العالم ينفلت من عقاله والسبب هو آخر ما توصل إليه الإنسان في ميدان العلم والتكنولوجيا الجديدة غير المسيطر عليها جيداً، مما ينذر بنشوب مواجهة عالمية من نوع جديد قد تتخطى ما كان عليه الوضع في ظل الحرب الباردة.

في هذا السياق الاستراتيجي تقوم مؤلفة الكتاب بتحديد ثلاثة رهانات يمكن للبشرية مواجهتها خلال العقود الثلاثة المقبلة: استمرار الحرب ضد الإرهاب على أشدها سواء بصيغتها الحالية أو بصيغ أخرى مماثلة، انتشار أسلحة الدمار الشامل.

وإمكانية ظهور قوى نووية جديدة في العالم، تطور العلاقات الصينية الأميركية وطموحات التنين الآسيوي الواقعية بأن يحل محل الاتحاد السوفييتي السابق ويلعب دور القوة العظمى المواجهة للغطرسة الأميركية حول العالم.

المؤكد أن أياً من تلك الرهانات لا يقدم أي إجابات شافية عن الأسئلة الكبيرة المطروحة حول مستقبل الإنسان، مما يترك الباب مفتوحاً على جميع الاحتمالات.

يقول الشاعر الألماني هنريش هاينة في كلمة له: «إن الفكر يسبق العمل كما يسبق البرق الرعد». وهناك دائما في الحاضر بعض الإشارات التي قد تسمح بإلقاء نظرة على المستقبل. وكان التعرف على هذه الإشارات أحد أكبر الفنون لدى اليونانيين القدماء وخاصة عندما كان ينبغي اتخاذ قرارات هامة.

لكن لا يمكن ولوج سبل هذا الفن بالنسبة لأولئك الذين فقدوا القدرة على التذكر. ذلك أن الماضي بالنسبة للإنسان مثل كتاب مفتوح والرابطة مع الأجداد تحميه.

لكن يبدو أن العالم يمر اليوم بمرحلة جديدة تتميز بعدم إمكانية الإنسانية الاعتماد على حكمة القدماء التي تجهلها ولا على وعود المستقبل التي لم تعد تؤمن بها. إنها محصورة بين جدارين هما وزن التاريخ وقلق المستقبل، هكذا أصبح الزمن يسحقها بدلا من أن يحررها.

إذا كانت بدايات القرن العشرين قد شهدت ولادة الأيديولوجيات، فإن نهاياته شهدت اندحارها، إذ أصبحت تثير الحذر منها وليس الحماس لها. هكذا أصبح من الصعب أكثر تعبئة البشر حول فكرة الحرية في القرن الحادي والعشرين.

كما أن ذاكرتهم أصبحت «قصيرة» بحيث إنهم لا يحبون الحديث عن الماضي أو الاستماع لدروسه، وفي الوقت نفسه تتضاءل مسؤوليتهم حيال الحاضر والمستقبل، كما أن المفكرين والاستراتيجيين يقدمون «قراءات» متنافرة حول آفاق التطور الممكنة وحيال ما ستؤول إليه أمور عالم الغد.

وكانت نهاية الحرب الباردة قد شجعت ازدهار الدراسات حول العالم الجديد أو النظام العالمي الجديد أو كونية الليبرالية أو صدام الحضارات. لكن الطائرات التي انقضّت على برجي التجارة العالمية في نيويورك يوم 11 سبتمبر 2001 ودمرتهما وتدمّرت هي ومن فيها ألقت الشكوك على كل المقولات السابقة.

إن ما جرى في ذلك اليوم أظهر إمكانية حدوث «مفاجآت استراتيجية» على قاعدة «سيناريوهات غير مسبوقة». وإذا كان من الصحيح القول إن مفهوم «الهجوم المباغت» كان موجودا في أجواء الحرب الباردة وكان هو أكثر ما تخشاه القيادات، إلا أن ذلك الذي شهده يوم 11 سبتمبر 2001 قد جاء في السياق الذي لم يكن ينتظره أحد.

وإذا كان من الصعب استقراء ما ستكون عليه الأوضاع بعد أشهر في منطقة الشرق الأوسط أو جنوب آسيا أو في الشرق الأقصى فإنه يمكن القول بوجود حالة من الجهل الكامل بشأن ما سيكون عليه العالم بعد عقدين من الزمن أي عام 2025.

رهانات ثلاثة

تنقل مؤلفة هذا الكتاب عن الكاتب الروسي الكبير دوستويفسكي قوله: «لن يتخلّى الإنسان أبدا عن الألم الحقيقي، أي عن التدمير والفوضى».

إن مثل هذا القول قد يصح أيضا حول المستقبل، ذلك أن البشر يسيرون غالبا باتجاه أفكارهم. والأفكار السائدة اليوم دفعت «مارتن ريمس»، أستاذ الفيزياء الفلكية في جامعة كامبردج، إلى القول في كتاب أخير له حمل عنوان:

«هل هذا هو قرننا الأخير»، بأن المستقبل مهدد بقوة من تطور التكنولوجيات الجديدة غير المسيطر عليها جيدا أو التي يتم استخدامها لغايات إرهابية. وهو يؤكد بشكل خاص على المخاطر المترتبة على التكنولوجيات الحيوية (البيوتكنولوجيات).

ويحذر أيضا من الهشاشة المتعاظمة لعالم أصبح مربوطا بصورة متزايدة بشبكة الانترنت، حيث يمكن للخلل في المنظومات الفرعية أن يكون له نتائج خطرة على المنظومة الشاملة كلها. ولا يرفض «مارتن ريمس» إمكانية نشوب مواجهة عالمية جديدة قد تذهب في اتجاهات شتى أكثر مما كان عليه الأمر في ظل الحرب الباردة، ذلك أنه لم يعد هناك أي مركز للسيطرة.

ويشير في الإطار نفسه إلى أن الجانب الدفاعي يتقهقر بينما يتم التركيز أكثر على وسائل الهجوم في السباق الجاري نحو التسلح. هذا التشخيص المتشائم .

ومختلف السيناريوهات المقدمة جعلت الآخرين يطلقون على «مارتن ريمس» لقب «صاحب نبوءة نهاية العالم»، الأمر الذي لا يحول دون إمكانية تقسيم تحليلاته بالطريقة «العلمية» التي يتحلّى بها من موقعه الأكاديمي الرفيع.

وعلى هذا كله ترد المؤلفة بالقول: «لحسن الحظ لا يتبع التاريخ غالبا الخطط الدقيقة المرسومة، فالحظ يلعب دورا كبيرا في مسيرته».

وبالاعتماد على معطيات الحاضر تقوم المؤلفة بتحديد إمكانية مواجهة ثلاثة رهانات عامة. الرهان الأول هو أن يبقى النضال ضد الإرهاب الدولي على أشدّه حتى عام 2025، إما بصيغته الراهنة أو بصيغ أخرى مماثلة. ذلك على أساس أن النهج الذي يتبعه الإرهاب اليوم مرشح للاستمرار على المدى الطويل.

هذا ما اعترف به صراحة تقريبا الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش نفسه عندما قال أمام ندوة للجمهوريين الأميركيين في نيويورك نهاية شهر أغسطس 2004 ما يلي:

«لا أعتقد أنه بالإمكان الانتصار في هذه الحرب، لكنني أعتقد أنه يمكن خلق الشروط من أجل جعل أولئك الذين يستخدمون الإرهاب كوسيلة يحظون بمصداقية أقل في بعض مناطق العالم». وكانت الولايات المتحدة قد قارنت الحرب ضد الإرهاب بالحرب الباردة بسبب بعدها الأيديولوجي والزمن الطويل المطلوب لوضع حد لها.

إن الأمر يتعلق كثيرا بصراع الأفكار، هذا بالإضافة إلى أن الإرهابيين على قناعة ثابتة بأن الزمن يشكل «أفضل أوراقهم الرابحة» في مواجهة خصومهم، لذلك يتحلّون بدرجة عالية من الصبر.

حرب حياة أو موت

هذا الصبر هو بالتحديد ما يفتقده الغرب الذي يريد أن «يتخلص بسرعة» من الذين يستهدفونه. إنها حرب، بل حرب حياة أو موت، بالنسبة لأولئك الذين يشكلون أطرافها.

وهذا ما يعلنونه صراحة؛ ففي الماضي كانت الحركات التي تتبنى الإرهاب ترفع شعارات محدودة وذات طابع وطني أو قومي و«واقعية» إلى هذه الدرجة أو تلك، أمّا اليوم فالمطلوب هو تغيير صورة العالم القائم. وبالتالي تصفهم المؤلفة بأنهم «ثوريون أصيلون مثل الفوضيين في القرن التاسع عشر أو البلاشفة الروس»

. ثم إن رفعهم لشعارات «طوباوية» يشكل عاملا في «نجاحهم» مثلما كان الحال في القرن الماضي. وهم يعرفون كيف يتوجهون إلى المخيلة وإلى الانفعالات أكثر مما يعرف السياسيون الموجودون في السلطة عمل ذلك.

وتشير مؤلفة الكتاب، في هذا السياق، إلى القدرة الاستثنائية على التأقلم وعلى إعادة البناء التي تتمتع بها الشبكات المعنية ونفوذها الكبير لدى أجيال الشباب في العالم الإسلامي، إذ بعد مئات الاعتقالات في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا .

وبعد آلاف القتلى في أفغانستان فإن قدراتهم على التجنيد لا تزال عالية، وهذا ما نخلص منه إلى النتيجة التالية: «ينبغي الاعتراف أن الإرهاب سيكون موجودا أيضا بعد عشرين سنة إذا بقيت قدرة التجدد مثلما هي عليه اليوم».

من جهة أخرى، إذا كانت القرارات الجديدة التي اتخذتها البلدان الغربية في ميدان الاستخبارات والقضاء والشرطة هي قرارات حقيقية منذ عام 2001.

والتعاون الأميركي-الأوروبي أكثر فاعلية، فإن نقطة الضعف الكبرى التي يعاني منها المعسكر الغربي يتم تحديدها بتلك التي تظهر في «معركة الأفكار»، لاسيما في ظل وجود هامش «نسبي» كبير لحرية التعبير في المجتمعات الديمقراطية يتم توظيفه من قبل الداعين للعنف .

وحيث كانت بريطانيا قد لجأت أخيرا إلى الحد من هذا الهامش بعد تفجيرات «مترو الأنفاق» في لندن الأخيرة. وتندرج في هذا الإطار مشكلة «الهجرة» في البلدان الأوروبية بشكل خاص، ذلك أن الولايات المتحدة تواجه فيضا من المهاجرين القادمين من بلدان أميركا اللاتينية.

ثم هناك واقع أن الأميركيين قد قبلوا دائما فكرة أن المهاجرين يذهبون إلى الولايات المتحدة كي يصبحوا مواطنين أميركيين - هذا ما عبّر عنه بشكل رائع المخرج الأميركي ذي الأصل الأرميني إيليا كازان في فيلمه الشهير «أميركا، أميركا» -.

أما في أوروبا فيتم النظر إلى المهاجرين كيد عاملة مؤقتة، لكن الكثيرين منهم أقاموا وتجنّسوا بجنسيات البلدان التي يعيشون فيها، دون ترحيب كبير بهم، لا بل والمطالبة أحيانا بترحيلهم «قسرا».

الرهان الثاني الذي قد تنبغي مواجهته يتعلق بانتشار أسلحة الدمار الشامل. وإذا كان ممكنا النظر بعين متفائلة لتوقعات كبح انتشارها بعد أربع سنوات من انهيار الاتحاد السوفييتي، فإن الأمر قد اختلف تماما بعد عشر سنوات.

فبعد النجاحات الحاسمة في النصف الأول من عقد التسعينات الماضي بدأت الإخفاقات تتوالى اعتبارا من عام 1996، أي منذ تاريخ انتهاء المفاوضات في مؤتمر نزع التسلح بعد توقيع معاهدة حظر التجارب النووية.

وخلال شهري مايو ويونيو 1998، أظهرت التجارب الهندية والباكستانية مدى الاهتمام الذي توليه بعض بلدان العالم للميدان النووي العسكري في اللحظة التي كان معسكرا الحرب الباردة يتقاربان فيها.

ويتم التساؤل هنا عمّا إذا لم تكن تلك التجارب هي بالأحرى لصالح باكستان والتي يثير عدم استقرارها القلق بمقدار ما تثيره المبادلات «التجارية» في الميدان النووي. إن المؤلفة تشير هنا إلى ما كشفت عنه ليبيا في شهر ديسمبر 2001 بخصوص صفقات التكنولوجيات النووية التي عقدتها من أجل برامجها التي أوقفتها.

ثم إن كوريا الشمالية قد أعلنت، من جهتها، انسحابها من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية في شهر يناير 2003 دون أن يثير ذلك رد فعل من قبل مجلس الأمن. هنا تبرز أسئلة عديدة مثل: ما هي الكمية التي قامت بمعالجتها من مادة البلوتونيوم؟ إلى أين وصل برنامجها في تخصيب اليورانيوم؟

وهل تملك حقا بعض الأسلحة النووية كما تزعم؟ على هذه الأسئلة كلها ليس هناك أية إجابة معروفة حاسمة. ما هو مؤكد هو أن كوريا الشمالية تمارس سياسة «مزايدة» حيال بقية العالم وأن المفاوضات متعددة الأطراف التي جرت في بكين مع روسيا والولايات المتحدة واليابان والكوريتين، الشمالية والجنوبية، لم تؤد إلى أية نتيجة ملموسة.

ملف إيران

أما إيران، وبعد أن أخفت طيلة عشرين سنة برنامجها لتخصيب اليورانيوم ابتداء من عام 1985، اضطرت للاعتراف عام 2003 بأنها قامت بنشاطات سرية نووية.

وتشير المؤلفة إلى أن التدخل الأوروبي عام 2005 قد أعطى الانطباع بأنه قد منح طهران الفرصة لالتقاط أنفاسها وكسب الوقت بدلا من حل المسألة.

أي ما يعني حسب المنظور الأوروبي أن توقف إيران نشاطاتها في مجال تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجته بالترافق مع ضمان قيام بلد خارجي بضمان تزويد المفاعل النووي الوحيد الذي هو بطور البناء حاليا على الأرض الإيرانية بالوقود النووي.

إن روسيا، التي تقوم ببناء المفاعل عرضت تقديم مثل هذا الضمان بالنسبة للسنوات العشرة المقبلة، لكن تشير الدلائل إلى أن طهران تريد المحافظة على قدراتها الخاصة في هذا الميدان.

ما تؤكده المؤلفة هو أن الأوروبيين كانوا يدركون جيدا قبل انتخاب محمود أحمدي نجاد للرئاسة الإيرانية في شهر يونيو عام 2005 بأن الاتفاق الذي توصلوا إليه مع طهران في شهر نوفمبر 2004 قد ينتهي مفعوله ذات يوم. وهذا ما حصل بالفعل منذ بداية شهر أغسطس 2005. هكذا بدا تحويل الملف إلى مجلس الأمن الدولي أمرا لا مفر منه، كما هددت العواصم الأوروبية.

السؤال هو معرفة إذا كانت إجراءات المنظمة الدولية سوف تسبق وتيرة إنتاج المواد الانشطارية من قبل إيران أو إذا كانت القنابل سوف تنتهي إلى تدمير المنشآت الإيرانية المعروفة. إن مصلحة أوروبا الكبرى هو أن ينتصر السيناريو الأول.

الأمر الجديد الذي شهدته السنوات العشرين الأخيرة يتمثل في التقدم الكبير الذي حققته إستراتيجيات البلدان الساعية للوصول إلى السيطرة على تقنيات الانشطار النووي في مجال شبكاتها للحصول على المواد المطلوبة.

كما في مجال إخفاء نشاطاتها في هذا الميدان. وترى مؤلفة هذا الكتاب بأن المجموعة الدولية، وبعد أن غالت في تقدير الإمكانيات النووية العراقية، فإنها قد تقلل من قيمة مدى التطور الذي حققته إيران وكوريا الشمالية، بل وحتى سوريا ومصر.

إن المشكلات الرئيسية التي سوف يكون من المطلوب مواجهتها خلال السنوات العشرين المقبلة تحددها المؤلفة بالأسئلة التالية: هل سيكون لدى كوريا الشمالية وإيران خلال هذه الفترة سلاحا نوويا يمكن استخدامه؟

كيف ستتصرف البلدان العربية وإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط؟ ماذا ستفعل اليابان وتايوان في منطقة الشرق الأقصى؟ كيف ستستخدم الصين هذه الورقة في علاقاتها مع واشنطن؟ «إن الإجابات على هذه الأسئلة ستقرر مصير الحرب والسلام»؛ هذا ما تؤكده تيريز ديلبيش.

هكذا إذن وبعد أن رأى العالم الأسلحة النووية تتراجع عن مقدمة مسرح الأحداث بعد نهاية الحرب الباردة، ها هي تعود إلى «المربع الأول» بعد التجارب الهندية والباكستانية عام 1998.

ثم انه في أفق عام 2025، يمكن للشرق الأوسط كما للشرق الأقصى أن يكونا منطقتين «نوويتين». وفي هاتين الحالتين، لن يلعب الردع النووي دورا حاسما مثلما كان في زمن الحرب الباردة، ذلك أن تعدد القوى الفاعلة تعرقل كثيرا فعاليته. ثم ان منظومة المعاهدات الدولية لا تعمل كما هو مفروض منها ومجلس الأمن يرفض التدخل في حالة الخرق.

ثم إن الأعضاء الدائمين فيه يحتفظون بمواقف واستراتيجيات ومصالح مختلفة على الرغم من الأخطار المتعاظمة. فضلاً عن أن المواد والتكنولوجيات الحساسة «تتجول» في العالم بسهولة أكبر بفضل العولمة.

لكن الوضع سيكون مختلفا جدا في عام 2025 إذا «تفجّرت» معاهدة عدم الانتشار النووي بسبب انسحاب دول جديدة منها أو إذا جرى استخدام السلاح النووي أو البيولوجي أو الكيميائي في حرب من الحروب أو إذا قامت الحرب بين قوتين كبيرتين، من بين الدول ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن.

ومن الملاحظ أن مسألة الصواريخ العابرة القارات وشبكات الدفاع المضادة للصواريخ كانت تحتل صدارة الاهتمام في نهاية القرن الماضي، بل كانت على مدى عامين كاملين تقريبا موضوع الساعة.

لكن يبدو أنه لم يعد موضع اهتمام أحد مما يمثل لغزا حقيقيا في زمن ثورة المعلوماتية. مع هذا، من المؤكد أن الأبحاث مستمرة في هذا الميدان.

وأن الولايات المتحدة الأميركية قد قامت في خريف عام 2004 بنشر أول شبكاتها الدفاعية في ألآسكا، الأمر الذي يشكل مؤشرا على أن واشنطن تتهيّأ - إن لم تكن تنتظر- لهجوم على أراضيها خلال العقود المقبلة. إن عمليات الانتشار هذه، ذات القيمة الرمزية في الوقت الحاضر.

والتي تتناظر مع التزامات سياسية تعود للفترة الرئاسية الأولى لجورج دبليو بوش، قد ترافقت مع تقدم ملموس باتجاه زيادة التسلح في القطاع البحري، الأمر الذي لا بد وأن يثير اهتمام حلفاء أميركا في منطقة الشرق الأقصى، التي تتردد أسئلة كثيرة حول مستقبلها خلال العشرين سنة المقبلة لاسيما من زاوية المنافسة الأميركية ـ الصينية الاستراتيجية في المحيط الهادئ.

واشنطن وبكين

الرهان المستقبلي الثالث أمام العالم في أفق عام 2025 يكمن تحديدا في تطور العلاقات الصينية ـ الأميركية. ذلك أن الصين قد تشهد خلال العشرين سنة المقبلة عدة تطورات محتملة. فإمّا انها ستتحول بشكل هادئ نحو الديمقراطية أوقد يستجد انقلاب عسكري أو قد تنشب الحرب بينها وبين تايوان. كما يمكن للصين أن تسقط في أحضان الفوضى.

وما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب هو أن هذه «الاحتمالات» قابلة للتحقق نظريا والأمر يتعلق إلى حد كبير بمدى رغبة البلدان الغربية بتشجيع تلك الاحتمالات. لكن هذا يتطلب من هذه البلدان أن تكون مقتنعة بأهمية الرهانات.

وإذا كان يتم في هذا السياق التأكيد على أن مثل هذه «القناعة» غير متوفرة في أوروبا اليوم، فإن أميركا، على العكس، بدأت تفهم واقع أن المسألة الاستراتيجية الحقيقية في القرن الحادي والعشرين تتعلق بما ستؤول إليه الأمور في الصين.

إن فترة العشرين سنة هي بالتحديد ما تحتاجه الصين من أجل تحديث جيشها. وفي نهايتها قد تبرز طموحاتها إلى السطح وربما سيكون الوقت قد تأخر كثيرا من أجل كبحها. وفي ذلك التاريخ أيضا قد تكون الصين قوة عظمى.

كما تصبو، وعندها سيكون لمفهوم تعدد الأقطاب في العالم معنى أكثر واقعية وأقل رومانسية. ثم إن الصين لا تهتم بأوروبا إلا من حيث كونها مصدرا للتزود بالتكنولوجيات المتقدمة أو كبديل سياسي للولايات المتحدة الأميركية و«هذا دور تبرع فيه فرنسا». ثم إن بكين لا تكلّف نفسها حتى عناء إظهار تعاطفها، كما تفعل موسكو، حيال النموذج «الموديل» الأوروبي.

ولن تكتفي الصين بدور إقليمي، على عكس ما هو حال أوروبا اليوم. وهي تتهيّأ منذ سنوات كي تحل محل الاتحاد السوفييتي (السابق) بدور القوة العظمى المواجهة للولايات المتحدة وهي تبدي الكثير من التصميم والذكاء بغية الوصول إلى هذا الهدف.

وإذا وجد العالم نفسه في عام 2025 في مواجهة صين استبدادية ومزدهرة اقتصادياً وذات ميزانية عسكرية تصل خلال ثلاثين سنة إلى حوالي 10% من الميزانية العامة - إن الإصلاحات الاقتصادية هي التي تسمح بتحديث الجيش ـ فهذا يعني أنه لن يكون هناك من يستطيع ممارسة أدنى تأثير عليها، بالتالي لن تقتصر المشكلات التي ستطرحها آنذاك على تايوان واليابان.

- وهذا وحده كاف لإثارة القلق-، ذلك أنها تبني قواعد على كل الطريق التي تربطها بالشرق الأوسط وعندها طموح تطوير أسطولها البحري بحيث يكون جديرا بحمل هذا الاسم في المحيط الهادئ.

وفي هذا المحيط الهادئ بالتحديد، سوف تجد نفسها آنذاك في مواجهة الأسطول السابع الأميركي، الأقوى على صعيد العالم اليوم. لكن حتى لو تمّت المحافظة على التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة بعد عشرين سنة.

فإن هذا لا يشكل بالمقابل ضمانا نهائيا أمام خصم جيد التحضير ويمتلك تصميما عاليا كما أنه يقوم بدراسة مفصّلة لكل الحروب التي تقوم بها الولايات المتحدة منذ عام 1991.

إن إحدى المشكلات التي ستتوجب مواجهتها في المحيط الهادئ ستكون مستقبل جزيرة «غوام» القريبة جدا من الصين وحيث أن بكين لا تجهل أبدا مدى أهميتها الاستراتيجية في حالة قيام نزاع مع تايوان.

وفي أحسن الحالات يمكن أن يسود بعد عشرين سنة حالة من الحرب الباردة بين البلدين، مع مناوشات مستمرة - إنما خطيرة جدا في سياق عام يسوده التوتر ـ مثل تلك التي قامت في ربيع عام 2001 حيث جرى إرغام طائرة مراقبة تابعة للبحرية الأميركية على الهبوط في الأراضي الصينية عندما كانت تقوم بدورية في المجال الجوي الدولي.

وفي المحصلة تصل التحليلات المقدّمة إلى القول بأنه إذا كان يراد درء مخاطر السيناريوهات الأكثر تهديدا، فإنه ينبغي البدء بالتعرف على التطورات الممكنة وعندها سوف يتم النظر بجدية كبيرة للمسألة الصينية في العواصم الأوروبية.

وبالتالي فإن إدراك خطورة الرهان قد يدفع نحو صياغة استراتيجية مستقبلية حيال بكين، بل والاستعداد لصد المفاجآت الاستراتيجية التي يمكن أن تشهدها المنطقة مع الآثار التي تتجاوزها كثيرا.

بالطبع يمكن الحلم بصين تتحلّى بالتعددية وتسلك طريق الإصلاحات السياسية وتتحمل مسؤولياتها الإقليمية والعالمية بدل التطلع فقط إلى امتلاك القوة. لكن يبدو أن تنامي النزعة القومية الصينية لا تذهب كثيرا في هذا الاتجاه.