تواصل المؤلفة في هذه الحلقة من كتابها وضع القارئ في صورة التوقعات التي قد يشهدها العالم خلال السنوات الـ 25 المقبلة وتقدم له الكثير من الأسئلة المفتوحة على كل الاحتمالات في ميدان العلاقات بين الدول وبين القوى السياسية داخل البلد الواحد. لكن السمة العامة لكل تلك الصورة قاتمة للغاية في عيني المؤلفة، التي تتناول بشيء من التفصيل، الذي لا غنى عنه في هذا السياق، موضوعات قد تترك أثراً بالغاً على مستقبل البشرية، بدءاً من انتشار الأسلحة الفتاكة غير التقليدية وإمكانية وصولها إلى أيدي جهات أو جماعات توصف بغير المسؤولة، ومروراً بالقرن الإفريقي المهدد بالتفكك والملف النووي الخاص بالشرق الأوسط، حيث يرجح انضمام المزيد من الأعضاء إلى النادي النووي، وليس انتهاء بملف النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، الذي لا تستبعد المؤلفة بصدده قيام دولة فلسطينية تتعايش جنباً إلى جنب مع الدولة العبرية.
تعود الخشية من رؤية التطور التقني يقلل من سيطرة الإنسان إلى بدايات القرن التاسع عشر. مع ذلك لم تتوقف التبعية للتقنيات عن التعاظم، كما أن هذه التقنيات نفسها تتقدم بإيقاع كبير بحيث قد لا يكون هناك من يستطيع اللحاق به في القرن الحادي والعشرين. وهذا يمثل نقطة ضعف في علاقة الإنسان بالعلم وإمكانية السيطرة عليه. وكانت عملية انفجار مفاعل تشيرنوبيل السوفييتي في عام 1986 ذات دلالة كبيرة حيال خلل هذه العلاقة. لقد حاولت موسكو آنذاك أن تحمل مسؤولية الانفجار للخطأ الإنساني وبالتالي حماية تقنيات المفاعلات الروسية. وإذا لم يكن ممكنا استبعاد الخطأ الإنساني فإنه من الثابت أن الأمر يتعلق بتقنية خطيرة وأن «الخطأ» حيالها قد تجاوز حدود روسيا بكثير ولا تزال آثاره ماثلة حتى الآن.
لكن تبقى الخشية الأكبر والأكثر احتمالية هي التي تتعلق بأخطار التقنيات الحيوية التي تمثل ميدانا يسود الإحساس فيه غالبا بأن الإنسان قد أطلق «عفريتا» لم يعد باستطاعته السيطرة عليه. البرهان على ذلك يكمن في واقع أن فريقا أستراليا قام بأبحاث حول مرض الجدري قد نجح في عام 2003 ـ دون أن يقصد ذلك ـ بتدمير جهاز المناعة لدى فئران كان يجري اختبارات عليها. ويمكن تخيل نتائج مماثلة على البشر. ومن أكبر المصاعب في هذا الميدان عدم قدرة الحكومات على متابعة التطورات الجارية العديدة جدا والمعقدة جدا. لذلك ينبغي على رجال الصناعة والعلماء وضع منظومات السلوك التي تسمح لهم بمتابعة العمل بصورة أكثر أمنا من أجل تجنب وقوع أحداث خطيرة.
وميدان آخر يثير القلق حيال المستقبل هو تسليح الفضاء الذي يبدو أنه لا مفرّ منه في القرن الحادي والعشرين. أثناء الحرب الباردة، كان الفضاء مجالا لـ «مرور» الصواريخ عابرة القارات وللمراقبة والسهر على احترام معاهدات التسلح. واعتبارا من سنوات التسعينات الماضية أصبح الفضاء، مع حرب الخليج الأولى عام 1991، مجالا لعمل الصواريخ والصواريخ المضادة، وبكل الأحوال تؤكد التحليلات المقدّمة أنه يمكن للتقنيات الحيوية وتقنيات الفضاء أن تؤدي إلى أشكال خلل كبيرة وذات تأثير كبير على العالم وخاصة على المجتمعات المتقدمة نفسها ومنظوماتها الأخلاقية إذا لم تتم السيطرة على آليات تطورها.
الإرهاب غير التقليدي
تؤكد مؤلفة هذا الكتاب أن إمكانية القيام بعمليات يتم فيها استخدام أسلحة غير تقليدية هي إمكانية حقيقية خلال العشرين سنة المقبلة وذلك لأسباب عديدة. فأولاً سبق وقامت محاولات من هذا النوع ونجح البعض منها في إيقاع ضحايا مثلما حدث في مارس 1990 بمترو الأنفاق في طوكيو عبر استخدام الغازات السامة وفي الولايات المتحدة عام 2001 بواسطة مادة الأتتراكس. وهناك أيضا تأكيدات صريحة من قبل بعض المجموعات المتطرفة حول رغبتها في الحصول على الأسلحة الفتاكة غير التقليدية، هذا لاسيما وأن الحواجز «التقنية» أمام الحصول على المواد المحظورة تميل نحو التراجع. ثم إن وقائع عديدة دلت على وجود عناصر ذات ميول متطرفة يعملون في المختبرات التي تنتج مواد وأجهزة حساسة. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى العثور على صواعق وجهاز توجيه يحتوي على عنوان مفاعل للأبحاث النووية، وذلك أثناء عملية تفتيش عادية لسيارة بسويسرا عام 2004.
من جهة أخرى قامت عدة بلدان أوروبية، من بينها فرنسا وانجلترا، بتدريبات لمواجهة احتمال تعرّضها لهجوم بأسلحة غير تقليدية؛ الأمر الذي يعني بوضوح أن حكومات هذه البلدان لا تستبعد إمكانية وقوع مثل هذا الحدث. وبالطبع ليس المقصود «حدثا» مثل ذلك الذي شهده مترو طوكيو وقتل 11 شخصا أو رسائل «الأنتراكس» في أميركا التي أودت بحياة خمسة أشخاص عام 2001. إن المقصود هو هجوم غير تقليدي كبير يمكن لضحاياه أن يكونوا بالآلاف. والسلاح الكيماوي هو الأقل احتمالا بهذا الشأن. أمّا السلاح النووي، وإلى حد ما البيولوجي، فهما اللذان يمكن أن يوقعا أعدادا كبيرة من القتلى.
من هنا أصبح الأمن البيولوجي والمعلومات المختبرية والعلمية وإيجاد العلاجات المضادة أو الوصول إلى اختراع لقاحات جديدة بمثابة مكونات لا بد منها في السياسات الدفاعية. إن الولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات في هذا الميدان والاتحاد الأوروبي يحث فرق بحث عديدة لتصور «سيناريوهات» مضادة لأي هجوم بأسلحة دمار شامل.
وكان مارتن ريس، أحد أوائل علماء الفيزياء الفلكية، قد راهن بأنه من الآن وحتى عام 2020 سيؤدي «خطأ ـ بيولوجي» أو «عمل إرهابي ـ بيولوجي» إلى قتل مليون شخص. والاحتمالات متعددة، إذ يمكن لمختبر أن يقترف خطأ في ميدان معالجة المواد يؤدي إلى كارثة ويترك فيروسات أو جراثيم تنتشر في الجو (كما حدث في حالة سفيردلوفسك بالإتحاد السوفييتي عام 1979). ثم إن نموذج إشاعة الفيروسات الإلكترونية القائم اليوم يمكن أن يتحول لإنتاج فيروسات حقيقية.
في الميدان النووي، جرى في عام 2004 التدرب على آليات مواجهة هجوم نووي إرهابي في مقر الحلف الأطلسي ببلجيكا، لكنه لم يثر الكثير من التعليقات. مع ذلك، لم يكن الأمر يتعلق، على عكس زالسيناريوهاتز الأخرى، بسلاح إشعاعي يضم مواد نووية ومتفجرات تقليدية، وإنما بسلاح نووي يمكن أن يسبب قتل مليون شخص منذ اليوم الأول للهجوم. إن مجرد ورود مثل هذا الاحتمال يعطي، على الأقل، فكرة عما يجول في الأذهان، هذا إن لم يكن عن التهديدات التي قد تحملها العقود المقبلة.
إفريقيا تتفكك
من يتحدث اليوم عن نهضة إفريقيا كما كان يتردد خلال سنوات التسعينات المنصرمة؟ لا أحد في الحقيقة. إن السيناريوهات المقترحة اليوم للقارة السمراء هي إمّا شديدة التشاؤم أو تفتقر تماما لأي أمل. فما بين عام 1975 وعام 2000 لم تعرف بلدان إفريقيا جنوب الصحراء أية زيادة في دخل الفرد. وهناك 30 مليون إفريقي مصابون بمرض نقص المناعة المكتسب «الإيدز» من بينهم الكثير من النخب المدنية. ثم إن الحروب قد قتلت أكثر من 6 ملايين من الأفارقة خلال السنوات العشر الماضية. وما بين عام 1970 وعام 1989 غادرت نسبة 72% من الحكومات الإفريقية السلطة في ظروف عنيفة.
