لعل جديد هذه الحلقة من الكتاب الذي بين أيدينا يكمن في عنوان واحد وحيد هو التخبط، وليس المقصود بالطبع سوى تخبط الإدارة الأميركية في وحل المستنقع العراقي، حيث قامت سياستها هناك على مجموعة من الأكاذيب، التي لو قيلت على لسان ضعيف لما صدقه أحد..
لكن ميزة القوة هي التي أرهبت أو أغوت الكثيرين لتصديق مزاعم الولايات المتحدة ورئيسها، الذي لم يتوان عن اللجوء إلى خداع حتى الدول التي مدت له يد العون وتحالفت معه في مغامرته العسكرية العراقية الفاشلة بكل المقاييس.
وفق ما يؤكد المؤلفان في كتابهما، وذلك حين أدعى في وقت مبكر من بداية الحرب أن العمليات العسكرية قد انتهت، في محاولة منه لاستمالة أولئك الحلفاء وتشجيعهم على إرسال المزيد من القوات إلى العراق، ليتمكن هو من سحب قواته من هناك والنفاد بجلده من الورطة التي أوقع نفسه بها.
مع اقتراب موعد الغزو وإزاء بعض التطورات التي عرضنا لها في الحلقة السابقة بشأن وجود شبهات باحتمال إقدام النظام العراقي على حرق آبار النفط، لم يكن هناك من سبيل أمام الولايات المتحدة لمعرفة النوايا الحقيقية للنظام العراقي آنذاك. وعلى هذا اتجه فرانكس إلى بحث تعديل خطة الهجوم واقترح تقديمها لمدة يومين.
غير أنه بعد مناقشة الأمر مع القادة الميدانيين تم التوصل إلى أنه يمكن تقديم موعد الهجوم بنحو 24 ساعة فقط مع درجة من المخاطرة، وحتى هذا الأمر المتعلق بتبكير موعد الهجوم لمدة يوم واحد وجد من يعارضه باعتبار أن المعركة الجوية تعتمد على الطائرات الأميركية التي ستفد من مواقع مختلفة عدة عبر العالم من الولايات المتحدة نفسها ومن دييغو غارسيا والمملكة المتحدة.
وفي ختام عملية طويلة من الجدل كان القرار النهائي أن التبكير بالهجوم توجد دونه العديد من العقبات، فلم يجد فرانكس مفرا من القبول بالأمر الواقع.
وأن تبدأ العمليات الجوية في موعدها المقرر سلفا. انطلاقا من هذا الوضع تقرر أن يبدأ الهجوم البري مساء يوم 20 مارس على أن تنطلق الضربات الجوية في مساء 21، استجابة لما اقترحه الكولونيل كيفين بينسون وماكيرنان من أن الأسلوب الأفضل للإيقاع بالعراقيين هو بدء الهجوم البري قبل انطلاق الحملة الجوية.
يعرض المؤلفان بعد ذلك لتفاصيل الخطط العسكرية لدخول بغداد وإن لم يرد فيها ما يتجاوز ما نشر باستثناء الخوض في تفاصيل الخطط العسكرية الأميركية وإيرادها حسبما جرت وقائع التخطيط لها بين القادة الأميركيين في ميدان الحرب.
ومن السقوط الى هروب صدام، يشير الكاتبان إلى أن المرة الأخيرة لظهور صدام علنيا كانت في 9 أبريل أمام عدد من الموالين للنظام حيث توقف بسيارته المرسيدس في منطقة الأعظمية، ثم اختفى فجأة مثلما ظهر فجأة.
لحظة الحقيقة
لقد كان بادياً للرئيس العراقي حسب تحليل الكاتبين أن الحبل يقترب من رقبته. ومع بدء دخول القوات الأميركية إلى العاصمة، جاءت اللحظة التي قرر فيها صدام أن يغادرها لأول مرة هاربا. كانت وجهة صدام هي منطقة الأنبار.
وهي منطقة سنية إلى الغرب من بغداد وتضم الرمادي والفلوجة حيث دارت مواجهات فيما بعد مع قوات الاحتلال. وفي الأنبار رأى صدام أن المنطقة يمكن أن توفر له ملجأ آمنا في محنته.
وبالفعل وجد صدام في أحد البيوت هناك مكانا اعتبره مأوى مناسبا، غير أنه غير رأيه بعد بضع ساعات تقريباً، حيث سقطت على المبنى المجاور له قذائف في الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
وبعد ساعة تقريباً، قرر صدام وابناه قصي وعدي ترك المنطقة للبحث عن مكان آخر. وفي هذه اللحظة قرروا الانفصال عن بعضهم إذ بدا أن طائرات التحالف تقوم بعمليات بحث مكثفة عن صدام ورفاقه.
وفيما واصل قصي وعدي طريقهما للوصول إلى سوريا وجدت دمشق، إزاء الصعوبات التي كانت تلاقيها مع واشنطن، أنه من المتعذر عليها استقبالهما فكانت عودتهما مرة ثانية الى شمال العراق في مدينة الموصل فيما سعى صدام من جانبه إلى الوصول إلى مكان آمن له في غرب العراق في مدينة «هيت».
وبعد أن اكتملت السيطرة الأميركية على بغداد بدأ الجنرال مكيرنان يعمل على السيطرة على حقول نفط كركوك وكذلك السيطرة على تكريت حيث معقل أنصار صدام كما بدأ يسعى لنشر قوات أميركية في الشمال لتعزيز وضع القوات الخاصة هناك، لضمان عدم اندلاع صدامات عرقية بين الأكراد والعرب والتركمان.
ويعود المؤلفان في هذا السياق للإشارة إلى ما يتعلق بعدد القوات التي كانت مطلوبة لإتمام الغزو على النحو الأمثل فيشيران إلى أن مكيرنان كان يرى قبل الغزو أنه يجب أن يتوافر له قوات على طول الحدود مع تركيا غير أنه على المستوى العملي لم يكن لديه العدد الكافي من القوات.
والتي قدرها الجنرال زيني بنحو 380 ألفاً في الخطة 1003 ورأى ضرورتها لتحقيق هدف السيطرة على الأوضاع في العراق. وعلى ذلك تقرر أن يتم توزيع قوات الحلفاء على منطقة واسعة تمتد من الموصل الى كركوك في الشمال إلى البصرة والمنطقة الشيعية في الجنوب.
وضمن تطورات هذه الفترة طلب فرانكس من القوات الأميركية قطع خطوط الأنابيب التي تمد سوريا بالنفط باعتبار أن دمشق تسمح للمقاتلين الأجانب بالعبور عبر أراضيها..
كما راح يبدي سخطه على موقف تركيا بعدم استخدام الجبهة الشمالية رداً على شكواها بشأن الموقف السيئ الذي آل إليه وضع التركمان في شمال العراق في مواجهة الأكراد.
وبعد استعراض لتفاصيل العمليات العسكرية فيما بعد السقوط وسبل إحكام السيطرة على الأوضاع في العراق ينتقل الكتاب إلى تناول الموقف على صعيد الوضع في واشنطن.
ففي 15 أبريل دعا بوش إلى اجتماع لكبار مساعديه لمناقشة انسحاب القوات الأميركية من العراق. وكانت هناك خطة معروضة في هذا الصدد تقوم على أساس وجود ثلاث فرق أجنبية الأولى البريطانية والتي كان من المقرر أن تضم باقي قوات التحالف والثانية البولندية والثالثة مسلمة وتتكون من قوات عدد من الدول العربية.
كما كانت الإدارة تعتزم جلب عروض بالمساعدة في تدريب الشرطة العراقية. وكانت إيطاليا والدنمارك على قائمة المرشحين لهذا الأمر. وقد أعلن الرئيس بوش ترحيبه بهذه الخطة.
وخلال الاجتماع تم التوصل إلى قرارات أخرى بشأن فترة حكم ما بعد صدام منها أن الولايات المتحدة ستجمع وتنشر معلومات بشأن وحشية النظام العراقي السابق، كما قررت تطوير النظام الصحي العراقي وقبول عرض ولي العهد السعودي الأمير عبد الله آنذاك بإقامة مستشفى في بغداد.
وفي اليوم التالي طار فرانكس إلى العراق من أجل مناقشة تطورات الموقف. لقد كانت أول رحلة يقوم بها مسؤول أميركي على هذا المستوى إلى مطار بغداد. ومن هناك توجه فرانكس إلى مقر القيادة.. قاعدة كوبرا..
في أحد القصور بمنطقة أبو غريب الذي تم نهب أغلب محتوياته. وحسبما يذكر المؤلفان فإنه لدى وقوع القصر في أيدي القوات الأميركية كان خاليا إلا من مجموعة من المقاتلين السوريين الذين اختبأ أحدهم في الثلاجة. كما كان القصر يعاني من انقطاع التيار الكهربائي.
المهم أنه في القصر التقى فرانكس أغلب القادة الأميركيين بما فيهم الذين وفدوا من مقر قواعدهم في الدول المجاورة.. لقد كانت المرة الأولى التي يجتمع فيها هذا العدد من القادة حتى وقت متأخر قبل الحرب.
وخلال الاجتماع بدأ فرانكس يصدر قراراته.. فالقوات التي حاربت في معارك بغداد وتكريت وكربلاء والنجف يجب أن يتم الإعداد لسحبها خلال ستين يوما. كما أن وحدات أخرى جديدة يجب أن تحل محلها على ألا تزيد مدة عملها على 120 يوما.
كما راح يخبرهم أن يتوقعوا تنصيب حكومة عراقية خلال فترة تتراوح بين 30 إلى 60 يوما. وبعد اجتماعهم عقد القادة اجتماعا بالفيديو مع الرئيس الأميركي بوش.
وخلال اللقاء التلفزيوني مع قادة العمليات كان سؤال بوش عن جهود تشكيل قوات متعددة الجنسيات. وهنا ذكر له فرانكس أن باول ورامسفيلد يعملان على هذا الصعيد فيما سيحاول هو مع دول في المنطقة.
وفيما يشير إلى الأجواء التي كان يشعر بها فرانكس آنذاك فقد حرص هو وبقية القادة بعد الاجتماع على التقاط الصور التذكارية احتفالا بالنصر.
وكما أثارت خطة الهجوم قدرا كبيرا من الجدل وأثبت التطبيق قدرا من التخبط أثارت خطة الانسحاب قدرا من النقاش والاختلاف، حيث لم يلق توجه القيادة إلى هذا الخيار تأييدا واسعا بين القادة الميدانيين.
عودة الجدل
فمن جهته أبدى روستي بلاكمان أحد مساعدي مكيرنان دهشته البالغة من تأكيد فرانكس على ضرورة الانسحاب السريع للقوات الأميركية.. فهي بالكاد دخلت بغداد منذ نحو أسبوع، ثم إن هناك العديد من المدن العراقية التي تعيش حالة من عدم الاستقرار ولم تصلها قوات أميركية مثل الفلوجة.
خلاصة القول ان من أيد هذا التوجه رأى أن المهمة لم تكتمل بعد. ويبدو من سياق تناول هذا الجانب أن الإدارة الأميركية كانت تعلم جيدا به وأن لها أهدافاً أخرى من هذا التحرك، الأمر الذي فسره فرانكس فيما بعد .
ففي معرض تفسير هذه الخطوة أخذ فرانكس يوضح أن ذلك يأتي كجزء من استراتيجية إدارة بوش من أجل إقناع الحلفاء بأن الوضع في العراق مستقر وآمن بالشكل الذي يشجعهم على إرسال قوات أخرى. ومن أجل تهيئة الأجواء لمثل هذه الفرضية فقد حث فرانكس البيت الأبيض على إعلان انه قد تم القضاء على جيوب المقاومة في العراق.
وفي رسالة خاصة وجهها لرامسفيلد عبر البريد الإلكتروني وإثر يومه الأول في بغداد أوصى فرانكس بإعلان النصر العسكري في الحرب بالعراق، وأن القوات الأميركية بصدد الانتقال إلى عمليات ما بعد الحرب.
وعزز فرانكس توصيته تلك بإمكانية تحرك غاي غارنر وفريقه إلى بغداد وإعلان الجنرال مكيرنان كقائد للقوات المشتركة في العراق.
وبعد عدة أيام، تلقى مكيرنان مفاجأة أخرى، أكدت تخوفاته التي طرحها في خطته «كوبرا 2» في ديسمبر 2002، حيث كان يرى ضرورة تعزيز عمليات الغزو بقوات أخرى إضافية في ضوء ما كان يراه من أن العراق دولة كبيرة المساحة وذات حدود غير آمنة.
وعززت الهجمات التي وقعت في الجنوب من قبل المقاومة توقعه بالحاجة إلى مثل هذه القوات وكان تقديره أن الموقف يتطلب على الأقل نصف العدد الذي طلبه زيني .
والذي كان يصل إلى نحو 380 ألف جندي، غير أن الواقع قوض من خططه، في ضوء عدم جاهزية الجيش العراقي والذي كان يعلق عليه آمالاً كبيرة بعد إعادة بنائه وكذلك القوات الأجنبية الأخرى ولم يعد أمامه على أرض الواقع سوى القوات الأميركية والبريطانية.
ويعود المؤلفان إلى تناول تأثيرات رامسفيلد على سير العمليات الحربية فيشيران إلى أنه كان يسعى إلى سحب القوات الأميركية بمجرد ظهور بوادر هزيمة صدام، وكان يحكمه في ذلك نظرته التي تقوم على خوض الحرب بأقل عدد من القوات.. لقد كان تركيزه على العمليات الحربية أكثر من تأمين أوضاع ما بعد الحرب.
كان رامسفيلد، حسبما يقول المؤلفان، يحكم قبضته بشكل يبدو غير طبيعي في مسألة عدد القوات، حتى أنه في المؤتمرات التي كان يعقدها بالفيديو مع فرانكس وإثر ما بدا من سحق الحرس الجمهوري وتحقق النصر، أخذ يبدي رفضه الشديد لإرسال قوات للحفاظ على استقرار الأوضاع فيما بعد الحرب.
لقد كان مكيرنان غير راض إزاء هذه التطورات التي خضع خلالها فرانكس لطلبات رامسفيلد والتي تمت دون مشورته وعلى هذا، حرص على أن يقوم بتوزيع قواته على أفضل وضع يراه. وأخذ يذكر لقادة الوحدات المختلفة أن المهمة الأساسية لهم ستكون الحفاظ على الأمن في المدن العراقية.
وفيما كان عدد من القادة يعدون للرحيل في ضوء سياسة الانسحاب المبكر، فإن مكيرنان أخذ يشير إلى أن عملية الإحلال بقوات أخرى غير أميركية قد تتأخر وقد تلغى من الأصل إذا ما تدهورت الأوضاع في العراق.
أو إذا ما فشل الرئيس بوش في التوصل إلى تحقيق ذلك من خلال المشاورات مع الدول الأخرى، مضيفا أن نجاح مهمته في مرحلة ما بعد الحرب يمكن أن تسهل من مهمة الإحلال.
وللمقاومة دور
ويشير الكتاب هنا إلى الأوضاع الصعبة التي واجهت القوات الأميركية من أجل السيطرة على الموقف في منطقة الأنبار حيث الفلوجة والرمادي والتي وقعت فيهما عمليات مقاومة قوضت من المزاعم الأميركية بتحقيق النصر في الحرب على العراق.
ومن الغريب، يذكر الكاتبان، أنه بعد هذه الأحداث توجه الرئيس بوش إلى حاملة الطائرات أبراهام لنكولن ليعلن من على متنها وقد بدت خلفه لوحة كتب عليها «اكتملت المهمة» أن المعركة الرئيسية في الحرب قد انتهت وأن القوات الأميركية هناك تقوم على إرساء النظام .
وتتابع فلول الرئيس العراقي المخلوع صدام. لقد بذل البيت الأبيض جهدا كبيرا من أجل التأكيد على أن الوضع في العراق مستقر بما فيه الكفاية ليقنع الحلفاء الآخرين بإرسال قوات غير أن الواقع على الأرض كان يرسل إشارات أخرى مغايرة.
وسط هذه الأوضاع، كان غاي غارنر من فندق القيادة الأميركية في إحدى دول المنطقة يعيش لحظاته على أحر من الجمر توقا للسفر إلى بغداد.
حيث إنه طبقا للخطة الأصلية كان مقررا ألا يتوجه غارنر وفريقه إلى بغداد قبل مرور نحو شهرين على العمليات، غير أنه مع الانهيار السريع لنظام صدام أخذ غارنر يضغط لجهة التوجه إلى بغداد من أجل إعادة البناء والقيام بالمهام الإنسانية بشكل أسرع، الأمر الذي وافق عليه فرانكس.
وكان مخطط غارنر إدارة شؤون العراق إلى أن يتم تشكيل حكومة عراقية يقوم هو على تعيين مستشارين لوزرائها وهي الحكومة التي كان يعمل على أن تضم احمد الجلبي وإياد علاوي والرموز العراقية الأخرى من قادة المنفى الذين عقدوا لقاءات مختلفة مع مسؤولي إدارة بوش سواء في واشنطن أو لندن أو كردستان وغيرها.
وفي 18 أبريل، توجه غارنر وفريقه إلى بغداد حيث مكثوا في قصر أبو غريب قبل التحرك بين باقي القصور الجمهورية التي تم الاستيلاء عليها كما قام غارنر بجولة على مختلف أنحاء العراق قادته إلى كردستان .
حيث لقي استقبال الأبطال من قبل العديد من الأكراد الموالين للولايات المتحدة والذين يعيشون حالة متميزة بفضل الحماية الأميركية منذ أكثر من عقد كامل ويقدرون الدور الذي لعبه غارنر في تقديم مساعدات لهم في فترة ما بعد حرب الخليج الأولى.
وعلى عكس الوضع في كردستان، كان الموقف لا يوحي كثيرا بالأمل بالنسبة لغارنر خاصة بالنسبة لبغداد. يقدم الكاتبان هنا صورة بالغة السوء للوضع الذي كانت عليه العاصمة. فالوزارات التي كان يأمل في استخدامها في إدارة شؤون البلاد تم سرقتها ونهب محتوياتها.
كما أن أنظمة الاتصالات في حالة شلل شبه تام، الأمر الذي تم على أيدي القوات الأميركية في حربها مع النظام العراقي السابق حيث دمرت كل وسائل الاتصال للقضاء على سبل التواصل بين القيادات العراقية.
وكذا منع النظام من استخدام الإذاعة في رفع الروح المعنوية للعراقيين. وعلى هذا كانت محطات الهاتف الثمانية عشرة في بغداد عاجزة عن العمل، فضلا عن أن إمدادات الكهرباء لم تكن في حالة مستقرة حيث كانت تنقطع الكهرباء بين وقت وآخر.
كما أن اثنتين من بين محطات الصرف الصحي كانتا في حالة تتطلب إعادة بنائهما جراء عمليات النهب التي تمت ووصل سوء الأوضاع إلى حد بدا معه لغارنر مدى صعوبة القيام بالاتصال من أجل مباشرة مهامه.
صعوبات ميدانية
ومن الصعوبات العسكرية توالت الصعوبات على صعيد العمل المدني وقد تجلى ذلك الأمر في أكثر من مظهر خاصة على صعيد الأمن، الأمر الذي بدا واضحا لروبرت غيفورد الذي كان أول أعضاء فريق غارنر يصل بغداد وأوكلت له مهمة الجانب الأمني.
لقد كانت أولى تعليمات غارنر له هي ترتيب أمر الشرطة العراقية والتأكيد على الحفاظ على الأمن غير أن الأمر لم يستغرق كثيرا لكي يكتشف روبرت أن قوات الشرطة تخلت عن مهامها وأن نقاط الشرطة أصبحت «نظيفة» تماما بسبب عمليات النهب التي جرت لمحتوياتها، بما في ذلك أسلاك الكهرباء والمصابيح الكهربائية والأبواب.
وكانت النتيجة التي خلص إليها أنه إذا كان رجال الشرطة وصلوا إلى حالة لم يستطيعوا معها حماية نقاطهم فإنه من غير المأمول إذا سارت الأمور على ما هي عليه أن يساعدوا الأميركيين في تحقيق مهمة الحفاظ على الأمن في العاصمة بشكل سريع.
ومن المشكلات التي يشير إليها غورودن وتيرنور في هذا السياق أن ندرة رجال الأمن المؤهلين والذين يمكن الاعتماد عليهم كانت من بين المشاكل التي واجهت إدارة غارنر في سعيه إلى تحقيق مهمة استعادة الأمن في بغداد بشكل خاص.
وهنا يعيدان التأكيد على الأخطاء التي وقعت فيها إدارة بوش مشيرين إلى أنه في مناقشات ما قبل الحرب اقترح عدد من خبراء الأمن تشكيل قوة أمن دولية من نحو خمسة آلاف شرطي غير أن مثل هذا الاقتراح لقي معارضة من قبل البيت الأبيض وهو ما قاد أحد هؤلاء الخبراء .
وهو دافيد كاري إلى الاستقالة من منصبه في فريق غارنر. وقد كان منطق البيت الأبيض هو الاعتماد على العراقيين في القيام بهذه المهمة في ضوء تقارير المخابرات الأميركية بكفاءة الشرطة العراقية.
وإن كانت المسألة هنا أن الخطأ يعود ليس إلى كفاءة الشرطة بقدر ما يعود إلى التطورات التي مر بها العراق في ضوء أن رجال الشرطة هم جزء من الشعب العراقي وأن بعضهم يرفض الغزو، ما أدى إلى عدم التعاون معه.
كما لا يمكن نكران أن الكثيرين منهم كان لديه ولاء لنظام صدام بغض النظر عن مساوئ هذا النظام وهو ما كان من الطبيعي أن ينعكس على استمرار حالة الفوضى وعجز الإدارة الأميركية عن استخدامهم للحفاظ على الأمن هناك.
وعلى المنوال نفسه كان الموقف يسير في مناطق أخرى من العراق حيث عبر قادة الوحدات العسكرية المختلفة عن قلقهم من تدهور الأمن في المناطق العراقية المختلفة سائلين غيفورد مساعدتهم غير أنه لم يكن لديه ما يقدمه لهم.
ويفصل الكتاب في استعراض حالة البنية الأساسية في البلاد مشيرا إلى أنها دمرت تماما بسبب عمليات القصف الأميركي خلال فترة الحرب. وعزز من سوء الأحوال عمليات النهب والسلب التي سادت البلاد في أعقاب سقوط بغداد مما صعب من مهمة استعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
يتطرق الكاتبان بعد ذلك إلى قضية أخرى تتعلق بإرساء الديمقراطية في العراق، وفي هذا الخصوص يشيران إلى أن لجنة خاصة من قبل المخابرات الأميركية حذرت من الصعوبات التي ستواجه عملية بناء الديمقراطية في العراق في ضوء الميراث الاستبدادي الذي وسم البلاد على مدى العقود الماضية كما حذرت اللجنة من خطورة أن يتم النظر إلى القوات الأميركية في العراق من قبل أبناء البلاد على أنها قوات احتلال.
وأشارت اللجنة إلى أن الموقف من قوات الاحتلال إنما يعتمد على مدى التقدم الذي يتم إحرازه على صعيد تحول السلطة وكذلك على مدى إدراك العراقيين للجهود التي تبذل من أجل استعادة الأمن وإعادة البناء والوصول بالعراقيين إلى حالة من الرخاء.
كما أشار التقرير كذلك إلى أن استعادة سريعة للخدمات سيكون عاملا مهماً من اجل الإبقاء على المساندة من قبل العراقيين. ورغم حيوية هذه النقاط، يشير المؤلفان، إلى أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي مكن قبل البنتاغون أو الوكالات الأخرى.
وعلى سبيل المثال فإن المشاكل التي صادفت قطاع الكهرباء من حيث الانقطاع أدت إلى مشكلات أمنية عديدة حيث شجعت على ارتكاب الجرائم كما صعبت على غارنر وميكرنان مهمة الاتصال بالعراقيين سواء عبر التلفزيون أو الراديو.
وفي معرض المقارنة يقرران أن حكم صدام ربما كان يتسم بالقسوة غير أنه كان على الأقل يحافظ على إمدادات العاصمة من الكهرباء. ولذا فإنه إدراكا منه لهذا الأمر فقد أمر الجنرال ميكرنان بتشكيل لجنة من أجل إعادة نظام الإمداد بالكهرباء إلى طبيعته.
غير أن المدهش أن اللجنة عندما بدأت مهامها لم تجد التمثيل الكافي ورغم إتمام المهمة بالكاد وفي حدود الإمكانيات المتاحة بمساعدة مهندسين عراقيين إلا أن إمدادات الكهرباء ظلت عرضة للانقطاع والتخريب.
