من بين أكوام المعلومات التي تردني عبر البريد الإلكتروني والبريد العادي قرأت أخيراً مقالة استرعت اهتمامي من دورية «فورين أفيرز». وفي الواقع ان الاشياء التي كشف عنها كاتب المقالة ضابط الـ «سي آي ايه» المتقاعد بول بيلار لا ينبغي ان تكون مفاجئة لأي شخص تتبع قضية العراق وأسلحة الدمار الشامل المفقودة.
بيلار ضابط استخبارات مخضرم عمل مع وكالة الاستخبارات الأميركية المركزية «سي آي ايه» وشغل هناك منصب مساعد رئيس مركز مكافحة الإرهاب قبل ان يصبح مسؤول الاستخبارات الخارجية لشؤون الشرق الأدنى والشرق الأوسط من عام 2000 حتى 2005.
وتقدم مقالته تحليلاً سليماً لدعم ادعائه بأن إدارة بوش كانت قد اتخذت قرار غزو العراق دون الاعتماد على تحليل استخباراتي مسنود لتدعيم الإدعاءات بأن العراق كان يملك أسلحة دمار شامل مخبأة أو غير معلن عنها.
وكان امتلاك العراق لهذه القدرات ينتهك القانون الدولي، بل ويشكل أيضاً تهديداً للولايات المتحدة والمجتمع الدولي على نحو صاغ مبرراً لاستخدام القوة.
وبالطبع ليس هناك أي جديد في هذا كله، وان كان بيلار ـ قد وجد اهتماماً إعلامياً مفاجئاً بتأكيداته هذه. ولكم أدهشني ان أرى كيف تفاعلت وسائل الإعلام بذهول مع فكرة ان إدارة بوش تعاملت مع المعلومات الاستخبارية بـ «صورة انتقائية» لتبرير قرار غزو العراق.
إن المعلومات التي كشف عنها بيلار لم تأت بجديد سوى انها عززت معلومات نشرت سابقاً من مصادر مثل مذكرة داونينغ ستريت، في حدود يوليو 2002، والتي أشارت الى ان الرئيس بوش كان قد قرر شن الحرب على العراق مستخدماً أسلحة الدمار الشامل والروابط المزعومة بين صدام حسين والقاعدة كمبررات.
وأشارت المذكرة أيضاً الى أن الأدلة التي جمعت لإدانة نظام صدام حسين بهذه الاتهامات كانت ضعيفة، وان إدارة بوش كانت منهمكة في طبخ المعلومات الاستخبارية بما يتواءم مع السياسة المقررة لتعزيز قرارها بشن الحرب.
وبالطبع فإنني ومعي العديد من مسؤولي الاستخبارات السابقين قلنا ومازلنا نقول الشيء نفسه منذ فترة، لكن بيلار ألبس كبسولة الاتهامات المرة غطاء من السكر:
حيث أشار إلى ان وكالة الاستخبارات المركزية «سي أي ايه» كانت تعتقد فعلاً ان هناك أسلحة تدمير شامل في العراق، لكنها كانت تعتقد أيضاً انه بالإمكان احتواء العراق وبالتالي لم يكن خيار الحرب هدفاً سياسياً يستحق العناء المبذول من أجله.
وفي الحقيقة انني دهشت دهشة شديدة من الطريقة التي ينتقد فيها بيلار إدارة بوش لتلاعبها بالمعلومات، بينما يدافع عن العمليات التحليلية التي طبقتها الـ «سي اي ايه» برغم حقيقة ان ال«سي اي ايه» اكدت في تحليلها الأخير ان هناك أسلحة تدمير شامل في العراق، اعتقد ان ما يريد بيلار قوله في دفاعه هذا هو ان ال«سي اي ايه» كانت مخطئة لكن ليس بقدر ما كانت إدارة بوش مخطئة.
وينتقد بيلار بشدة تسييس العمليات التحليلية التي تقوم بها وكالة الاستخبارات، لكنه على الأغلب يقتصر في انتقاداته على إدارة بوش خلال الفترة التي سبقت الغزو في مارس 2003.
والغريب ان بيلار لا يذكر شيئاً عن قضية تغيير النظام والدور الذي لعبته الـ «سي اي ايه» في تنفيذ عمليات سرية بتعليمات من البيت الأبيض «الديمقراطي والجمهوري» للإطاحة بصدام حسين. وباعتباره مسؤولاً سابقاً في الاستخبارات القومية لشؤون الشرق الأدنى والشرق الأوسط، فإن عدم تطرقه لهذا الموضوع يبدو لي أمراً محبطاً وماكراً.
وبتجاهله الحديث عن حجم دور وتأثير مهمة تغيير النظام التي كانت موكلة لل«سي آي ايه» على طريقة تحليلها لملف أسلحة التدمير الشامل العراقية، فإن بيلار يواصل بذلك، نشر أسطورة ان ال«سي آي ايه» كانت مشتركة حقاً بأمانة في جهود نزع اسلحة العراق.
صحيح انني لم أكن ضابط استخبارات قومية، لكنني كنت أتعاون معهم عن قرب لدرجة جعلتني اتعرف على «ستيف» الذي ترأس قسم الشرق الأدنى داخل مديرية العمليات في الوكالة.
وساعد في التخطيط لعدة محاولات انقلاب في العراق. وكنت على معرفة أيضاً بـ «دون» الذي ساعد في إدارة مركز مكافحة انتشار الأسلحة التابع للوكالة، وكان على علم تام كيف تدخلت ال«سي اي ايه» وأفشلت العديد من التحقيقات والعمليات التي كان يديرها مفتشو الأمم المتحدة في العراق.
ولو وصلت هذه العمليات مرحلة الإشهار لتبددت ربما اسطورة عدم تعاون العراق مع المفتشين، وهذا كان يمكن ان يحرم ال«سي اي ايه» من مهمتها الأساسية في مواجهة العراق عن طريق تغيير النظام.
كنت أعرف هذين الرجلين وأعرف طبيعة مهامهما. وبيلار كان يعرفهما ويعرف مهامهما أيضاً، ولذلك فإن التزامه الصمت حيالهما يطرح علامة استفهام كبيرة لماذا؟
الإجابة الوحيدة المنطقية برأي هي بول بيلار، رغم كل نواياه الحسنة، يسعى جهده للدفاع عن ميراثه الشخصي، ولذا يبقى متناسياً لحقيقة ان أفعاله وأفعال أمثاله من ضباط الاستخبارات المحترفين أدت الى أفول نجم وكالة الاستخبارات المركزية كأداة مشروعة لخدمة الأمن القومي للولايات المتحدة. ان بول بيلار جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل.
ترجمة: علي محمد
عن «أولتر نت دوت كوم»