في سياق كشف خبايا الرحلة الطويلة إلى الغزو يستعرض الكتاب جوانب من لعبة القط والفأر التي مارسها صدام مع الولايات المتحدة. ويشير المؤلفان إلى أن هذا الأخير اتبع ما يمكن تسميته الردع بالشك. ففي ديسمبر 2002 عقد سلسلة اجتماعات مع قادة المجلس العسكري الثوري ومساعديه في حزب البعث والقادة العسكريين ليعلن عن مفاجأة تتمثل في التأكيد على أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل.

ويحاول المؤلفان في تطرقهما لهذا الجانب الإشارة إلى ان طبيعة صدام التي تتسم بالديكتاتورية فرضت نطاقا من السرية على هذا الأمر بحيث لم يكن يعلم به سواه وابنيه والمقربين من مساعديه.

يشير المؤلفان إلى أنه بحسب تأكيدات قادة عسكريين عراقيين فإن صدام كان يسيطر على رؤوس كيماوية وأسلحة بيولوجية تم إخفاؤها رغم مطالب المنظمة الدولية بنزع هذه الأسلحة. ومن أجل الترويج لإعلانه حتى وسط كبار القادة والمسؤولين من غير حاشيته طلب صدام من مسؤولين محددين التأكيد على طرحه في هذا الخصوص.

ومما يثير التساؤل هنا حول حقيقة الموقف العراقي وصدام بالتحديد ما يشير إليه الكتاب من أن وزير الدفاع العراقي سلطان هاشم أحمد أخبر المحققين بعد سقوط بغداد أن الكثير من القادة العسكريين أبدوا دهشتهم لإعلان صدام المشار إليه. فقد اعتمد العراق حسب روايته على الأسلحة الكيماوية لصد الإيرانيين خلال الحرب الطويلة بين البلدين،

كما أن صدام عمل على الترويج لفكرة أن أسلحته الكيماوية والبيولوجية كانت وراء ردع القوات الأميركية عن دخول بغداد خلال حرب الخليج الأولى في 1991. فضلا عما سبق فإن العراقيين استخدموا التهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل من أجل الحفاظ على الشيعة ضمن صفوف النظام الحاكم.

وحسب تحليل المؤلفين فقد كان صدام يأمل من خلال هذا الإعلان الاستمرار في التأثير على الجدل الدائر في مجلس الأمن أو على الأقل توفير أجواء مواتية تشجع على التصويت ضد شروع المجلس في أي عمل عسكري ضد العراق. كما استهدف اثناء جنرالاته عن الاعتماد على وجود أسلحة دمار شامل في إلحاق الهزيمة بالغزاة في حال اندلاع الحرب.

ولم يكن ذلك الإجراء الوحيد الذي استهدف منه صدام احتواء المساعي الأميركية للحرب .. فقد واصل حتى ذلك الحين، وبعد نحو عقد من العلاقة الصاخبة مع المفتشين الدوليين، محاولاته لحرمان إدارة بوش من ذريعة الحرب.

ففي يناير 2003 وجه صدام كبار مساعديه بتقديم تسهيلات للمفتشين وحق الدخول إلى الأماكن التي يرغبونها بما في ذلك القصور الرئاسية ومواقع حكومية أخرى. ومن أجل الحصول على شهادة حسن سيرة وسلوك للنظام فإن مساعدي صدام بذلوا جهودا كبيرة من أجل تطهير البلاد بما يصعّب على فرق التفتيش الوصول أو العثور على أية دلائل بشأن إنتاج أسلحة دمار شامل.

وفي إطار خطواته لتحقيق هدف صدام بالتأكيد على خلو البلاد من أسلحة الدمار الشامل أصدر حسام أمين، المدير المسؤول عن التعامل مع لجان التفتيش، في 25 يناير تحذيرا شديد اللهجة لقادة الحرس الجمهوري بضرورة التأكد من عدم وجود أية دلائل على مثل هذه الأسلحة في وحداتهم أو قواعدهم مشددا على أنه في حالة اكتشاف مثل هذا الأمر سيتم إحالة الأمر إليه فورا لاتخاذ اللازم.

وهدد صدام بتحميلهم مسؤولية عدم الاستجابة لأوامره. وحسبما ذهب الجنرال رعد ماجد الحمداني أحد قادة الحرس الجمهوري فإن صدام قرر تجنب الظهور بمظهر الضعيف وأخبر حاشيته المقربة أن أفضل جزء في الحرب هو الخداع ، وعلى هذا فقد تركزت استراتيجيته على التعاون مع نص قرارات الأمم المتحدة وليس روحها الأمر الذي كان يعتبره ماجد الحمداني مهمة صعبة.

وفي إطار محاولتهما للكشف عن الأخطاء التي واكبت خطة الغزو والتي اعترفت وزيرة الخارجية الأميركية رايس بها مؤخرا مؤكدة أن هناك أخطاءً تكتيكية كثيرة ارتكبت خلال هذه الفترة، يكشف الكاتبان مايكل جوردون وبرنارد ترينور أن متابعة تفاصيل الأمر تشير إلى أنه لم يكن لدى إدارة بوش سيناريو متكامل بشأن ما يمكن القيام به في العراق

فيما بعد سقوط النظام العراقي، ويعبران عن دهشتهما من كون ذلك الجانب كان بعدا غائبا في خطط الحرب. وفي تعزيز لما يذهبان إليه بشأن اتهام إدارة بوش بالتقصير يشير الكتاب إلى أن ذلك الأمر لم يكن غائبا في ظل إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون في ضوء الإقرار بأن إسقاط النظام العراقي كان هدفا للإدارات الأميركية المتعاقبة فيما بعد حرب الخليج الأولى وتحرير الكويت.

خطة زيني

ووفقا لما يرويه الكاتبان فإنه خلال حكم كلينتون فإن الجنرال أنتوني زيني عمل على بلورة خطة متكاملة لإدارة العراق إذا ما انهار النظام أو اندلعت حرب خلال فترة توليه رئاسة القيادة المركزية الأميركية. بل ان زيني لم يكتف فقط بتطوير خطة للغزو تطلبت توفير نحو 380 ألف جندي كحد أدنى للسيطرة على الأوضاع في العراق حال حدوث مثل هذا الأمر

وإنما ركز على جانب الإدارة من خلال منظمات مدنية بدءا من هيئات التنمية الدولية وانتهاء بوزارة الخزانة. وفي ضوء أن الظروف لم تكن تفرض تغيير النظام في العراق خلال فترة حكم كلينتون فإن الأمر توقف عند هذا الحد. فماذا عن إدارة بوش التي بادرت هي بالغزو وأنضجت الظروف لكي تغير النظام العراقي؟

من الغريب، وفق رواية المؤلفين، أن فرانكس لم يعمل فقط على تطوير خطط زيني، بل الأكثر من ذلك أن الطرفين، فرانكس وزيني، لم يتحادثا سويا بهذا الشأن منذ رحيل زيني عن القيادة المركزية وخلافة فرانكس له.

ليس ذلك فقط بل ان الأغرب انه عندما تحدث زيني إلى أحد رفاقه الذين يعملون مع فرانكس بشأن تطوير الخطة التي كان قد أعدها فإنه أخبره أنه لم يسمع بها من الأصل، ما يشير إلى أن القضية المتعلقة بإدارة أوضاع عراق ما بعد سقوط النظام لم يتم طرحها على مستوى التخطيط العسكري بالشكل الكافي!

يبدو هذا التحليل الذي يقدمه الكتاب بالغ الغرابة، وإذا صح - ورواية الكتاب للأحداث تشير إلى ذلك - ، فإنه يؤكد فداحة الأخطاء التي ارتكبت في الإعداد لعملية الغزو بالنظر إليها من زاوية أميركية، اذا افترضنا شرعيته وهو ليس كذلك بالطبع.

ولعل ذلك ما دعا أحد الكتاب الغربيين وهو جيمس كلورفيلد في تعليق له على المعلومات التي وردت في كتاب «كوبرا 2» إلى مناشدة بوش استبعاد طاقم الإدارة الأميركية الحالي لاستعادة مصداقيته المنهارة كرئيس بسبب سوء الأداء الذي كشفت وتكشف عنه تطورات الحرب في العراق. كما يفسر الطرح الذي يقدمه الكتاب للكثير من الأحداث التي وقعت إثر سقوط بغداد وحالة الفوضى التي عمت البلاد واستمرت فترة غير محدودة.

فضلا عما سبق وما يدعو إلى الدهشة من هذا الأمر أن المتابع للكتابات الأميركية النظرية خاصة في مجلة «الفورين أفيرز» كان يمكن أن يلمس إلى أي حد كافة السيناريوهات المطروحة وهناك رؤى شاملة بشأنها بما في ذلك فترة حكم ما بعد صدام،

غير أن الأمر يبدو أنه لم يتجاوز نطاق تناول شخصيات أكاديمية إلى مطبخ القرار الأميركي، أو أن لهفة إدارة بوش لتحقيق هدف إقصاء صدام جعلتها تغفل أو تتغافل عن أهداف أخرى فاقمت من التأثيرات السلبية التي نجمت عن الغزو سواء على المستوى الأميركي أم على المستوى العراقي.

ينتقد الكاتبان هذا المسلك من قبل فرانكس مشيرين بسخرية إلى أنه فيما كان من المفترض أن ينغمس في الإعداد لهذا الجانب، فإنه شغل نفسه بإعداد الخطة وراء الأخرى في محاولة لتلبية مطالب رامسفيلد بشأن تحقيق هدف الوصول إلى بغداد بأقل عدد من القوات!

كما يبدو الموقف الذي آلت إليه تطورات ما بعد الحرب غريبا كذلك في ضوء الرد الذي قدمه فرانكس على سؤال للرئيس بوش بشأن إمكانية سقوط صدام حيث أكد له أن الأمر ليس محل شك .. والسؤال هنا إذا كان الأمر كذلك فكيف لم يعد الترتيبات لما بعد هذا السقوط.

خطة ما بعد الحرب

تأكيدا لهذا الجانب يورد الكتاب شهادة لأحد المسؤولين العسكريين مع فرانكس حيث يشير إلى أن تطورات ما بعد الحرب لم تحظ باهتمام يذكر من قبل فرانكس رغم أنه كانت توجد بنود خاصة بها في خطط الغزو. وعلى ذلك، فإن ما يمكن الانتهاء إليه من تناول الكتاب لهذا الجانب هو انتقاد خطط ما بعد الحرب على مستوى التطبيق العملي، الأمر الذي يشير إليه الكاتبان بشيء من التفصيل.

وإذا كان من الصعب تقبل مقولة أن ترتيبات ما بعد الحرب لم تكن قائمة في أذهان المخططين الأميركيين، فإن موقف رامسفيلد الذي يتطرق له الكتاب يفسر لنا جانبا من القصة، بما يجعلنا ندرجها في إطار سوء الفهم والتعامل الذي يصل إلى حد التقصير الأمر الذي أشار إليه المؤلفان في تقديمهما لمادة كتابهما.

ووفقا لرواية المؤلفين، فقد كان لرامسفيلد في هذا الصدد ما يمكن اعتباره فلسفة خاصة به بغض النظر عن صوابها أم خطأها، وتقوم على أساس أنه ووزارته لن يقوما على برنامج شامل لإعادة بناء العراق وإنما تسهيل الجهود أمام العراقيين من أجل إعادة البناء من خلال استخدام عائدات النفط في تمويل هذه العملية.

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد وإنما امتد إلى ما يمكن اعتباره بمثابة شجار بين أركان الإدارة الأميركية على سبل تجاوز هذا الجانب. ففي مرحلة متقدمة قرر غاي غارنر أن يبدأ فريقه في التوجه إلى العراق للمساهمة في صياغة مستقبل البلاد وكان من بين أفراد هذا الفريق اثنان من وزارة الخارجية الأميركية، أحدهما هو توم واريك،

وقد كان قائما على مجموعة خاصة بتحديد سيناريوهات مستقبل الأوضاع في العراق، فضلا عن خبراء أميركيين آخرين وعراقيين من المنفى. واقترح باول ضم آخرين إلى هذا الفريق بلغوا نحو سبعة ممن يعملون على مستوى السفراء بعضهم ممن كان معروفا عنه ميوله العربية. وقد اعترض رامسفيلد على المجموعة التي طرح باول أسماءها معتبرا ان المطلوب أفكار حيوية ودماء جديدة!

وكان هذا الموقف يعكس صراعا بين البنتاغون والخارجية في ضوء عدم رغبة البنتاغون في التخلي عن دورها في مرحلة ما بعد الحرب لصالح الخارجية. وقد تطور هذا الموقف على نحو سييء.. فقد هدد باول بسحب كل المشاركين من الخارجية في المشروع، ما أدى في النهاية إلى أن يبدي رامسفيلد قدرا من اللين،

وإن كان الأمر انتهى بـ «واريك» إلى الخروج في نهاية المطاف. وفي معرض التفصيل يذكر الكاتبان جانبا من معركة واريك التي وصفاها بأنها كانت بالغة الحدة مع البنتاغون على خلفية موضوع ان أياً من الهيئات ينبغي أن يكون لها الحق في صياغة مستقبل العراق.

الملفت للنظر أن هذا الخلاف انعكس على العراقيين الموجودين في الولايات المتحدة والذين يتعاونون مع الإدارة الأميركية. ففيما كانت الخارجية تتعامل مع مجموعة محددة من العراقيين، فإن ولفويتز كان يسعى لتجنيد مجموعة أخرى.

وأدى ذلك إلى شعور العراقيين بأنهم اذا عملوا مع مجموعة وزارة الدفاع فإنهم لن يكون لهم نصيب من التعاطي مع واريك .. وهكذا إلى أن انتهى الأمر باستبعاد الأخير. ولحساسية الأمر في إطار الصراع بين الخارجية والدفاع،

فإن رامسفيلد حاول الدفاع عن موقفه بالإشارة إلى أن قرار استبعاد واريك هذا صادر من مستوى عال .. من تشيني! وهذا ليس سوى نموذج مصغر لخلاف شاب عملية إدارة الأزمة العراقية ويكشف عن عمق الانقسامات التي انعكست على الوضع في العراق.

قبل أيام من الحرب وبالتحديد في 5 مارس بدأ بوش وفريقه في واشنطن ينتبهان إلى قضية ما بعد الحرب التي لم تحظ بالاهتمام الكافي رغم الاهتمام الذي حظيت به خطط الحرب ذاتها والتي تجاوز الإعداد لها نحو 16 شهرا. وفي 10 مارس عقد بوش وفريقه اجتماع عمل لبحث هذه القضية حيث قدم فرانك ميلر أحد كبار القادة في البنتاغون عرضا بشأن خطة ما بعد الحرب.

يوضح الكاتبان أنه ليس غريبا أن إدارة بوش ومنذ البداية كانت تضع على رأس أولوياتها بالنسبة لهذا الجانب تفكيك حزب البعث. وفي شرحه أشار ميلر إلى المبدأ الأساسي القائم على أن كل من عمل في ظل نظام حكم صدام لن يكون له مكان في مرحلة ما بعد سقوط النظام،

مشيرا إلى أن حزب البعث يضم نحو مليون ونصف المليون عضو، الفاعلون منهم 25 ألفا فقط يشكلون نخبة الحزب وهم من سيتم إقصاؤهم عن مناصبهم ومنعهم من ممارسة أي عمل سياسي في المستقبل، مع بعض الاستثناءات.

وأشار ميلر إلى أنه في ضوء أن حزب البعث يتشكل أساسا من السنة فإن الطاقم البيروقراطي الجديد ومع استبعاد البعث سيتكون من الشيعة والأكراد والأقليات الأخرى للمشاركة في إدارة دفة الحكم.

وتطرق ميلر إلى ما يسمى بجرائم الحرب موضحا ضرورة تشكيل لجنة للحقيقة والمصالحة على غرار تلك التي تم تشكيلها في جنوب افريقيا وشرق أوروبا ، مؤكدا على حق الولايات المتحدة رفع دعاوى ضد من أسماهم مجرمي الحرب العراقيين بشأن الجرائم التي ارتكبوها ضد أشخاص أميركيين بما فيها تلك التي ارتكبت خلال حرب الخليج الأولى في 1991 وعلى حق واشنطن في المطالبة بتعويضات مالية.

سيناريوهات المستقبل

ضمن سرده لسيناريو ما بعد الحرب أشار ميللر في اجتماع مجلس الأمن القومي إلى أن لجنة «الحقيقة والمصالحة» ستجمع الأدلة بشأن مجرمي الحرب ويكون لها حق كتابة التاريخ المعاصر وعقد جلسات استماع وحق منح العفو لمن يثبت تعاونهم.

كما تضمن السيناريو التأكيد على أن السلطة العراقية الجديدة سيكون لها حق محاكمة مجرمي الحرب العراقيين كذلك بشأن الجرائم التي ارتكبت ضد الكويتيين وضد إيران.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا في مواجهة هذه الملامح التي كان قادة واشنطن يرسمونها لتطورات ما بعد الحرب هو : ماذا لو استسلم صدام حسين آنذاك؟ وعلى أي أساس كانت بعض الأطراف تقوم بمفاوضات من أجل تنحيه عن الحكم؟

لقد كان المطروح في ذلك الوقت هو طي ملف النظام السابق في حال حدوث مثل ذلك التطور، وهو ما يدفع إلى التساؤل ألا تعد مثل هذه المحاكمات انطلاقا من هذا المنطق محاكمات سياسية مما يقوض من شرعيتها؟ ان هذا الأمر يؤكد أن الإجراءات التي عرض لها ميللر كلها تصب في الانتقام من النظام السابق.

وهو ما يعززه إشارته بعد ذلك إلى جهاز الشرطة والذي أكد على أن الأمر بالنسبة له لا يقتضي حله في ضوء أنه لم يكن منغمسا تماما في إطار نظام صدام وهو أمر يبدو غريبا باعتبار أن الرئيس العراقي طبع كل أجهزة الدولة بطابعه.. السييء في كل الأحوال.

أما بالنسبة لجهاز الخارجية فقد أوصى ميللر بأن المسؤولين عن هذا الجهاز في ظل صدام لا ينبغي أن يكون لهم دور، وحينما راح يعرض تصورات بشأن الجيش العراقي فإن رامسفيلد أصر على أن هذه المهمة يجب تركها لوزارة الدفاع.

وفي عرض آخر تم بناء على توصية من القيادة المركزية وغارنر باستخدام القوات العراقية فيما بعد الحرب فإن مسؤولا آخر بالبنتاغون راح يشير إلى أن ثلاثة من الفرق الخمسة في الجيش العراقي يمكن ان تكون نواة للجيش الجديد، داعيا إلى تنوع تشكيله ليضم عناصر عرقية متنوعة بما في ذلك البشمرجة الكردية.

وقد حذر من حل الجيش العراقي ومخاطر مثل هذا القرار مشيرا إلى أن التسريح الفوري لما يتراوح بين ربع مليون إلى 300 ألف شخص أمر لا يمكن لأي شخص الموافقة عليه وهو الأمر الذي يبدو أن التنفيذ الفعلي فيما بعد الحرب لم يلتزم به ما يشير إلى حجم التباين بين بعض الخطط وما جرى على أرض الواقع. وإذا أضفنا إلى ذلك الخلافات التي شابت إعداد الخطط يمكن لنا استيعاب أبعاد ما جرى وهوى بالمصداقية الأميركية على كافة المستويات.

تغييب المنظمة الدولية

يتضح من عرض المؤلفان لما جرى من اتصالات بين أميركا وحلفائها قبيل الحرب أنه كان هناك تغييب متعمد للأمم المتحدة رغم مطالبة البريطانيين بذلك من خلال وفد لهم زار واشنطن قبيل اندلاع الحرب بهدف إضفاء الشرعية على الاحتلال وتأمين الحصول على تسهيلات من الحلفاء،

غير ان الرد الرسمي الأميركي كان أن أي دور للمنظمة الدولية ترغب في القيام به سوف يكون مرحبا به، ما كان يعني فعليا استبعاد المنظمة الدولية، الأمر الذي صادف انتقادات عديدة حتى على المستوى الأميركي حيث كان عدد من القادة العسكريين يبدون قلقهم من هذا التوجه .

وحول هذا الأمر عبر الجنرال أبي زيد في لقاء ضيق جمعه مع بعض العسكريين عن قلقه مؤكدا ضرورة تدويل المشكلة قائلا : إننا نحتاج إلى ختم المنظمة الدولية على موقفنا .. من الجنون أن تكون الحكومة الأميركية مسؤولة عن الأوضاع في العراق لفترة طويلة.

من التخطيط إلى التنفيذ يعرض جوردون وترينور للعمليات الحربية، ففي 14 مارس أي قبل الغزو بأيام استدعى فرانكس القادة العسكريين إلى اجتماع بمقر القيادة في الدوحة ليخبرهم فيها بساعة الصفر والاستعداد للغزو. ويستعرض الكتاب تفاصيل عديدة في هذا الصدد بشأن نقط الانطلاق وغيرها مما لا مجال للخوض في تفاصيله.

ومع اقتراب ساعة الحسم بدا من الواضح أن العراقيين لا يبدون أي إشارة إلى الاستسلام وأن نظام صدام يواصل استعداداته للدفاع حيث عقد الرئيس العراقي السابق اجتماعا مع القادة العسكريين ومساعديه لإصدار تعليماته النهائية. وكانت كلمة صدام للعسكريين : «اوقفوا تقدم قوات التحالف لمدة ثمانية أيام وبعد ذلك دعوا الأمر لي».

في هذه الأثناء وقع ما أربك القيادة الأميركية وأجبرها على التفكير في التبكير بعمليات الهجوم. فمن غرف المراقبة القريبة من الحدود مع العراق شوهدت ألسنة اللهب تندلع في آبار النفط. فضلا عن بعض الحوادث المتفرقة الشبيهة منها طلب العراق رحيل مفتشين تابعين للأمم المتحدة كانوا يعملون ضمن فرق المراقبة في حقول نفطية بحرية.

وكان من بين هؤلاء المفتشين عملاء للولايات المتحدة أدلوا بمعلومات مفادها أن عراقيين وصلوا إلى المنطقة ومعهم صناديق يبدو بها مواد غامضة تتدلى منها أسلاك محذرين من أنه حال تفجيرها فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تلوث الخليج العربي.

لقد أثار ذلك قلق الأميركيين بشكل كبير في ضوء أن الحفاظ على البنية الأساسية للعراق وتأمينها كانا يعدان من أهم الأولويات لاستخدامها في عملية إعادة الإعمار. وعزز أهمية الحفاظ على الحقول النفطية تعهد البنتاغون بأن يتم تمويل إعادة الإعمار ذاتيا من عائدات النفط العراقية.

وقد بدا هذا التطور مفاجئا في ضوء تلقي واشنطن معلومات استخباراتية مصدرها مكتب وزير النفط العراقي بأن صدام ليس لديه أي نية لتخريب أبار نفط الرميلة الذي يعتبر المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة للنظام الذي يتوقع النصر في صراع الإرادات مع الإدارة الأميركية.

المهم أن بلاغ الحريق وصل إلى أعلى المستويات. وعزز ذلك مخاوف لدى الأميركيين بأن ذلك قد يكون تهوراً من قبل نظام صدام بممارسة سياسة الأرض المحروقة فيما ذهب البعض إلى أنه قد يكون تكتيكياً متوقعاً من أجل فرض حالة من الإرباك في ساحة المعركة.

ويبدو أن الفرضية الثانية كانت هي الأرجح حيث يشير الكتاب إلى أنه ثبت فيما بعد أن المعلومات الاستخباراتية الخاصة بهذا الأمر والتي رجحت نوايا التخريب لم تكن صحيحة وأنها كانت الأسوأ استخباراتيا.

وهو ما أكده أن المعلومات التي تم الحصول عليها من المسؤولين العراقيين فيما بعد سقوط بغداد كشفت عن أنه لم يكن هناك خطط لتدمير حقول النفط أو البنية الأساسية. على العكس فإن صدام وكبار معاونيه كانوا يتعاملون على أساس أن الهجمة الأميركية ستكون مؤقته وأنها ستتوقف قبل الوصول إلى بغداد.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق