عودة البربرية هي إحدى السمات الأساسية للقرن الحادي والعشرين، هذا ما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب تحت عنوان «التوحش»، وهي الباحثة في القضايا الإستراتيجية وعضوة المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن، وصاحبة العديد من الكتب مثل «الإرث النووي» و«الحرب الكاملة» و«سياسة الفوضى».
إنها تحاول أن ترسم صورة لما سيكون عليه العالم عام 2025، وذلك على ضوء دراسة ما كان عليه هذا العالم عام 1905 وما هو عليه عام 2005.
وفي أفق عام 2025 يتم تحديد عدد من الأسئلة التي ستبقى مفتوحة مثل السيطرة على التطور التكنولوجي والإرهاب غير التقليدي (أي استخدام أسلحة دمار شامل) واحتمال تفكك القارة الإفريقية وتكاثر عدد القوى النووية في منطقة الشرق الأوسط .
واستمرار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ونهاية باكستان واحتمال نشوب حرب بين الصين وتايوان، باختصار سيسود قرن من الخوف. وهذا كله على ضوء قراءة واقع اليوم.
لم تمتلك أية حقبة من حقب التاريخ مثل هذا القدر من القوة، لكن لم تتحمل أي منها هذا القدر من المسؤولية أيضا.
هكذا تبدأ مؤلفة هذا الكتاب حديثها عن الشراسة التي أنتجها القرن العشرون، وبوادر عودة التوحش في القرن الحادي والعشرين. إنها تذكر بهذا الصدد الفيلسوف الشهير «شوبنهاور» الذي كرّس قسما لا بأس به من أعماله لبحث العلاقة بين السياسية والأخلاق.
وكان هذا الفيلسوف قد اقترح على رجال السياسة أن يتأملوا حول ما ستكون عليه نتيجة أعمالهم بحيث لا تسترشد فقط بمصلحة الجيل الراهن وإنما أيضا الأجيال المقبلة.
صعوبة مثل هذا التمرين تأتي أولا من «طغيان» الاهتمام بما هو راهن في عالم السياسة رغم الحديث «البلاغي» عن المستقبل. وتأتي ثانيا من كون أن تطور التاريخ يبقى مرهونا بالمجهول، وبالغيب ولا يخضع أبدا لحتمية السبب والنتيجة، أو لما يسمّى ب«قوانين التاريخ».
وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى أن تاريخ القرن الماضي أظهر السهولة التي جرت بها موجات عنف دموية وذلك بعد فترات من الهدوء الذي بدا مستقرا. هكذا أشعلت أوروبا «المزدهرة» «الحريق» في العالم كله عبر حربين كونيتين.
ثم إن مثل هذا التسارع المفاجئ للتاريخ إنما يدل على فشل العمل السياسي الذي يكتفي عندها بالجري وراء الأحداث قبل أن يغرق معها.
في عام 1905 قامت الحرب الروسية-اليابانية، وانطلقت الثورة الروسية الأولى التي فشلت وأعقبها قمع رهيب وثارت أزمات أخرى في أوروبا وآسيا وحوض المتوسط، وباختصار تقول مؤلفة هذا الكتاب:
«كان عام 1905 هو أحد أكثر السنوات مأساوية في مطلع القرن العشرين». ففي تلك السنة بدأت الإشارات كلها تميل نحو «الأحمر» لكن عددا قليلا من المراقبين رأوا أن «العاصفة قادمة»، العاصفة و«القنابل».
القادم أعظم
واليوم وبعد قرن من الزمن هناك العديد من الأشخاص الذين يعتريهم القلق في مطلع هذا القرن الجديد الحادي والعشرين بسبب ما يشهده العالم من أحداث تبدو بمثابة مقدمات لأمور أكبر وأخطر كما كان الحال في مطلع القرن الماضي. إن الحديث يتكاثر اليوم عن صدام الحضارات في ظل تنامي أسطورة الإمبراطورية الأميركية.
وما تؤكده مؤلفة هذا الكتاب هو أن الولايات المتحدة لا تمتلك في الواقع لا المؤسسات ولا الطموح الإمبريالي، وذلك على عكس القوى الأوروبية خلال القرنين المنصرمين.
ويكفي للاقتناع بهذا إعادة قراءة النصوص العديدة التي تدل على نفور الأميركيين عامة من الدخول في نزاعات وحروب أو من البقاء في أراض كانوا قد حققوا فيها انتصارات عسكرية. لكن هذا كله لا يمنع وجود صورة «إمبريالية» للولايات المتحدة الأميركية.
إن القوة عندما تتبدّى بالشكل الصارخ كما هي عليه في الولايات المتحدة اليوم فإنها تنتج دائما الأطماع والمنافسة ومشاعر البغض. وهذا يجعل السلام شبه مستحيل بسبب عدم إمكانية الاستجابة لجميع هذه المشاعر المتناقضة.
وهنا يكمن جذر أشكال الفوضى الكبرى القادمة. هكذا ترى المؤلفة أن سياق العولمة الحالي يحمل في طيّاته المناخ الملائم لتشكل حركات ثورية من نموذج جديد بحيث ان الإرهاب ليس سوى أحد تعبيراتها. أما الخشية هنا فتتمثل في إمكانية أن تقوم هذه الحركات بتدمير كل شيء دون أن تنتج شيئا.
وتتم الإشارة في هذا السياق أيضا إلى التقدم الذي حققته الديمقراطية في العالم، إذ بعد النواة الديمقراطية التي قامت في أوروبا خلال القرن التاسع عشر، هبّت على العالم نفحة ديمقراطية جديدة بعد نهاية الاستعمار وبعد الحرب العالمية الثانية ثم انضمت أغلبية بلدان أوروبا الوسطى والشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة التي كانت تسير في فلكه عام 1991، كذلك تقدمت الديمقراطية خلال السنوات الأخيرة في أميركا الجنوبية وآسيا وحتى في إفريقيا.
وقد وصلت الحركة اليوم إلى جزء من آسيا الوسطى والشرق الأوسط. وبشكل عام انتقلت نسبة البلدان التي تبنّت الديمقراطية في العالم ما بين عام 1974 وعام 1998 من 20% إلى 61% بما في ذلك روسيا.
هناك ظاهرة أخرى تؤكد عليها مؤلفة هذا الكتاب في السياق العالمي الحالي، وتتمثل في كون أن عددا من الدول ومن الشعوب أيضا ترى بأن التاريخ لم يعطها أبدا الحقوق العائدة لها.
إن الأوروبيين في السياق الدولي الحالي لا يطمحون للاستقرار فقط وإنما يريدون أن يكون لهم دور في المسائل المصيرية للعالم، أي إعادة توزيع حقيقية للسلطة وليس مجرّد الحديث «الرومانسي» عن تعددية الأقطاب في العالم. ثم أن إيران بحصولها على صواريخ يبلغ مداها ما بين 2000 إلى 3000 كيلومتر وبحثها عن التزود بالسلاح النووي، فإنها تسعى بذلك إلى تعزيز دورها الإقليمي.
وإذا كانت الهند قد قامت عام 1998 بتجارب نووية، فإنها أرادت أن يكون لها وزنها في القضايا الدولية إلى جانب تعزيز دفاعها الذاتي. ثم إن الهند تمتلك أوراقاً فكرية واقتصادية وسياسية رابحة تسمح لها بالسعي لتحقيق أهدافها دون أن يكون عليها دفع ثمن باهظ، كما هو الحال بالنسبة للصين.
الصين هي الأكثر رغبة بين الأمم في تحويل علاقات القوة في القرن الحادي والعشرين لصالحها، كما أنها لا تتردد في استخدام كل السبل للوصول إلى ذلك.
ثم إنها لم تنس أبدا الطريقة التي حاولت من خلالها القوى الأوروبية كبحها منذ القرن التاسع عشر. وتتم الإشارة هنا إلى أن حرب الأفيون التي استمرت سنوات طويلة.
هكذا يغذى الثأر من التاريخ سياستها الخارجية كما أن المحافظة على السلطة بواسطة الحزب الشيوعي ترشد سياستها الداخلية. إن هدفها الواضح هو أن تصبح القوة المنافسة للولايات المتحدة الأميركية وتجاوزها إذا أمكن ذلك. ثم إن الصين بدأت بالتصرف أصلا على أساس أنها القوة العالمية الأولى.
بالتأكيد تبدو عملية التشكيك بالحالة الدولية الراهنة من قبل قوى جديدة أمرا طبيعيا في فترة تحول تاريخي مثل تلك التي يشهدها العالم اليوم منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الاستقطاب الثنائي الدولي.
ثم إن هذه الظاهرة تدفع مجلس الأمن الدولي بانتظام ـ عبثا حتى اليوم ـ إلى الحديث عن توسيع إطاره كي يضم دولا جديدة ويكتسب بنفس الوقت شرعيته «الضائعة».
لكن الوصول إلى هذا يتطلب قبل كل شيء قبول فكرة أن التغيير أصبح ضروريا، ولا بد من امتلاك مواهب سياسية لا تقل كفاءة عن أولئك الذين استطاعوا أن يحافظوا على السلام طيلة أربعين عاما من الحرب الباردة والمواجهات الإيديولوجية. المطلوب اليوم، كما ترى مؤلفة هذا الكتاب، هو مزيج من الحوار والحزم والتصميم.
ذلك أن الاكتفاء بالمحافظة على المصالح الخاصة دون الاهتمام بالتطورات التاريخية إنما يعني عدم مواكبة التغيرات التي تجري في الواقع.
إن ما ينبئ عنه «منظار المستقبل» تحدده مؤلفة هذا الكتاب بزيادة الاستياء لدى العديد من المجتمعات التي لا تحظى بشيء من حكوماتها فتتزايد اتهاماتها للخارج حيث يبدو الغرب في رأس قائمة المتهمين. ذلك أن ذكريات الاستعمار لا تزال ماثلة في الأذهان ولا يزال الإحساس بالإذلال حاضراً في الضمائر.
ضمن هذا السياق تأخذ الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل صورة قوتين استعماريتين بنظر جزء من العالم. لقد حلّتا في مخيلة عدد من الشعوب محل المستعمرين الحقيقيين، أي الأوروبيين.
وتؤكد مؤلفة الكتاب في هذا السياق على أن الولايات المتحدة، ورغم أنها لا تمتلك ماضيا تاريخيا، على عكس أوروبا، قد اكتسبت صورة قوة استعمارية بسبب دعمها لإسرائيل التي تبدو ك«تجربة ذات نمط استعماري».
وبناءً على هذا يرى بأن اهتمام أميركا بالعدالة والتنمية واستئناف مسيرة السلام في الشرق الأوسط إنما يشكل عاملا في الاستقرار العالمي. فهذه الأمور لها قيمة حقيقية ورمزية، «ولهذا أيضا تكتسي كرامة الشعب الفلسطيني قيمة رمزية في العديد من مناطق العالم».
بالمقابل، تبدو «إرادة الثأر»، لدى العديد من الدول، من الغرب الذي فرض قانونه على العالم لفترة طويلة جدا وكأنها من طبيعة أخرى. إذ هناك رغبة عميقة في الوصول إلى إعادة توازن إستراتيجي. لذلك سوف تعمل البلدان التي تحمل مثل هذه الرسالة على إسماع صوتها وفي مقدمتها الصين والهند وإيران.
أما المشكلة فتبدو بدرجة أقل في كبح هذه الطموحات مما هي في إعطاء هذه الدول إمكانية ذلك بصورة لا يتم معها تشويش السلام الإقليمي والعالمي.
وهذا بالتحديد ما لم يكن ممكنا التوصل إليه في القرن العشرين مع تعاظم قوة ألمانيا. والجميع يدرك النتائج التي ترتبت على ذلك، أي قيام حربين كونيتين وسقوط ملايين الضحايا. من هنا تصل المؤلفة إلى القول: «من الخطير إذن تجاهل هذه الظواهر أو التظاهر بعدم فهم تداعياتها».
وتحدد المؤلفة سببا آخر لعودة «التوحش» في الفرق المتنامي بين الأشكال التي حققها العلم والتكنولوجيات وبين تقدم مماثل في الميدان الأخلاقي.
ثم إن حالة عدم الاستقرار في العالم المعاصر تأتي بجزء كبير منها بالتبعية المتزايدة التي وجد البشر أنفسهم يعانون منها في علاقتهم مع التكنولوجيات بينما فقدت القيم الأخلاقية من صلابتها. لقد تعاظمت سلطة الإنسان بينما ازدادت غايات عمله تشوشا. كما أن وسائل التدمير المتوفرة تبرر قلق دوائر أوسع من البشر.
وإذا كانت الأصوات التي تنادي بعدالة أكبر على صعيد التنمية وتوزيع الثروة في العالم تتزايد أكثر فأكثر، فإن مؤلفة هذا الكتاب ترى بأن الوصول إلى عدالة أكبر يتطلب بالضرورة وفي الوقت نفسه تضحيات حقيقية من قبل البلدان الغنية وشجاعة سياسية لا مثيل لها من قبل النخب في البلدان الفقيرة.
ذلك أن التصريحات المدوية حول فرض ضريبة دولية على منتوجات العولمة إنما هي ذات أثر «كلامي» فقط ولا يخدع أحدا. إذ عندما نعرف أن الدول المانحة لم تعد قادرة على الوفاء بوعودها وتكريس 0,7% من إجمالي إنتاجها المحلي فلا بد أن تحوم الشكوك حول «الخطابات الكبرى».
استشراء الفساد
بالإضافة إلى هذا، تتم الإشارة إلى أن مساعدات التنمية منذ خمسين سنة بلغت أكثر من 1000 مليار دولار لبلدان إفريقيا جنوب الصحراء (إفريقيا السوداء)، بينما تزداد هذه البلدان فقرا. هكذا تبدو هذه المساعدات، وكذلك عملية شطب الديون عن البلدان المعنية، بمثابة «تشجيع على الإدارة السيئة وعلى الفساد».
أما مفتاح التنمية فإنه يبقى في الإعداد الفكري وفي قدرة التجديد. لكن لا هذا ولا ذاك هما موضع تشجيع في ظل الأنظمة الاستبدادية أو الفاسدة. لقد كانت إفريقيا تمثل إحدى أولويات قمم البلدان الصناعية الكبرى الثماني منذ عام 2001 وحتى عام 2005 في بريطانيا.
وتخلص المؤلفة إلى القول أن المؤتمرات حول الفقر في العالم، التي تميل إلى أن تصبح صناعة، لن تعطي أية نتيجة دون إيجاد نخب محلية وتحسين منظومات الصحة والتربية. وقبل كل شيء دون نضال حثيث ومستمر ضد أشكال الفساد وعدم احترام القانون.
يقول ليون تروتسكي: «ذلك الذي يأمل بحياة هادئة قد انخدع بولادته في القرن العشرين». هذا ما تنقله المؤلفة قبل أن تتساءل: وماذا عن القرن الحادي والعشرين؟
وتجيب: «نادرا ما كان القلق والخوف ملموسين كما هما اليوم». هذا يتبدّى من خلال أن «ما هو افتراضي» يلعب دورا متناميا في تشكل الوعي بعالم اليوم، خاصة في المجتمعات الغربية والمجتمعات المتقدمة بحيث يتم نفي، أو تجاهل، المظاهر الأكثر تهديدا في الواقع.
وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى كتاب «جيل القتل» لمؤلفه ايتان رايت جندي المارينز الذي يتحدث فيه عن «الوجه الجديد للحرب الأميركية» مؤكّدا بأن الشباب الذين قاتلوا في العراق كانوا يميلون أحيانا إلى أن يتعرفوا في أرض المعركة على سيناريوهات كانوا قد رأوها على أشرطة الفيديو.
لكن العيش فيما هو «مفترض» بعيدا عن الواقع ينتهي بشكل دائم تقريبا ب«ثأر» هذا الواقع عبر حدوث كوارث. ونفي الكوارث له تقاليده العريقة في العالم الغربي.
هكذا لم ير أحد قدوم الثورة الروسية ولا الثورة الصينية ولا الحربين العالميتين، الأولى والثانية، ولا سقوط برجي التجارة العالمية في نيويورك. كذلك لم يرتقب الألمان الغربيون الأخطار التي كانت تحدق بهم أثناء فترة الحرب الباردة. ولم يشك أحد بإمكانية أن يلجأ حلف وارسو إلى استخدام السلاح النووي والسلاح الكيميائي.
لكن بعد رحيل القوات السوفييتية من الشرق الألماني، تمّ العثور على خرائط تبدو فيها المدن الرئيسية الألمانية محاطة بدائرتين؛ الدائرة الأولى تحدد آثار الأسلحة الكيميائية والثانية آثار الأسلحة النووية، كانت ألمانيا تشكل آنذاك «خط الجبهة».
ما تتم ملاحظته هو أن تعبير «الحرب ضد الإرهاب» يلاقي مقاومة عنيفة في أوروبا. ويتم تبرير هذه المقاومة بحجة بسيطة وهي أن الإرهاب لا يصدر عن جيش فكيف يمكن شن الحرب عليه؟ وحجة أخرى تقول انه ينبغي تجنب إعطاء الكثير من الأهمية للخصم عبر الاعتراف بأنه يمكن أن ينتصر، كما هو الحال في كل حرب.
هنا تفتح مؤلفة الكتاب قوسين لتقول أنه لا أحد يختار خصومة والخصم المنعوت بالإرهاب إنما قد أعلن حربا لا هوادة فيها ضد العالم الغربي وأنه يضع عمله في سياق الاستمرارية وبالتالي، فإنه قد يستطيع بالفعل أن يوجه ضربات قوية للمجتمعات الغربية وأن يهز أيضا استقرار العالم الذي يعاني أكثر من موطن خلل آخر.
أما قلب المشكلة فتراه المؤلفة في استخدام تعبير «حرب» الذي لا تريد المجتمعات الأوروبية عودته بسبب المآسي التي جلبتها هذه الحرب لأوروبا. هذه المجتمعات تفضل الاكتفاء بعمليات ذات طابع بوليسي مثل تلك التي شهدتها القارّة خلال سنوات السبعينات ضد إرهابيي الألوية الحمراء أو العمل المباشر. ثم إن التاريخ الإرهابي كله لم يشهد قبل شهر سبتمبر 2001 اتخاذ قرارات من قبل مجلس الأمن تجيز «مثل هذا النوع من الحروب».
لكن يبقى العامل النفسي ذا أثر كبير بالنسبة للأوروبيين الذين أثقلت عليهم الحروب تاريخيا، أكثر من الأميركيين، إذ أنهم عرفوا منذ القرن السابع عشر حربا كبيرة كل جيل.
لكن إذا كان السلام هو أحد أنبل المشاعر الإنسانية، فإن الحرب قد تكون أحيانا الشر الأقل ثمنا، فمثلا، لو شنت الحرب ضد هتلر عام 1936 فلربما كان من الممكن منعه من إشعال شرارة الحرب العالمية الثانية عام 1939، وبالتالي صيانة حياة عشرات الملايين من البشر.
قطيعة مع الواقع
إن مختلف التهديدات القائمة وحالة التشوش التي يعيشها العالم تجعل الواقع التاريخي المعاصر أقل استقرارا مما كان عليه قبل عدة عقود من الزمن، بل ويحمل في طيّاته الكثير من العواصف المنذرة. هذا لاسيما وأن البلدان المتقدمة تفقد أكثر فأكثر من سيطرتها على الأحداث، بينما تزداد بنفس الوقت هشاشة مجتمعاتها نفسها، وتزداد قطيعتها مع الواقع مع ما يترتب على هذا من عدم الفهم للقوى القائمة في العالم.
ثم إن الإحساس الواقع لا يمكن الوصول إليه إلا بواسطة الجهد الذي تقدمه الذاكرة وإلا لن يكون مصير منظمة الأمم المتحدة أفضل من مصير عصبة الأمم التي قامت بعد الحرب العالمية الأولى. ثم لا بد من الاستفادة من دروس التاريخ القريب والتي ليس أقلها شأنا انهيار الاتحاد السوفييتي.
وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الاستقطاب الثنائي الدولي ساد الاعتقاد لفترة بأن «التاريخ قد انتهى» وبأنه لن تكون هناك بعد اليوم أية حروب سوى ذات الطابع الاثني. لكن المؤرخين يعرفون بأن الحروب الكبرى، وبكل وحشيتها، هي إمكانية مستمرة طالما هناك دول وموازين قوى. وإذا كانت الحرب العالمية لم تنشب حتى الآن، فهل يمكن، مع ذلك، الزعم بأنها لن تنشب أبدا؟
إذ أن آسيا ستكون في القرن الحادي والعشرين ما كانت عليه أوروبا في القرن العشرين، أي مركز المسائل الإستراتيجية وليس فقط مركز الصفقات الكبرى. وهذا ما عبّر عنه أحد المسؤولين الكبار في سنغافورة بالقول: يمكن دائما إيجاد الأفراد من أجل الاستثمار لكن مسائل الحرب والسلم هي أكبر من أن تترك للصدفة.
إن أكبر حالة تقهقر شهدها القرن العشرين تحددها مؤلفة هذا الكتاب بإنتاج نوع من «اللامبالاة المتوحشة» البعيدة عن أية نزعة إنسانية. ذلك أن الحربين العالميتين حطمتا كل الحواجز التي أقامتها الحضارة باسم هذه النزعة الإنسانية. فالفظاعات التي جرى ارتكابها فاقت كل ما عرفته البشرية منذ أزمنتها الأكثر وحشية حيوانية.
وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى وجود وثائق في الأراشيف السوفييتية تبيّن بأن تجارب كيميائية وبيولوجية قد جرى تجريبها على بشر منذ سنوات الخمسينات من القرن الماضي في كوريا الشمالية.
إن مثل هذه الممارسات، وحيثما كانت، توحي بقدر قليل من الثقة ومن احترام الاتفاقيات الدولية كما تطرح تساؤلات حول السلوك «المحتمل» في حالة قيام حرب واللجوء إلى أي سلاح.
وتتمثل إحدى النتائج الأساسية للتجربة الإنسانية الحديثة بفناء عشرات الملايين من البشر بسبب الحروب والثورات. ولا شك بأن الأسلحة الموجودة في العالم قادرة على تدميره بشكل كامل عدة مرات في ظل العصر النووي.
وإذا كان الجميع يؤيدون فكرة أن السلاح الذري قد أدّى إلى كبح المواجهات وقيام حالة من «سلام الرعب»، لكنه أضعف بنفس الوقت الفكر الإستراتيجي. وفي كل الفترات لم تتوقف الكوارث التي تصيب البشر بل يبدو أن البربرية تعود من جديد، وبقوة، في العديد من مناطق العالم.
وتستهدف خاصة المدنيين. إن بعض الأرقام لها دلالتها البالغة في هذا الميدان إذ ومنذ نهاية الحرب الباردة فقط كان هناك 000 150 ضحية في الجزائر و000 180 قتيل في البوسنة و000 200 في الجمهورية الشيشانية ومليون ضحية في مجازر رواندة. هذه الأرقام الضخمة جرت ترجمتها أحيانا بعدم المبالاة في الأرقام «الصغيرة» لعدد الضحايا، إذ ما معنى مثلا القتلى الـ 10000؟
وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى حالة الفساد المستشري على صعيد المبادئ اليوم. وفساد المبادئ هو الخطوة الأولى في فساد الحكومات وفساد السياسة والعمل السياسي. إنه يشير أيضا هنا إلى التقرير الذي أعدّته منظمة الأمم المتحدة ونشرته عام 2003 عن العالم العربي.
لقد اعتبر مؤلفو هذا التقرير أن المشكلة الرئيسية في هذه المنطقة من العالم تتمثل في تدهور التكوين الفكري والتربية. كما أن «التسلط وقمع روح المبادرة في العالم العربي لهما نتائج اقتصادية واجتماعية وسياسية مخرّبة». ثم إن مثل هذه المقدمات تؤدي إلى إنتاج مناخ ملائم للتطرف بكل أنواعه.
وهنا تفتح المؤلفة قوسين لتؤكد بأن أوروبا نفسها تعاني من تدهور فكري يتم التعبير عنه خاصة في غياب النقاش وفي تشوش الأفكار. وفي كل الحالات يبعث هذا الواقع على القلق حيال مستقبل العالم.
وإذا كانت هناك مسؤوليات تقع على عاتق أوروبا حيال المستقبل فإن الولايات المتحدة هي التي تبدو أكثر قدرة ودينامية في مثل هذا المنظور. لكنها لا تزال تبدو هشة جدا إذ أن ما حققته في أفغانستان والعراق.
وتمكّنها من إقناع العقيد القذافي بالتخلي عن «أسلحته» غير التقليدية ولعبها دور مركزي في قضايا الشرق الأوسط، إنما يمكن أن يكون عرضة للنكوص والعودة عنه؛ ذلك أن الشعوب المعنية نفسها لم تقل كلمتها الأخيرة.
لقد كان القرن العشرين مأساويا ودمويا و«بربريا». لكن «هل سيبقى في ذاكرة البشر هو قرن الكوارث الإنسانية الكبرى؟ علينا كي نقول ذلك أن ننتظر معرفة ما يخبئه المستقبل لنا».
و«ما يخبئه المستقبل لنا» يبقى في علم الغيب، لكن مؤلف هذا الكتاب يراه حالكا. وهذا ما تعبّر عنه جملة قالها «الكسندر بلوك» وجعلتها المؤلفة تصديرا لأحد الفصول. وتقول: «آه... لو كنتم تعرفون أيها الأطفال، برد الأيام القادمة وظلماتها».
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
