أي أسف لرؤيتهم يغادرون البلاد.
إن السلطة في موسكو، كما يتم تقديمها، لم تعد قادرة على فهم ما يجري في البلدان التي كانت تدور في فلكها منذ فترة وجيزة. وتعود إعادة عدم الفهم هذه إلى الرؤية المتحيّزة جدا التي تفرضها الأجهزة الخاصة على السلطة نفسها وعلى البلاد، وذلك في الوقت الذي كان يكفي فيه قليل من المهارة ومن الذكاء للاحتفاظ بعلاقات جيدة مع بلدان الجوار. فقبل شهر من أحداث أوكرانيا، أبدى فلاديمير بوتين قسوة في المواقف في أبخازيا جعلت مرشحه يلقى الهزيمة في الانتخابات.
وكانت الهزيمة شاملة في جورجيا عام 2003. وبعد عدة أشهر مما شهدته كييف (أوكرانيا) سقط «عسكر علييف»، حليف موسكو خلال ساعات فقط في قرغيزستان. و«أنغوشيا» تعيش حالة غليان. وفي روسيا البيضاء وأوزبكستان تسود حالة من الهدوء النسبي في ظل القمع الشديد ولكن هناك عدة إشارات حول إمكانية حدوث انتفاضات فيهما خاصة في المناسبات الانتخابية، كما حصل في أوكرانيا.
وفي محصلة التحليل، تصل مؤلفة الكتاب إلى القول بأن روسيا قد دخلت في مرحلة التدمير الذاتي، الأمر الذي تعيده إلى «تواضع نوعية النخب الموجودة في السلطة» و«التراجع العميق الذي تبع فشل سنوات التسعينات» وربما أيضا إلى «المآسي الفظيعة التي شهدها القرن الماضي»، ذلك أن هذه «المآسي» لها آثارها وشهودها في كل عائلة وعودة شبح الستالينية لا يمكن تفسيرها كمجرد رغبة في العودة. إن «روح الثأر» هي «أحد الأعراض» في بلاد «جريحة» متقهقرة، فضلاً عن أنها ليست بصدد استرجاع منطقة نفوذها وإنما بصدد خسارة ما بقي من هذه المنطقة. وبالتالي «لم تعد كافية إثارة الخوف لدى الآخرين من أجل بناء دولة قوية».
وما يجري على صعيد آليات السلطة في موسكو اليوم يتم تشبيهه بالطرق التي استخدمها يوري أندروبوف، رئيس جهاز الاستخبارات والرئيس السوفييتي الأسبق، تلك الطرق سمحت بسحق السلطة المضادة، لكنها لم تجلب سوى التخريب. و«روسيا اليوم محكومة بالجزء الأكثر غموضا وفسادا من الأجهزة السرية». ذلك أن الشريحة الأكثر استنارة وانفتاحا على العالم قد جرى استبعادها. وتنقل المؤلفة عن نيكولاي بيتروف، الباحث في «معهد كارنيجي» بموسكو وصفه لآليات إمساك رجال بوتين بالسلطة قوله في شهر ديسمبر 2003: «لقد احتاج فلاديمير بوتين لوقت طويل كي يضع أنصاره إلى جانبه.
كانت المرحلة الأولى المهمة هي تعيين بوريس جريزولوف وزيرا للداخلية وسيرجي إيفانوف، وزيرا للدفاع. وفي جميع الهيئات جرى سرا وضع رجال مخلصين في المناصب الحساسة. لقد تعلموا وتدرّبوا لمدة تزيد على ثلاث سنوات وهم الآن على استعداد لخوض غمار السياسة وعالم الأعمال». وكانت عملية سقوط «ميخائيل خدوركوفسكي» رئيس مجموعة «يوكوس» النفطية الروسية العملاقة والذي كان يجسد الانتقال إلى نوع من السرية الروسية لا تريد أن تكون بعيدة عن عالم الأعمال، فهي أيضا «يجذبها المال» ليصلح السؤال الأساسي الذي يتردد على جميع الأفواه، بعد عقود طويلة من الشيوعية، وهو: من يملك ماذا؟
البيروقراطية الروسية
وتشير المؤلفة في هذا السياق للتدليل على عمق البيروقراطية الروسية الحالية، إلى دراسة جرت في إطار أكاديمية العلوم بموسكو واهتمت بدراسة 3500 سيرة ذاتية لكبار المسؤولين الروس. وأظهرت أن أكثر من نصفهم كانوا يعملون في الأجهزة السرية أو الجيش أو الشرطة. وتقول «أولغا كريستانفوسكايا» صاحبة الدراسة: «يسيطر فلاديمير بوتين بشكل مباشر اليوم على 17 وزارة أساسية. هذا يعني عمليا أنه عندما يتم اتخاذ قرار سياسي، فإن جهاز الاستخبارات الحالي - وريث الكي جي بي- يبدأ بتنفيذه بالاعتماد على النيابة العامة والميليشيات. وفي هذا النظام ليس هناك رؤية لسلطة مضادة». وتضيف في الختام: «إنها آلة قد بدأت عملها، وعندما سيلاحظ الجميع ذلك، يكون قد فات الأوان لإمكانية كبحها».
السؤال الكبير المطروح اليوم هو معرفة من سيحل محل فلاديمير بوتين في أفق الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2008؟ الأمر المؤكد هو أن مسألة خلافته سيتم تحضيرها بدقة من قبل المحيطين بالرئيس اليوم. إن الحديث يتم غالبا عن «سيرغي إيفانونف»، وزير الدفاع، الذي يرى البعض فيه أفضل ممثل لضمان الاستمرارية. لكن «مجهولا» مثل «فرادكوف»، رئيس الوزراء، يعتبر احتمالاً آخر مطروحاً. بكل الأحوال، عندما يتم الاتفاق على مرشح فهذا «ينبغي» أن ينجح، ومهما كانت السبل المعتمدة للوصول إلى ذلك.
فماذا ينبغي على أوروبا أن تفعل لدعم القوى الديمقراطية في هذا الجزء من العالم؟
ما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب هو أن البلدان الغربية، ومنذ نهاية الحرب الباردة، قد فقدت «خبرتها» حيال روسيا، وهي الخبرة التي كانت قد اكتسبتها «بعناء» خلال عدة عقود من الزمن. إن الكفاءة يمكن فقدانها بسرعة أكبر بكثير مما يمكن الحصول عليها. لذلك قد ينبغي على أوروبا أن تعيد بناء خبرتها وتجديدها على أساس التطورات التي شهدتها روسيا ومحيطها منذ عام 1991. ذلك أنه وبعد أن لاح الأمل بتقارب بطيء مع أوروبا، تدل جميع المؤشرات على أن روسيا تبتعد عنها أكثر منذ عامين.
وهذا يشكل مصدر قلق كبير لدى بلدان أوروبا الشرقية، الأعضاء في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2004. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى تقرير صدر عن المجلس الأوروبي في شهر فبراير 2004 وتمّ فيه الاعتراف صراحة بأن سياسة الاتحاد الأوروبي حيال روسيا «لم تكن فاعلة». وقد جاء في ذلك التقرير: «من الواضح أن الاتحاد الأوروبي لم يكن قادرا على تحديد أهدافه بوضوح أو الترويج لقيمه أو الدفاع بفعالية عن مصالحه. إن العلاقات مع روسيا قد تضيع في مسائل إجرائية على حساب أي تقدم حقيقي بالنسبة للمسائل ذات المصلحة المشتركة». هذا وكان الاتحاد الأوروبي قد قرر في عام 1999 تحديدا إستراتيجية مشتركة حيال روسيا، والتقرير المشار إليه لعام 2004 يعني اعترافا واضحا بالفشل.
وترى مؤلفة الكتاب أيضا أنه يلوح في الأفق خطر الوصول إلى تحالف روسي ـ صيني، مع أن هذه الفكرة لا تزال تبدو مستغربة إلا أن للمناورات العسكرية المشتركة التي جرت في عام 2005 والتي ضمّت عمليات بحرية للغواصات دلالتها، ثم إن أي تقارب حقيقي روسي-صيني سيكون له تأثيره على التطورات الداخلية الروسية.
المطلوب من روسيا، من وجهة النظر الأوروبية هذه، هو أن تعترف بنهاية الإمبراطورية لتصبح دولة مثل غيرها من الدول، ولعل نهاية الاتحاد السوفييتي تعطيها فرصة لأن تصبح كذلك. لكن فكرة الديمقراطية ارتبطت في أذهان الروس بحالة الفساد الذي شهدته فترة حكم بوريس يلتسين، ويبدو أن المأساة الروسية لم تكتمل بعد.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف