تخلص الحلقة الأخيرة من الكتاب الذي بين أيدينا إلى نتيجة منطقية للمغامرة الأميركية في العراق.. مفادها وعنوانها الرئيسي ينحصران في كلمة واحدة دون سواها.. التخبط، الناجم عن بقاء إدارة بوش حبيسة رؤاها وتحليلاتها الخاطئة للأوضاع في بلاد الرافدين، والتي ظلت بعيدة كل البعد عن الواقع السياسي هناك.

هذا النهج، الذي ينم عن غطرسة واضحة، أدى بالإدارة الأميركية وقواتها في العراق إلى الوقوع، حسب رأي مؤلفي الكتاب، في خمسة أخطاء رئيسية، بدأت في مرحلة الإعداد للغزو .

واستمرت أثناء العمليات العسكرية الأساسية، التي أطاحت بنظام صدام، وما زالت مستمرة في مرحلة ما بعد سقوط بغداد، حيث راحت الإدارة تعالج الخطأ بآخر..

وبذلك خسرت الكثير من عناصر قوتها الكامنة، سواء بين العراقيين أنفسهم أو بين بلدان التحالف الدولي، الذي شكلته عشية الحرب، ما يبقي مستقبل العراق وشعبه معلقاً وسط أوضاع تتسم بالمعاناة وبغموض لا حدود لهما.

بغض النظر عن توصيف الأخطاء التي وقعت فيها الإدارة الأميركية بشأن قضية الغزو وما إذا كانت تكتيكية أم استراتيجية وهو حكم يعود إلى الزاوية التي ننظر منها للقضية ككل، يواصل المؤلفان رصد جوانب الخطأ في العمليات الأميركية ومن هذه الجوانب تلك التي تتعلق بوضعية بغداد التي كان الجنرال ميكرنان يرى أنها تمثل الثقل السياسي للبلاد.

ورغم ذلك فإن القوات الأميركية كانت تجد صعوبة في الحفاظ على الأمن فيها. ومن بين أسباب ذلك مشكلات تتعلق بهيكلية القوات الأميركية ونمط تسليحها. كما كان من بين المشكلات التي واجهت القوات الأميركية عملية توفير الحماية لغارنر وطاقمه .

لقد راح غارنر يؤكد ذلك بإشارته إلى أنه لم يكن لديه العدد الكافي من القوات لمدينة تتكون من نحو سبعة ملايين نسمة مضيفا: لم يكن لدينا العدد الكافي من القوات في الدولة لتحقيق الأمن.

يقول المؤلفان إن القوات الأميركية مدت نطاق وجودها بصورة تدريجية عبر بغداد .. وكان من بين المهام التي مثلت عبئا عليها كيفية السيطرة على انتشار الأسلحة في أوساط العراقيين.

ووسط هذه الأجواء وفيما كانت الولايات المتحدة تناضل من أجل استعادة أداء البنية الأساسية فإن جهودها من أجل تنظيم الحكومة العراقية واجهت معوقات عديدة.

فإثر احتواء الهجمات من قبل المقاومة العراقية بدأ فرانكس وأبي زيد في حث خليل زاده على تنظيم سلسلة من الاجتماعات فيما بين الأكراد وعراقيي المنفى وتم عقد جلسات على خلفية هذه القضية.

كما أن غارنر حث خلال زيارته لكردستان جلال الطالباني ومسعود البارازني على القدوم إلى بغداد والعمل مع رموز المنفى مثل الجلبي وعلاوي، ومع ذلك فإن هذه العملية سارت ببطء شديد بسبب التنافس السياسي والعرقي.

إن الأجواء التي يسردها غوردون وتيرنور تشير إلى أنه كان من الطبيعي إزاء هذه التطورات أن بدأ يتسرب إلى غارنر وفريقه أن مهمته لإعادة بناء الأوضاع السياسية في العراق تصادف الفشل إلى الحد الذي راح معه أحد مساعدي غارنر هي السفيرة الأميركية السابقة في تونس إلى القول «يبدو واضحا لي أنه من الصعب علينا أن ندير بلدا لم نفهمه.. إننا غير مستعدين لذلك، ويجب أن ننتظر لحين بناء تحالف دولي من أجل هذه المهمة».

وإزاء حقيقة أن الولايات المتحدة استبعدت المنظمة الدولية من العملية فإن السفيرة الأميركية ذهبت في حديثها إلى حد القول ان بلادها يجب أن تركع على قدميها طالبة المساعدة من المجتمع الدولي. وتكشف هذه التصريحات عن المدى الذي وصلت إليه القناعة بعدم صحة توجهات الإدارة الأميركية من قبل أعضاء يمثلون الإدارة ذاتها.

كما امتدت الأخطاء من العمليات إلى سوء التقدير ومن ذلك المبدأ المتعلق بالضربات الوقائية. فلقد قام مبدأ إدارة بوش المتعلق بهذا الخصوص على أساس أنه وسط احتمالات قيام الولايات المتحدة بالتحرك بمفردها فإن نجاح العملية العسكرية يمكن أن يجتذب حلفاء آخرين إلى المشاركة في تحمل أعباء ما بعد الحرب.

وهو الأمر الذي ثبت خطأه فيما بعد. فقد توقع ولفووتيز قبل الحرب أن فرنسا يمكن أن تكون بين هؤلاء الذين يرغبون في إرسال قوات إلى عراق ما بعد صدام.

لكن الأمور كانت تسير في وجهة أخرى غير تلك التي كانت تتوقعها الإدارة الأميركية حيث كان الشعور الذي يسود في العواصم الأجنبية أن الولايات المتحدة ينتابها الارتباك في سياساتها في العراق..

فالأوضاع هناك يغلب عليها الفوضى، والحكومة المؤقتة تواجه صعوبات جمة، وعملية الغزو ذاتها لم تحصل على موافقة الأمم المتحدة، ورغم عدم وجود عمليات مقاومة منظمة، وفق رؤية المؤلفين، إلا ان الإدارة حرصت على الإدعاء بأن عمليات القتال الرئيسية قد انتهت.

وفي هذا نشير إلى أن هذا الأمر يتطلب الوقوف عنده حيث أن القول بعدم وجود مقاومة منظمة أمر يخالف الواقع على الأقل خلال الشهور الأولى من الغزو وهي الفترة التي يتناولها المؤلفان في حديثهما.

وعلى صعيد تقديم الصورة التي كانت قائمة، يشيران إلى أنه فيما يكشف عن تراجع التأييد للإدارة الأميركية خفوت الحديث عن إرسال قوات إسلامية لحفظ السلام ..

فدولة مثل السعودية قدمت شروطا متعددة بشأن مشاركتها على رأسها ألا تكون قواتها تحت إمرة قوات أميركية. كما فشلت كذلك جهود توفير قوات من دولة خليجية أخرى لحماية حقول النفط في جنوب العراق.

كما أن جهود واشنطن لضم الهند إلى المشاركة في التحالف لم تحقق نجاحا حيث ان عدم حصول الغزو على موافقة الأمم المتحدة مثل عقبة أمام الحصول على تأييد نيودلهي.

حتى تركيا التي عرضت إرسال قوات حفظ سلام واجه عرضها رفضا عراقيا باعتباره يمثل محاولة للتدخل في الشأن العراقي. وبعد إلحاح من واشنطن قبلت إسبانيا إرسال وحدة من قواتها لتعمل تحت إمرة القوات البولندية وحتى هذه الأخيرة كانت مهامها غير ذات قيمة كبيرة.

كما أن الفرقة الأوكرانية والتي تتمركز في «الكوت» تستطيع بالكاد أن تدافع عن نفسها وانسحب أفرادها خلال أول مواجهة حقيقية. ومن بين القوات فإن الوحيدة التي يمكن التعويل عليها هي القوات البريطانية والتي تم تعزيزها بأخرى إيطالية.

الموقف البريطاني

لم يكن تقدير الأمور على النحو المشار إليه في السطور السابقة تقديراً قاصراً على المعارضين للولايات المتحدة بشأن الغزو أو حتى الحلفاء الذين قدموا لها تسهيلات مختلفة وإنما كان كذلك تقدير أقرب الحلفاء للولايات المتحدة ممثلا في بريطانيا التي شاركتها الأمور منذ البداية.

ففي أوائل مايو أرسل توني بلير جون سويرز السفير البريطاني لدى مصر مبعوثا خاصا له إلى العراق. وبعد نحو أربعة أيام من وصوله أرسل مجموعة من الرسائل إلى مختلف الجهات المسؤولة في بريطانيا حول العراق عنوانها: أين الخطأ؟

وقدم خلالها صورة سوداء للموقف هناك مشيرا إلى أن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يفقد تدريجيا المساندة التي حظي بها في العراق.

ووصف سويرز في رسائله الإدارة الأميركية للعراق التي شكلت في نهاية الحرب بقيادة الجنرال المتقاعد غاي غارنر بأنها فوضى لا تصدق وكتب أن غارنر وفريقه من الجنرالات المتقاعدين الذين تجاوزوا الستين من العمر لديهم نوايا حسنة لكن تفكيرهم قديم. وأشار سويرز إلى أنه لا وجود لقيادة ولا استراتيجية ولا لتنسيق ولا لبنية ولا إمكانية للوصول إلى العراقيين العاديين.

ورأى سويرز الذي يشغل حاليا منصب مدير الشؤون السياسية في وزارة الخارجية البريطانية في رسائله أن الولايات المتحدة يجب أن تتحرك بسرعة لأن الوقت يمر.

وعزز الجنرال ألبرت وايتلي الذي كان أعلى ضابط بريطاني مع الأميركيين هذه الأقوال بمذكرة أرسلها بعد أسابيع محذرا من احتمال فشل التحالف ورأى سويرز ووايتلي أن قرار واشنطن خفض القوات في العراق بعد الغزو كان واحدا من الأخطاء الفادحة للاحتلال.

ورأى سويرز كذلك ان الفرقة الثالثة الأميركية للمشاة مسؤولة إلى حد كبير عن المشكلة متهما جنود هذه القوة بالبقاء في آلياتهم عند قيامهم بدورياتهم. ورحب سويرز بوصول بول بريمر ليحل محل غارنر على رأس السلطة المؤقتة للتحالف لكنه أكد مجددا في نهاية يونيو أن الوضع يزداد سوءا.

ويبدو أنه إزاء مثل هذه المشاكل أن الولايات المتحدة راحت تعالج خطأ بخطأ آخر.. فمع تدهور الأوضاع في ظل إدارة غارنر كان التفكير في استبداله بآخر هو بول بريمر والذي لم يكن له دراية بقضايا الشرق الأوسط رغم خبرته الدبلوماسية الطويلة.

والغريب أن ذلك جاء انطلاقا من تفكير تآمري حيث تحمس رامسفيلد لتعيينه في محاولة على حد تصوره لقطع الطريق على ذوي الاتجاهات العربية في الخارجية الأميركية من فريق غارنر والذين يبدو أنهم غير مساندين لخطط بوش «الجريئة» بشأن إعادة بناء العراق، وأنه مع بريمر لن يواجه مثل هذه المشكلة.

وكان توجيه بوش لبريمر هو العمل على تشكيل حكومة عراقية ذات قاعدة عريضة بالتعاون مع خليل زاده الذي كان تعيين بريمر بمثابة إقصاء له.

يوضح الكاتبان هنا جانبا من المشكلات التي واجهت جهاز صنع القرار الأميركي مشيرين إلى أن قرار تعيين بريمر واستبعاد خليل زاده فعليا كان بمثابة مفاجأة لكولن باول.. الذي يبدو أنه كان في دهشة متواصلة إزاء تهميشه..

حيث لم يناقش القرار خلال الاجتماعات الطارئة لمجلس الأمن القومي. لقد بادر باول بالاتصال برايس للاستفسار منها عن الأمر مؤكدا أن زاده الشخص الوحيد الذي له علاقات جيدة بمختلف الأطراف الفاعلة في العراق.

والذي ينظر إليه على أنه ممثل موثوق للبيت الأبيض، غير أن رايس راحت تجيبه بأنه ليس لديها ما تقوله بشأن هذه الخطوة، ما يكشف عن استبعاد مجلس الأمن القومي ـ وليس فقط مجلس الأمن الدولي ـ من دائرة صنع القرارات التي كانت تتخذ بشأن القضية العراقية.

وماذا بعد؟

يحاول المؤلفان، بعد استعراض طويل على مدى صفحات الكتاب لأدق تفاصيل عملية الغزو، تقديم رؤية بانورامية تمثل ما يمكن اعتباره حصاد ما جرى.

وفي هذا يشير المؤلفان إلى أنه في 5 ديسمبر 2005 زار رامسفيلد مدرسة جون هوبكينز للدراسات الدولية لكي يقدم رؤيته بشأن تقييمه للأوضاع في العراق. ولدى سؤاله بشأن الدروس المستفادة من المعركة التي تجري فصولها في العراق راح رامسفيلد يشيد بالتحولات التي مثلتها تلك الحرب.

وفي انتقاد لهذه الرؤية، يؤكد جوردون وتيرنور على فداحة الثمن الذي دفعته كل من القوات الأميركية والشعب العراقي جراء هذه الحرب، ويصلان إلى حكم يؤكدان من خلاله على أن الفوضى والعنف اللذين اجتاحا العراق فيما بعد الحرب لم يكونا مسألة تتعلق بعدم وجود خطة وإنما كانا نتيجة التزام أكثر الخطط خطأ!

أهداف غير عملية

وفي محاولة لتمثل الأهداف الأميركية من عملية الغزو ومناقشتها، يشير المؤلفان إلى أنه منذ البداية كانت الأهداف الأميركية تتسم بالجرأة وبكونها أهدافا غير تقليدية..

لقد كانت العملية العسكرية تهدف إلى توجيه ضربة إلى الإرهاب بعزل خصمها الذي مكث في الحكم لفترة طويلة، وتنصيب آخر معتدل وموال للولايات المتحدة في قلب العالم العربي.

كما نظرت الإدارة الأميركية إلى هذه العملية على أنها يمكن أن تقدم نموذجا بشأن القوة الأميركية وتمثل درسا عمليا لدولة مثل إيران أو سوريا وغيرهما من دول المنطقة على النتائج المحتملة لمساندة الإرهاب ومحاولة حيازة أسلحة نووية أو كيماوية أو بيولوجية..

الخلاصة أن الحرب كانت، من وجهة نظر أميركية بحتة، بمثابة رسالة مفادها أن الولايات المتحدة لا تعمل فقط على هزيمة صدام حسين كديكتاتور ولكنها ستعمل على إحداث تحول في المنطقة وترسل رسالة بأن التدخل الأميركي في أفغانستان ليس نهاية ولكنه بداية لحرب واشنطن الشاملة على الإرهاب.

إذا كانت هذه هي الأهداف كما بدت من قراءة المؤلفين لأجندة الإدارة الأميركية إلا أنهما يشيران إلى أن بوش وفريقه ارتكبوا خمسة أخطاء خطيرة.

فمن ناحية أساءت الإدارة تقدير خصومها وفشلت في فهم واستيعاب الطبيعة المعقدة التي تسم العراق من الناحية العرقية والعشائرية. وعلى هذا فإن الإدارة لم توفق في تحديد الوسيلة الأنسب للتعامل مع الأمر ووضعت قدراً متعاظماً من الثقة غير مبرر على التكنولوجيا.

ليس ذلك فقط، بل إن الإدارة فشلت حتى في التكيف مع تطورات ومعطيات الواقع على الأرض وظلت حبيسة رؤاها وتحليلاتها للأوضاع في العراق التي وضعت فيما قبل الحرب، حتى بعد أن أظهر العراقيون قدرتهم على خوض حرب العصابات بعد الأيام الأولى للحرب. كما أن فريق بوش لم يحاول الاستفادة من دروس بناء الأمة على غرار العمليات التي جرت في البلقان وفي مناطق أخرى في العالم.

وفي النهاية صاغ خطة غير واقعية تقوم على تحميل أعباء ما بعد الحرب لشعب منخرط في صراع عرقي وحلفاء أبدوا تحفظهم على الغزو. وبدلا من إعداد الخطط لاحتواء عمليات المقاومة فإن الرئيس وفريقه رسموا الخطط لإعادة القوات إلى الولايات المتحدة في ذات الوقت الذي راحوا يعلنون فيه أن الحرب تم الظفر بها.

قراءة خاطئة

لقد أساء رامسفيلد وجنرالاته تحديد الخصم من خلال رؤيتهم الغزو على أنه يمثل استمرارية لحرب الخليج الأولى، حيث كان الحرس الجمهوري خلال عاصفة الصحراء القوة الأساسية المسلحة جيدا والأكثر ولاء لصدام. لقد واصل فرانكس وجنرالاته هذه النظرة مركزين على الحرس الجمهوري باعتباره خصمهم الرئيسي في عملية الغزو.

وعلى ذلك كان التصور أنه بمجرد احتواء قوة الحرس الجمهوري فإن الطريق سيكون ممهدا إلى بغداد ، وقد أغفلت الخطط فكرة وجود مقاومة يمكن أن تحدث للغزو وأنها يمكن أن تمثل التحدي الرئيسي كما حدث في الناصرية والسماوة والنجف والكفل والديوانية، وكذلك في بغداد. إن الفشل في تحديد الخصم يعكس إلى حد كبير فشل الاستخبارات.

وهنا يلوم الكتاب الـ «سي.آي.إيه» ليس فقط على فشلها في قضية أسلحة الدمار الشامل، ولكن كذلك بشأن تقدير قوة أعمال المقاومة المحتملة أو في تقدير أن كميات كبيرة من الأسلحة تم تهريبها إلى المدن والبلدات جنوب العراق. لقد أساءت الاستخبارات في التقدير بشأن تنبئها باستسلام وحدات الجيش وتصور أن القوات الأميركية الغازية ستلقى الترحيب في جنوب البلاد.

وهو أمر كان له انعكاسات خطيرة فيما بعد الغزو. وفي نموذج على هذه التداعيات، يشير المؤلفان إلى أن ذلك انعكس في فقدان القادة الميدانيين الثقة في تقديرات الاستخبارات وأصبحوا يلجأون إلى الاعتماد على أنفسهم في الحصول على المعلومات بشأن الخصم.

التركيبة العراقية

وإلى جانب الفشل في تحديد الخصم فإن رامسفيلد وفرانكس فشلا كذلك في فهم التركيبة السياسية في العراق. لقد قام تصورهما على أن النصر سيتحقق بمجرد سقوط بغداد، والتي اعتبراها الوجهة الأساسية في الحرب.

غير أنه منذ اليوم الأول للغزو بدا أن الولايات المتحدة ليست في حرب على النمط التقليدي، فرغم سقوط وزراء النظام الواحد تلو الآخر في أيدي القوات الأميركية والإطاحة برأس النظام ذاته، فإن الهجمات من قبل المقاومة (الفدائيين) على طول الطريق إلى بغداد كشفت عن أن التحالف إنما يواجه عدواً ليس له قاعدة مركزية ذا إيمان قوي بموقفه.

وأن قاعدة عملياته منتشرة على مستوى البلاد والمدن العراقية. إن نقطة التوازن ليست جغرافية تتمثل في بغداد وإنما هي المثلث السني وبشكل يعكس فهما أكبر انها الشعب العراقي كله.

ويصل المؤلفان إلى حكم يعكس جانبا من رؤيتهما يتمثل في أنه من الصعب هزيمة المقاومة، فضلا عن صعوبة كسب الحرب طالما بقيت المنطقة السنية خارج السيطرة، وطالما افتقدت العمليات الأميركية مساندة الشعب العراقي أو على الأقل عدم رفضه لها.

ثم يفصل المؤلفان في النقطة المتعلقة بالإفراط في الاعتماد على التكنولوجيا، الأمر الذي كان يعكس خلاصة رؤية رامسفيلد. ورغم قبول المؤلفين لهذه الرؤية على مستوى محدود واشارتهما إلى أنها قد تكون أثمرت على مستوى معين من العمليات، إلا أنهما يشيران إلى أن الموقف كان يتطلب نهجا آخر.

فيما بعد سقوط بغداد.وهو ما يستعرضان جانبا منه في الخطأ الثالث المتمثل في عدم التكيف مع تطورات ما بعد الحرب. وهنا يشيران إلى أنه كان هناك مؤشرات عديدة في الأيام الأولى للحرب على أن الولايات المتحدة تخوض حربا مختلفة عما توقعته.

حيث أنه بدلا من أن تلقى القوات الترحيب فإنها صادفت مقاومة عنيفة في الناصرية ومن المفارقات ذات الدلالة في هذا الصدد، حسب رواية الكتاب، أن أول جندي من المارينز يلقى حتفه في الحرب كان على يد عراقي مدني وليس عسكرياً أطلق عليه النار من شاحنته وليس من دبابة!

لقد واجهت القوات الأميركية أسلوبا مختلفا تمثل في زرع القنابل على جنبات الطرق، والهجمات الانتحارية بالسيارات المفخخة، والمقاتلين الأجانب وكذا أسلوب حرب العصابات.

ورغم إشارتهما إلى أن القوات الأميركية ذاتها، على مستوى تعاطيها مع الواقع، بدأت تكيف أسلوبها مع هذه الأوضاع من خلال مجموعة من التكتيكات إلا أن المشكلة أن خطط الحرب ذاتها لم يتم تغييرها من المستويات الأعلى.

ربط غير مبرر

إن فرانكس، حسب المؤلفين، رفض الاعتراف بطبيعة الخصم الذي يواجهه، وفي ذات الوقت لم يستوعب طبيعة الحرب التي يديرها، ويبدو أن هذا الفشل كان وراء مسعى إدارة بوش إلى الترويج فيما بعد في تبرير للفشل، للعلاقة بين نظام صدام وأسامة بن لادن، والتنظيمات الإرهابية مثل ابو مصعب الزرقاوي، والتضخيم من الحديث عن تسلل مجاهدين من سوريا.

الخطأ الرابع هو تركيبة أو بنية القيادة العسكرية الأميركية التي تولت التخطيط للحرب، والتي سادها أسلوب يمكن وصفه بأنه قمعي على عكس ما جرى في حرب الخليج الأولى.

فخلال عاصفة الصحراء كان لتشيني كوزير للدفاع آنذاك نظير يتمتع بالقوة والاستقلالية هو كولن باول قائد العمليات المشتركة في ذلك الوقت. وقد أدى ذلك رغم الخلافات التي سادت بينهما وبسببها إلى تطوير ما يعتبر خطة جيدة لخوض الحرب.

غير أن الوضع بالنسبة لغزو العراق اختلف بعض الشيء فقد كان رامسفيلد ويتبعه فرانكس يسيطران على عمليات التخطيط ، فيما تم تنحية أو تهميش قيادة العمليات المشتركة..

فقد تم اختيار ماير لقيادة العمليات المشتركة إزاء سجله العملي كمنفذ للعمليات وقد حقق من توقعات رامسفيلد بالفعل، كما أن شينسكي والذي أبدى قدرا من التحفظ بشأن عدد القوات لما بعد الحرب في جلسة أمام الكونغرس لم يضغط كثيرا في هذا الشأن.

ويعرض المؤلفان هنا للرؤية التي صدرنا بها حديثنا في بداية الكتاب وتتمثل في أن تشيني رغم ان وضعه كان يؤهله للعب دور الموازن الموضوعي لما يمكن اعتباره اندفاع البنتاجون أو خططه الطموحة ، فإنه على العكس صادق على الطموحات التي كانت تعكسها خطط الحرب غير الواقعية.

وفي الوقت ذاته فإنه فيما أبدى باول تحفظه بشأن مسألتي عدم كفاية القوات وصعوبات ما بعد الحرب فإن وضعه وسط إدارة بوش جعله يبدو منعزلا عن توجهات الإدارة ما أفقده التأثير الكافي.

أما الخطأ الخامس والأخير الذي يشير إليه المؤلفان فهو المتعلق بخطط ما بعد الحرب والتي أفضنا التفصيل بشأنها في الحلقة السابقة. لقد كان غزو العراق وفق أغلب التقديرات مجالا لسوء التقدير من كافة الأطراف.

وهو الأمر الذي أدى إلى النتائج التي نحن بصددها والتي لم تكن متوقعة. فعلى صعيد صدام فإنه فشل في الحيلولة دون سقوط بغداد العاصمة، كما أن الأمر انتهى بصعود للشيعة والأكراد الذين واصل قمعهم لفترة غير محدودة.

ورغم أن أنصاره انخرطوا في حرب عصابات تهدد الأوضاع في العراق ذاته وتجره إلى حالة من الدمار إلا أن ذلك تم وسط انعدام الآمال بعودة الرئيس المخلوع. كما أن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق نصر مدو، إذ سرعان ما أسفر الأمر عن تحول أدى إلى إلحاق خسائر كبيرة بقواتها.

وفي ذات الوقت فقد كانت تكلفة التوجه الذي اختارته إدارة بوش عالية، إن لم تكن قد أتت بنتائج عكسية .. فبدلا من توجيه رسالة تحذيرية إلى إيران وكوريا الشمالية بشأن القوة الأميركية فإن الولايات المتحدة وجدت نفسها غارقة في وحل صراع ينهك قواها العسكرية.

وبدلا من الكشف عن محاسن النظام الديمقراطي الذي استهدفت عملية التحرير إقامته، فإن الولايات المتحدة بعثت برسالة مفادها أن الانتقال إلى حكومة جديدة أمر يواجه مشكلات عديدة.

وبدلا من إظهار نوع من النجاح يمكن ان يجذب حلفاء لإرسال قوات للمشاركة في تحمل عبء الاحتلال، فإن القوات الأميركية والبريطانية وجدت نفسها في نهاية المطاف وحيدة في الميدان.

ومن أجل كل ذلك، فإن مستقبل العراق ما زال معلقا وإرادة القوات الأميركية وسط شعور وحقائق على الأرض تفرض نفسها تؤكد أن الثمن الذي دفعته كل من القوات الأميركية والتحالف والعراقيين كان عاليا أكثر مما كان يتطلبه الأمر : فوضى ومعاناة ومستقبل معقد ما زال يحيطه الغموض.