وباستثناء جنوب إفريقيا، التي تعرف، مع ذلك، أرقاما قياسية في معدل الجريمة، فإن البلدان التي كانت تبدو «كنماذج» ناجحة إلى هذا الحد أو ذاك «تنهار» الواحدة بعد الأخرى. وكان للأحداث التي شهدتها إفريقيا الغربية، وخاصة ساحل العاج، في عام 2004 دلالة كبيرة على مستوى القارة كلها. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى رأي أصدره مدير معهد الدراسات الثقافية الدولية بجامعة نيويورك وتنبأ فيه بأن القرن الحادي والعشرين سوف يشهد تبدلات هامة في هذا الجزء من العالم. يقول: «إن دائرة النفوذ الفرنسي - في إفريقيا - سيتم احتلالها من قبل نيجيريا، ذات السلطة المهيمنة بشكل طبيعي، وسوف تتسع حدود نيجيريا كي تشمل احتمالا النيجر وبنين وربما الكاميرون». لكن إذا كان مثل هذا الدور يعود لنيجيريا فإنها ليست مهيأة له إلا من حيث حجمها.
إذا كان رأي الباحث الإستراتيجي الأميركي مبالغا فيه، فإنه يدعو على الأقل للتأمل بإمكانيات القيام بإعادة ترسيم للخارطة الإفريقية تبعا لطموحات البعض ونقاط ضعف البعض الآخر. إفريقيا كلها بحاجة للاستثمارات ذات الأهداف المحددة والخاضعة للمراقبة الدقيقة وللبنى التربوية والصحية، لكنها أيضاً بحاجة إلى قوات للمحافظة على السلام. لذلك ينبغي على البلدان الثماني المصنعة الكبرى الثماني أن تدرّب 75 ألف جندي للقيام بعمليات في هذه القارة، كما كانت قد وعدت في شهر سبتمبر 2004. وكانت قوات حفظ السلام هي التي سمحت لعودة الحياة الطبيعية إلى كل من موزمبيق وناميبيا... كما ساهمت أيضا في وقف المجازر بكل من ليبيريا وسيراليون. ولا تزال الأمم المتحدة تحتفظ اليوم في إفريقيا بحوالي 50 ألف رجل.
إن الجميع يعرفون مخاطر الانهيار التي تواجهها إفريقيا تحت كاهل البؤس والفساد والمرض وعدم كفاءة أغلبية الحكومات القائمة. لكن ينبغي عدم قصر مسؤولية ذلك بذلك على الأسباب الداخلية إذ أن الأوروبيين، وبواقع ماضيهم الاستعماري في إفريقيا، يتحملون إلى حد كبير مسؤولية دفع الأمور إلى حالة أسوأ. لاسيما عبر دعم حكومات فاسدة، ولو أنها وصلت أحيانا عن طريق الاستفتاء، إذ يتم غالبا تزوير الانتخابات حيث شوهد مثلا الجيش وهو يحمل معه صناديق الاقتراع في التوغو أثناء انتخابات 2005.
الشرق الأوسط... والملف النووي
إن وجود أربع أو خمس قوى نووية في الشرق الأوسط بأفق عام 2025 ليس مجرد ضرب خيال وإنما إمكانية حقيقية، وفق ما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب. ثم إن مثل هذه الإمكانية، وبعيدا عن أنها تساهم في جعل مفهوم الردع فاعلا وفي تكريس الوضع الراهن، فإن هذه التعددية سوف تطلق دورة من الحذر والانفعالات والمنافسة تصعب السيطرة عليها. ثم هناك إحتمالا كبيرا أن تتدهور العلاقات أكثر بين البلدان العربية وإسرائيل وبين تركيا وإيران. وستكون القوات الأميركية في المنطقة عرضة للتهديد؛ كما أن أمن الأمم الأوروبية سيعاني من الاضطراب بسبب وجود الرؤوس النووية في الشرق الأوسط القريب منها جغرافيا.
أما بالنسبة لإسرائيل، فتقول مؤلفة هذا الكتاب حرفيا: «يمكن أيضا خشية أن تؤدي هذه التعددية في القوى النووية إلى إبادة إسرائيل عاجلا أو آجلا».
إن الشكوك الأكثر مباشرة حول وجود برنامج نووي عسكري تحوم حول إيران وتقوم على أساس 20 سنة من إخفاء أي نشاط نووي ومحاولات متعددة لشراء المواد الانشطارية، التي ترى المؤلفة بأنه «ليس هناك أي تفسير لها في سياق مجرد برنامج مدني». كما أنها لا تجد تبريرا للقيام بعمليات «تخصيب اليورانيوم» ووجود برنامج لتحويل اليورانيوم جرى تفعيله نهاية عام 2004 ثم استؤنف بعد فترة توقف قصيرة في شهر أغسطس 2005. كذلك تتم الإشارة هنا إلى أن ما كشفت عنه ليبيا حول نشاطاتها النووية قد بيّن وجود شبكة للبيع السري كانت إيران قد استفادت منها.
ولا يُعرف بالتحديد اليوم المكان الذي توجد فيه التجهيزات المكرّسة لتخصيب اليورانيوم. لكن ربما لم يعد ينقص إيران سوى المواد الانشطارية للحصول على السلاح النووي. ضمن هذه الشروط قد تكون هناك مواقع سرية تحتوي على الأعتدة ـ وربما على المواد النووية ـ لم يتم التصريح بها وليست معروفة من قبل أجهزة الاستخبارات مما يجعل من الصعوبة بمكان المعرفة الدقيقة للمدى الذي وصلت إليه إيران في برنامجها النووي. لكن بكل الأحوال، فإن نشاطاتها غدت موضوع اهتمام الأوروبيين والأميركيين والروس وبلدان المنطقة نفسها أيضا؛ خاصة فيما يتعلق بمسألة الهيمنة.
ويتم التأكيد في هذا السياق على أن وقوع منطقة الشرق الأوسط كلها في إطار مدى الصواريخ الإيرانية لا بد وأن يثير قلق أكثر من عاصمة. وفي مثل هذه الظروف فإن السؤال المطروح هو: ما الذي يمكن أن تفعله قوة مثل تركيا، خاصة في سياق تنامي النزعة القومية التركية؟ الإجابة المقدمة تقول إن تطور الشرق الأوسط في مثل هذا الاتجاه يعني أنه قد يفلت سريعا من أية إمكانية للسيطرة. من هنا فإنه عندما يتم تقديم الجهود الكبيرة التي يقوم بها الغرب لكبح البرنامج النووي الإيراني إنما يتم على خلفية إستراتيجية ومستقبلية. هنا أيضا يتم التحذير بأنه لا ينبغي إهمال العلاقات التي تقيمها بلدان عديدة في الشرق الأوسط مع كوريا الشمالية مع الحديث عن احتمال تحالف ممكن بين إيران والصين وفي ميادين أكثر حساسية من ميدان النفط.
الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي
القراءة المستقبلية الأولى التي يتم تقديمها بهذا الشأن تقول بإمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة خلال السنوات العشر القادمة. لكن لا شيء يشير إلى أن نهاية العنف قادمة في غد قريب. مع ذلك، يتم تحديد ثلاثة شروط أساسية لإحراز تقدم حقيقي. الأول هو أن تقوم الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بالضغط، كل منهما على المعسكر الذي لها نفوذ فيه. فعلى الولايات المتحدة أن تبدي موقفا حازما حول مسألة المستعمرات وعلى الأوروبيين ألا يغذوا لدى الفلسطينيين الأمل العبثي بأن تل أبيب ستوقع نصا لاتفاق تعدّه المجموعة الدولية. ثم إن أوروبا تمتلك أفضل موقع المشاركة، بشكل كبير، في صندوق التعويض الخاص باللاجئين، الذين لن يحصلوا أبدا على حق العودة إلى الأراضي التي تقوم عليها إسرائيل.
الشرط الثاني هو أن تقوم بلدان المنطقة، وخاصة مصر بدعم مسيرة السلام، لاسيما وأن الاستقرار في قطاع غزة أساسا يصب في التوجه الذي تسعى إليه مصر ويتماشى أيضا مع مصلحتها. أمّا الشرط الثالث فهو أن يقتنع الطرفان المعنيان بضرورة التقدم نحو إقامة دولتين. وفي المحصلة يمكن القول إن حظوظ رؤية دولتين جنبا إلى جانب في أفق عام 2025 قائمة، لكن تجربة الماضي تدفع بالأحرى نحو «التعقل» وعدم التفاؤل كثيراً.
تركيا وأوروبا
يفترض أن تصل، في مدى العشرين سنة المقبلة، المفاوضات التي شرعت بها أوروبا مع تركيا في خريف 2005 إلى دخول هذه الأخيرة للاتحاد الأوروبي. لكن أسوأ «السيناريوهات» يتمثل في أنه بعد كل هذه السنوات الطويلة من المفاوضات، فإنه حتى لو جرى التوصل إلى التصديق على عضوية تركيا، إلا أنه قد يتم رفض هذا القبول من قبل استفتاءات شعبية أوروبية أو لا تصادق عليه البرلمانات المعنية. مثل هذا الاحتمال ستواجهه ردود فعل قوية معادية للغرب في تركيا، ولقد شهد عام 2005 شيئا منها عام 2005 أمام تردد الأوروبيين. ثم إن الحكومات الأوروبية قد انخرطت في المفاوضات دون العودة لشعوبها أو لبرلماناتها.
إن المسألة الحقيقية التي تطرحها تركيا على القارة الأوروبية «القديمة» تتعلق بهويتها وبحدودها. لذلك لا يمكن معالجتها بخفة. فمن جهة، جرى تقديم الوعود لتركيا منذ عام 1962، حيث دخلت هذه البلاد في تحالف استراتيجي مع الغرب وكانت عنصرا أساسيا في المعسكر المناوئ للاتحاد السوفييتي طيلة فترة الحرب الباردة. والغرب مدين لها بهذا الموقف، لكن الكثيرين ينسون ذلك. ثم إن تركيا قامت بإصلاحات كثيرة وأعدّت دستورا جديدا آملة بأن يتم الاعتراف بها من قبل أوروبا. كذلك يتعين على أوروبا أن تدرك بأن تركيا معتدلة ومؤيدة للغرب وديناميكية ستكون بمثابة مثال قد يُحتذى به في العالم الإسلامي.
هذه الحجج لها وزنها لصالح دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. لكن عقبات كثيرة لا تزال تكبح أي تقدم في هذا الاتجاه خاصة فيما يعتبره مناوئو تركيا عدم كفاية الجهود التي تبذلها في مجال حقوق الأقليات والنساء وموقفها حيال القضية القبرصية. أمّا الأوروبيون فإن الكثيرين منهم يطرحون السؤال حول تحديد هويتهم عبر العلاقة مع تركيا. فهل أوروبا هي مجال يحدده التاريخ والجغرافية أم أنها منطقة للسلام الديمقراطي تلتزم بتطبيق المعايير التي جرى تحديدها في إطار معاهدة كوبنهاغن.
ويرى آخرون أن الموقف الأوروبي فيه الكثير من النفاق، إذ ما معنى الدخول في مفاوضات تستمر سنوات ثم قد يتم رفض قبولها باستفتاء شعبي، لاسيما وأن الدستور الأوروبي نفسه يفرض إجراء مثل هذا الاستفتاء الشعبي، أي أن أفق أية عملية توسيع جديدة تتعدّى البلدان الخمسة وعشرين حاليا، يتطلب موافقة الشعوب الأوروبية المعنية، خاصة بالنسبة لتركيا. ويمكن للأتراك، بحق، أن يعتبروا هذا بمثابة السخرية منهم. وهذا يعني أنه يجري تحضير أزمة كبرى في أفق عشرين سنة مقبلة عبر عملية هروب إلى الأمام... وعملية هروب «واعية».
نهاية باكستان
غيّرت المشكلة الإستراتيجية التي تطرحها باكستان من طبيعتها منذ أن شرعت هذه البلاد بالقيام بتجارب نووية عام 1998 حيث اعترفت السلطات الباكستانية بوجود شبكة نووية سرية يقودها «أبو» القنبلة النووية الباكستانية عبد القدير خان.
المسألة المطروحة في هذا السياق تتعلق، كما تقول التحليلات المقدمة، خلال العشرين سنة القادمة، بإمكانية تفكك البلاد وما يترتب على هذا من مشاكل بالنسبة للأمن الإقليمي بل ولما هو أبعد منه بكثير. في عام 2025، يرى الخبراء بأن السلطة ستبقى على الغالب بيد العسكريين، وحتى لو تم اغتيال الجنرال مشرّف فإن جنرالا آخر سوف يخلفه على رأس السلطة.
لكن بالمقابل يتم القول بأن «الميثاق» القائم واقعيا بين السلطة والإسلاميين الباكستانيين قد ينقلب ضد هذه السلطة، لاسيما وأن هناك تقدما ملحوظا للأكثر راديكالية من الحركات الإسلامية السياسية في أغلبية المحافظات، مما يُضعف النخب الباكستانية التي يمكن لأية سلطة حديثة أن تعتمد عليها. هذا خاصة إذا أظهرت إسلام اباد عدم قدرة متزايدة في السيطرة على منطقة بلوشستان، الأكثر فقرا بين المناطق الباكستانية والتي كانت قد شهدت انتفاضة في سنوات السبعينات الماضية وحيث هناك بعض المؤشرات اليوم عن إمكانية حدوث أزمة جديدة قد تكون عواقبها الإستراتيجية أكثر خطورة مما كانت عليه قبل ثلاثين سنة. ثم ينبغي على السلطة الباكستانية التوصل إلى حل لمشكلة كشمير لاسيما وأن علاقاتها مع الهند هي باستمرار مزيج من التوتر والحوار «المجهض». ولا شك بأن الهند ستسعى لعدم ترك الاضطرابات تنتقل إلى أراضيها، وخاصة في منطقة البنجاب. هذا يعني أن أي تفكك لباكستان قد يؤدي إلى مواجهة كبرى.
قرن من الخوف
بالإضافة إلى التهديدات السابقة، هناك تهديد خطير آخر يتمثل في احتمال مواجهة صينية ـ أميركية حول تايوان. وفي عام 2025 يمكن لمثل هذه المواجهة أن تكون قد انفجرت أمام دهشة الأوروبيين الذين لا يريدون حتى تصور ذلك. كما أن رد حلفاء الولايات المتحدة، خاصة في أوروبا، لا يزال طي المجهول. أما اليابان فقد عززت علاقاتها مع واشنطن وأعلنت في شهر فبراير 2005 بأنها لن تبقى مكتوفة اليدين في حالة نشوب نزاع بين الصين وتايوان. وقد شهدت بكين مظاهرات عنيفة معادية لليابان كرد على مثل هذه التصريحات. أما كوريا الجنوبية، فلها علاقات متنامية مع الصين. وروسيا قد تحاول البقاء على الحياد حتى لو كان انتصار بكين قد يصبح مصدرا لمشاكل لاحقة مع موسكو في سيبيريا الشرقية.
من جهة أخرى، لا يمكن استبعاد فكرة أن تكون المنطقة زاخرة بالأسلحة النووية بوجود اليابان والكوريتين، الشمالية والجنوبية، أو كوريا الموحّدة واندونيسيا وماليزيا. لذلك لا بد من الاستعداد لمواجهة أي احتمال بالمواجهة وتحضير «سيناريوهات» مع الأطراف المعنية.
كما يمكن ومن المنظور المستقبلي نفسه تصور قيام «حروب خاطفة» خلال القرن الحادي والعشرين، إذ لا شك بأن الصين ستضع كل إمكانياتها لإحراز انتصار سريع ضد تايوان بحيث تضع العالم كله أمام الأمر الواقع بدلا من أن تجد نفسها مضطرة لمواجهة الولايات المتحدة واليابان وتايوان مجتمعة. ثم إن اهتمام بكين بالحرب الخاطفة جعلها تدرس بعناية فائقة العمليات العسكرية الأميركية منذ حرب الخليج عام 1991.
وسيشهد القرن الحادي والعشرين أيضا ظهور قوى جديدة مثل الهند التي ينبغي تأمّل تطور علاقاتها مع الصين بعناية. وكانت الهند قد تقاربت مع موسكو خلال فترة الحرب الباردة على قاعدة وجود خصم مشترك هو الصين. لكن منذ سنوات تسعى بكين ونيودلهي إلى التقارب. مع هذا يمكن القول إجمالا إن العلاقات بين البلدين الأكثر سكانا في العالم صعبة التحديد مسبقا، لكن مواجهة بينهما تبقى محتملة في المستقبل. وهناك «سيناريو» في أفق عام 2025 يقول بأن الصين التي قد تعاني من الضعف اقتصاديا واجتماعيا يمكن أن تدخل في مواجهة مع الهند التي ستكون أكثر ثقة بنفسها مما هي عليه اليوم. ويمكن لموارد الطاقة أن تلعب دور الصاعق.
في المحصلة، يبدو أن العالم يشهد اليوم عودة أشكال الخوف الكبرى للعصور الوسطى وهو في مطلع القرن الحادي والعشرين. إذ يبدو الأفق ملبّدا في العديد من المناطق. والكثير من التوترات الحالية قد تتطور إلى مجابهات مفتوحة.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف