تواصل هذه الحلقة من الكتاب استعراض فصول الجدل الذي دار في أروقة صنع القرار الأميركي بشأن خطط غزو العراق وفق ما يعرض له جوردون وترينور في كتابهما هذا. وكنا قد أشرنا في الحلقة السابقة إلى طرح كولن باول الذي يجنح إلى السلم في التعاطي مع الأزمة العراقية وايجاد مخرج لها،

لكن ذلك الطرح واجه معارضة شديدة من جانب الفريق المتشدد في إدارة بوش وفي مقدمته ديك تشيني، ما يكشف بصورة واضحة عمق الاختلافات الفكرية والتوجهات السياسية بين الرجلين. كما يستعرض هذا الجزء من الكتاب تفاصيل عديدة من الخطط العسكرية الهجومية والدفاعية التي كان يعدها طرفا النزاع،

ويعرج على الجهود الاستخبارية التي بذلت في هذا الاتجاه، وتوجت بحصول عملاء المخابرات الألمانية على خطة صدام للدفاع عن بغداد والتي قاموا بتسليمها بدورهم إلى القيادة العسكرية الأميركية.

لم تلق أطروحات باول قبولاً لدى تشيني الذي كان له رأي آخر يرى أن الذهاب إلى الأمم المتحدة يزيد من تعقيد الموقف، ويصعب من اللجوء إلى الخيار العسكري، ومع ذلك، فإن تشيني وجد في النهاية أنه لا مانع من مساندة قرار بوش السير بالقضية في أروقة المنظمة الدولية.

ومما عزز موقف باول، حسبما يشير الكتاب، الاتجاه الذي كانت تتبناه بريطانيا آنذاك، وهي الحليف الرئيسي للولايات المتحدة. فلقد اشترطت لندن أن يتم اللجوء إلى الأمم المتحدة قبل أي موافقة لها على الاشتراك في عملية الغزو. ومن هنا تحول مسار القضية مؤقتا من العمل العسكري إلى الجهود الدبلوماسية، وعليه بدأت إدارة بوش معركة كسب «قلب» المنظمة الدولية.

وهنا يشير الكاتبان إلى نقطة بالغة الأهمية تكشف عن النية المسبقة والتي لا رجعة فيها بشأن غزو العراق، وأن الأمر بالنسبة للجهود الدبلوماسية لم يمثل بالنسبة لإدارة بوش سوى مسعى للحصول على تغطية دولية.

وعلى ذلك، يذكر الكاتبان أنه في الوقت ذاته الذي اعتزم فيه بوش التوجه إلى مجلس الأمن، فإنه قرر أيضاً مواصلة خططه بشأن الهجوم على العراق على أساس أنه في حال فشل واشنطن في الحصول على مساندة دولية لموقفها فإنها ستمضي قدما في عملية الغزو حتى بغير موافقة أعضاء مجلس الأمن.

وسط هذه الأجواء بدأت تسريبات آنذاك عن وجود اختلافات في الإدارة الأميركية يمثل باول أحد أطرافها، الأمر الذي حرص على إيضاحه ريتشارد أرميتاج بقوله: «إنني وباول لا نعترض على هدف إقصاء صدام عن الحكم، غير أن النقطة الأساسية هنا تتعلق بتوقيت القيام بمثل هذا العمل.

لقد كان باول يرى أن يحسن بوش من موقفه، الأمر الذي كان يعني بالنسبة له، وفق ما راح أرميتاج يذكر فيما بعد، تعزيز الوضع في أفغانستان والتعاون مع الحلفاء بشكل أفضل.

أما بالنسبة لهدف العمل ضد العراق فقد كان أرميتاج يرى أنه يجب أن يتم في وقت مناسب وليكن بعد إعادة انتخاب بوش في يناير 2005. وسط كل هذا كان مساعدو رامسفيلد في وزارة الدفاع يعملون على ألا يفلت صدام من المصيدة التي يجري نصبها له.

وإزاء قوة التيار الذي يسعى إلى الحرب، لم يكن لتوجهات باول أو معارضة مجلس الأمن أن تثني الإدارة الأميركية عن عزمها على تحقيق هدفها في العراق، وعلى هذا تواصلت خطط الغزو.. ففي أغسطس 2002، أعد مسؤولون في إدارة بوش مذكرة سرية تم تقديمها للرئيس لتوقيعها تحدد الخطوط العامة للحرب.

وحسب هذه الوثيقة فإن عراقاً حراً يمكن أن يقوض خطر أسلحة الدمار الشامل، ويمنع صدام من كسر سياسة الاحتواء. أما الأهداف الأشمل، حسب ما تذهب الوثيقة، فتتمثل في القضاء على التهديد العراقي لجيرانه وتحرير الشعب العراقي من طغيان صدام ومنع بغداد من دعم الإرهاب.

وهي تعكس جانباً كبيراً من الأهداف التي ما زالت إدارة بوش تتبناها حتى اللحظة، رغم أن هذا الزعم الأخير المتعلق بالإرهاب لم يوجد ما يثبته، فضلاً عما أشار إليه البعض من صعوبات تعوق الجمع بين تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن ذي الاتجاهات الدينية المتشددة وصدام حسين ذي التوجهات العلمانية.

وحسب ما تشير الوثيقة التي تتخذ طابعاً دعائياً، فإن الولايات المتحدة ستساعد العراقيين على بناء مجتمع حديث يقوم على التعددية والديمقراطية. وتقوم الوثيقة على أساس ان العملية العسكرية يجب أن تنطلق من فرضية احتمال استخدام أسلحة الدمار الشامل من قبل العراق وقواته وحلفائه، على أن تعمل واشنطن في الوقت ذاته على اتخاذ خطوات تحول دون قيام سوريا وإيران بمساعدة العراق.

كما تدعو إلى العمل على التقليل من خطر وقف امدادات النفط. وعلى ذلك تؤكد الوثيقة على أن «الولايات المتحدة ستستخدم كل الوسائل من أجل تحرير العراق والعمل مع التحالف ما كان ذلك ممكناً، وبمفردها إذا كان ذلك ضرورياً.

وفي سعي إلى إضفاء قدر من المشروعية على الغزو وجعله يبدو تحريراً، فإن الوثيقة تشير إلى ضرورة أن تعمل الولايات المتحدة مع المعارضة العراقية، لكي يبدو أن الهجوم وكأنه عملية تحرير وليس احتلالاً».

ورغم ما يشير إليه الكاتبان حول سرية الوثيقة، إلا أن الإعلام الأميركي كان يمتلئ بالكثير من التقارير والمتابعات لأهداف الإدارة، الأمر الذي يبدو أنه أزعج بوش الذي عبر عن ذلك في اجتماع له مع رامسفيلد في 21 أغسطس، في لقاء جمع بينهما في مزرعة بوش في كراوفورد لمناقشة العديد من المسائل العسكرية.

الوقوع في المصيدة

ينتقل الكاتبان بعد ذلك نقلة أخرى تتعلق بالموقف في العراق وهنا يشيران إلى أن الأمور كانت تسير على وتيرة مختلفة في بغداد، فقد كان لدى صدام ما اعتبره أفضل الطرق للدفاع عن نظامه. وقد كانت أولويته هي حماية نظامه من احتمال الانقلاب عليه والتهديدات الداخلية على شاكلة تمرد شيعي أو غيره.

أما بالنسبة لإيران، التي تعد خصمه والتي خاض معها حرباً شرسة استمرت نحو ثماني سنوات، فقد كانت تحتل المرتبة الثانية من حيث التهديدات. وكان خوض حرب برية مع القوات الأميركية يعتبر ثالث التهديدات التي يضعها صدام في حساباته.

يتناول الكاتبان في هذا السياق رؤية صدام لموقف الولايات المتحدة واحتمالاته المختلفة. ومن استعراض أبعاد هذه الرؤية يبدو واضحا أن النظام العراقي لم يسع إلى تصادم أو احتكاك مع الإدارة الأميركية بقدر ما لم يسع إلى كسب ود هذه الإدارة، غير أن الأقدار كانت تجري بالنسبة له على نحو مختلف ليقع شاء أم أبى في مصيدة الاستفزاز الأميركي الذي انتهى به إلى السقوط.

لقد كان موقف صدام تجاه الأميركيين، حسبما يشير الكتاب، واضحاً عندما التقى مع وزرائه بعد أحداث سبتمبر، حيث ساد قدر كبير من القلق حيال احتمال أن تطلق إدارة بوش سلسلة عمليات ضد أعدائها في الخارج ومن بينهم العراق.

وعلى ذلك طرح بعض المسؤولين العراقيين فكرة قيام أركان النظام بمواساة الولايات المتحدة على خلفية الحدث فيما بدا محاولة تهدئة لأي توتر مع واشنطن. وقد رفض صدام هذا الطرح، غير أنه لم يغلق الباب أمامه تماما.

وكان مجمل موقفه أنه إذا ما أراد الوزراء العراقيون المواساة في الضحايا فإنهم يمكن أن يقوموا بذلك وعلى نطاق ضيق ولكن بشكل غير رسمي. وهنا يتناول الكاتبان الكثير من جوانب نظام الحكم في ظل صدام والطبيعة الفريدة التي كانت تسم إدارته للحكم، واعتماده المنطق العشائري في إدارته لدفة شؤون البلاد.

لم يكن لمواقف صدام أو نظامه أن تغير من أهداف إدارة بوش، التي واصلت العمل على تحقيق تلك الأهداف، وعلى ذلك، فإنه وفيما كان بوش يعد للذهاب إلى الأمم المتحدة في سبتمبر، كان فرانكس على الجانب الآخر يعد ملخصاً للرئيس بشأن خطة الهجوم.

ويذكر الكاتبان فيما يكشف عن تطور في تفكير الإدارة، حدوث ما يمكن اعتباره تحولاً في أهداف العملية ضد العراق إلى الحد الذي لا تقتصر معه على تغيير النظام وإنما إجبار الدول الأخرى على وقف مساندتها للإرهاب والتخلي عن أسلحة الدمار الشامل.

كما تضمنت الخطة ضرورة العمل على تقويض هدف أو مسعى صدام إلى التحصن ببغداد من خلال استراتيجية تقوم على قصف مواقع القيادة العراقية ومراكز التحكم والهجوم على الحرس الجمهوري والعمل على تشجيع القوات العراقية على الاستسلام،

وأنه بمجرد إزاحة صدام عن الحكم فإن الأوضاع هناك ستمر بمرحلة انتقالية تسعى خلالها القيادة المركزية إلى مساندة المؤسسات المدنية الأميركية في العمل مع العراقيين. كما تضمنت الخطة العمل على استخدام جميع الموارد العراقية من أجل الإسراع بتعافي البلاد،

وكذا إعادة تأسيس القوات العراقية وأجهزة الأمن من أجل الدفاع عن الحدود والأمن الداخلي. ولعله من نافلة القول هنا إن هذه لم تكن سوى خطة من بين مجموعة خطط متنوعة أخرى جرى الإعداد لها على مدى فترة ما قبل الغزو وكانت تشهد تغييرات طفيفة بين خطة وأخرى.

مسرح العمليات

المهم أن كل تلك الترتيبات جاءت في الوقت الذي لم يكن قد تم فيه بعد تهيئة الأجواء ومسرح العمليات، فتركيا لم تكن قد أقرت استخدام الجبهة الشمالية وعندما التقى فرانكس مع بوش وباقي أعضاء مجلس الأمن القومي في 6 سبتمبر 2002 من أجل استعراض الخطط العسكرية، فإن رايس راحت تقول: «لقد ولى زمن الجهود الدبلوماسية مع الحلفاء». وهو ما أبدى فرانكس تأكيده عليه.

وبعد إقرار الخطط وكل ما يتعلق بالعمليات والأهداف كان السؤال الذي طرحه بوش: هل يمكن أن نكسب المعركة؟ وبلهجة حازمة كانت إجابة فرانكس: «مئة في المئة». وكان السؤال التالي من بوش: «هل يمكن التخلص من صدام؟». وعلى الفور أجاب فرانكس: «نعم يا سيدي»!

يستعرض المؤلفان بعد ذلك التفاصيل الدقيقة على صعيد الإعداد للخطط العسكرية على مستوى قادة البنتاغون بما في ذلك وزير الدفاع. وضمن السيناريوهات التي طرحها رامسفيلد في مرحلة الإعداد ويبدو أنها ما زالت فكرة تلقى الترحيب في الأوساط الأميركية وتتحدث مصادر عن محاولة فرضها إشراك قوات عربية في الحفاظ على الأمن في العراق في مرحلة ما بعد إسقاط صدام.

وقد ذهب رامسفيلد في طرحه ذاك إلى أنه حتى اذا ما رفضت بعض الدول العربية، فإنه حتى في حال مشاركة البعض منها وقامت بمهام المساعدات الإنسانية فإن وجود جنود عرب في عراق ما بعد الحرب، يمكن أن يكون له أثره في تهدئة الشارع العربي، على حد قول رامسفيلد.

لم تكن المشاكل المحتملة على صعيد العمليات والخارج فقط وفي هذا الإطار، حرص الجنرال تومي فرانكس على أن يحث القادة على العمل سويا، مشيرا إلى أنه لا يريد أن يواجه خصومات من النوع الذي وقع بين القوات البرية والجوية خلال عملية أناكوندا الفاشلة في أفغانستان والتي جعلت كل فريق يلقي التهمة على الآخر في التقصير.

وعلى هذا كان حديث فرانكس واضحا بشأن ضرورة تجاوز الخلافات قائلاً: «أتمنى عدم تكرار التصرفات الصبيانية التي رأيتها في أفغانستان.. إن أمامنا طريق طويل يجب علينا أن نقطعه». وبحلول نهاية ديسمبر استقر رامسفيلد على اسم العملية وهي «كوبرا 2». وفي كل الأحوال كانت الخطة تقوم على أساس البدء فيها قبل وصول القوات إلى المنطقة.

غير أن ما كان يقلق عدداً من القادة ما هو معروف عن رامسفيلد وسطهم بشأن استجابته لطلبات الجنرالات. وفي ذلك يشير المؤلفان إلى واقعة طلبات تتعلق ببعض القوات والمعدات تم تقديمها في 26 نوفمبر وظلت دون استجابة حتى تم صدور موافقة بشأنها في رأس السنة الميلادية أي بعد أكثر من شهر.

وكانت الحجة التقليدية لرامسفيلد مع قادة البنتاغون هي أن الولايات المتحدة أرسلت من قواتها ومعداتها أكثر من الحاجة وأن القوات العراقية أضعف مما كانت عليه في عام 1991. وبالنسبة لرامسفيلد، فإن العمل على إعداد قوة كبيرة ليس فقط مجرد مضيعة للجهد وانتهاك لأساليب الحرب الجديدة ولكنه يضع صعوبة أمام تأمين التعاون من قبل الدول العربية في النهاية.

تحركات سياسية

فيما تواصلت الاستعدادات للغزو، كانت هناك تحركات على الجانب السياسي وبشكل خاص على صعيد المعارضة العراقية ففي فبراير 2003 التقى خليل زاده، سفير البيت الأبيض إلى المقاومة العراقية مع ممثلين لجماعات المعارضة العراقية في أنقرة من أجل إبلاغهم برسالة محددة تتمثل في انه بعد إقصاء صدام ستدير الولايات المتحدة الأمور في العراق لمدة نحو عام

وأن العراقيين سيكون لهم دور استشاري وأنه يمكن أن يتم إجراء انتخابات محلية ومن المحتمل أن تكون هناك إمكانية لإجراء انتخابات عامة على مستوى الدولة. لقد أثار عرض خليل زاده للأمور على هذا النحو حفيظة المعارض العراقي كنعان مكية، داعية حقوق الإنسان،

الذي كان يعيش في الولايات المتحدة في المنفى والذي كتب بشأن انتهاكات صدام حيث رأى فيما قدمه زاده نوعاً من التشدد. وقد كتب مكية ملاحظات وجهها إلى مكتب تشيني غير أنه لم يحدث أي تغير في التوجهات الأميركية فيما بعد.

على صعيد ثان، بدأت في الوقت ذاته جهود استخبارية من نوع مختلف تقوم على خداع القيادة العراقية بشأن الخطة الأميركية للحرب وبمقتضى هذه العملية عرض أحد العملاء العسكريين الأميركيين على عملاء عراقيين بيع خطة الحرب حيث التقا الطرفان في المغرب وتم تسليم الوثائق مقابل الحصول على مبلغ من المال.

وحددت المعلومات التي تم بيعها للعراقيين سلسلة من عمليات الإنزال الجوي في تكريت وما حولها لدفع العراقيين إلى تحويل قوات الحرس الجمهوري «حمورابي» إلى الشمال من المواقع التي تتمركز فيها غرب بغداد وقد كان هذا يعني منع صدام من تعزيز فرقة «المدينة» في جنوب بغداد.

ولإحكام الخدعة تم إصدار تعليمات إلى ضباط الفرقة 82 المحمولة جوا بالحديث عن الخطة عبر الهواتف والتي كانت واشنطن تعلم أنها ستكون مراقبة سواء من قبل العراقيين او من قبل مخابرات أجنبية أخرى يمكن أن تقوم بإيصال المعلومات إلى القادة في بغداد.

وفي إطار حرب الاستخبارات، نجحت واشنطن أيضا، من خلال عملاء للمخابرات الألمانية، في الحصول على خطة الرئيس العراقي صدام حسين للدفاع عن بغداد وذلك قبل شهرين من إعلان غزو العراق وذلك على الرغم من الموقف الألماني الرسمي المعلن الذي عارض الغزو،

حيث واصل العملاء الألمان عمليات التجسس على العراقيين، ومن المهام التي كلف بها العملاء الحصول على خطة الدفاع عن بغداد، حيث قام مسؤول أمني ألماني فيما بعد بنقل نسخة من الخطة إلى مسؤول مقرب من قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال تومي فرانكس.

وحسب الوثائق التي تناولت هذا الجانب فإن العراقيين اعتمدوا لسنوات على تفكير استراتيجي يعمل على نشر القوات العسكرية على طول الطريق الذي كانت القوات الغازية ستسلكه مما يعني اعاقة تقدمها، غير ان صدام دعا في 18 ديسمبر 2002 قادته العسكريين إلى اجتماع

وطلب تغييرا في الإستراتيجية ولقد حضر ذلك الاجتماع نجله قصي الذي كان يقود الحرس الجمهوري وبحسب الخطة التي تم الاتفاق عليها كان صدام راغبا في نشر قوات في أربع حلقات دفاعية منها الخط الأحمر والذي سيكون موقع تمركز قوات الحرس الجمهوري.

وعلى نحو متواز، أجرت السي أي أيه مكالمات هاتفية مع قادة عراقيين تحذرهم من استخدام أسلحة الدمار الشامل. ومن الأمور التي راعاها الأميركيون في هذا الخصوص أن المتحدثين الممثلين عنهم في هذه المكالمات كانوا يتكلمون العربية بطلاقة بل وباللهجة العراقية.

وقد أوضح معظم القادة العراقيين الذين تم الاتصال بهم أن صدام يقوم بعمليات اختبار لإخلاصهم وأغلق بعضهم هواتفه بعد ذلك أو غير أرقامها مما جعل من المتعذر فيما بعد الاتصال بهم خلال الحرب.

ويوضح المؤلفان أنه توجد إشارات على أن العراقيين كانت تسيطر عليهم الحيرة بشأن ما يعتزم الأميركيون القيام به، ففي 27 فبراير اقتربت طائرة ميج 25 عراقية اقتربت من الحدود السعودية على ارتفاع 70 ألف قدم ثم عادت.

وقد رجح مسؤولو البنتاغون أن يكون العراقيون يختبرون قدرتهم على القيام بهجمات بأسلحة الدمار الشامل، فيما أكد مسؤولون في القوات الجوية الأميركية فيما بعد أن العملية كانت بمثابة مهمة استطلاعية تحاول معرفة النوايا الأميركية.

ومع تصاعد التوتر في أجواء المنطقة على النحو المعروف للكافة فيما قبل انطلاق عملية الغزو بدأ فرانكس تحركا أخيرا من أجل تنفيذ المهمة تمثل في العمل على إنجاز ترتيبات استخدام بعض القواعد العسكرية السرية في المنطقة.

وفي القاهرة التقى فرانكس وزير الدفاع المصري في المطار وفي رد على سؤال المصريين بشأن احتمال اندلاع الحرب، فإن فرانكس راح يؤكد على أن نسبة إندلاعها تتراوح بين 90 و 95% قائلا : «إن هذا الرجل - صدام - مجنون ولن يتخلي بأي حال عن الحكم» مضيفا: « إن مصدر قلقي ليس صدام وإنما المشكلة هي تركيا والأكراد وحقول النفط في كركوك».

المدنيون تحت القصف

بعد رحلة طويلة صحبنا فيها المؤلفان لاستعراض التفاصيل الدقيقة الخاصة بقرار الغزو في مطبخ السياسة الأميركية، يتناول الكتاب بعد ذلك جوانب من خبايا الحرب ومجرياتها. وفي هذا يشيران إلى أن فرانكس أقام خطته على أساس شن سلسلة من الهجمات المدمرة خلال الأيام الأولى للغزو كان مقررا لها ان تستغرق خمسة أيام قبل بدء الحرب البرية.

وقد تم استهداف نحو 437 هدفا بعمليات القصف خلال الأيام الأربعة الأولى، منها نحو 330 استهدفت بغداد، وقد تم قصف بعض هذه الأهداف أكثر من مرة. ومن بين جملة هذه الأهداف ال437 فإن 22 منها كان يطلق عليها «هاي سي دي» بما يعني وفق مفهوم القيادة الجوية احتمال أن يكون ضحاياها نحو 30 مدنيا.

وهو الأمر الذي كانت الولايات المتحدة تعلن، اذا عدنا بالذاكرة إلى فترة الغزو، أنه قتل خطأ!! ومن الجوانب التي تتكشف عنها التفاصيل في غمار الخوض في ظروف العمليات الحربية أنه رغم حرص الولايات المتحدة على تهيئة الأجواء لترتيبات ناجحة مع دول المنطقة إلا أن الأمور لم تسر على ما يرام

حيث لم تتمكن واشنطن مثلا من الاستخدام الأمثل لإمكانيات هذه الدول إزاء قلق بعضها من حالات الغضب الشعبي على تقديم تسهيلات للقوات الأميركية في حربها على العراق. وهنا يستعرض الكتاب نماذج عديدة لا مجال للخوض فيها.

وفيما بدا نوع من التخبط عربيا انعكس على سير العمليات أميركيا أن دولة عربية، أبدت تحفظها على التوسع في تقديم تسهيلات، راحت تقترح على الولايات المتحدة استخدام القواعد الإسرائيلية!

ومن العرب إلى العجم حتى لو كانوا مسلمين، حيث يمكن التوسع في الحديث دون حرج نشير إلى ما يكشف عنه الكتاب من صعوبات كبيرة واجهت الخطط الأميركية على الجبهة التركية إزاء موقف أنقرة رغم المساعي التي بذلها القادة العسكريون الأميركيون لإقناع القادة الأتراك بأهمية الانطلاق من أراضيهم في الإسراع بالإجهاز على صدام،

حيث أن فتح الجبهة الشمالية بالنسبة للقوات العراقية يعني تشتيت تركيزها وانتباهها فضلا عن الوضعية الخاصة بشمال العراق والذي يعتبر بحكم الواقع خارج سيطرة قبضة النظام العراقي، مما يسهل الكثير من الأمور. ومن أجل تليين موقف تركيا، عرض الأميركيون مليارات الدولارات كمساعدات فضلا عن إطلاعهم على خطط الحرب.

ورغم ما سبق، إلا أن كل ذلك يبدو أنه لم ينجح في تليين عريكة الأتراك، على خلاف العرب الذين تساهل بعضهم من أول نظرة.. وهنا وفي محاولة لطمأنة الأتراك أكد القادة العسكريون الأميركيون لأنقرة على أن الناتو سيكون في صف التحركات الأميركية

وحثت واشنطن التحالف على مساندة تركيا وهو الأمر الذي تحفظت عليه فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولكمسبورغ، في ظل الرفض الشعبي للحرب في أوروبا وعدم رغبة هذه الحكومات في تورط الناتو ولو بشكل غير مباشر.

وكان قرار البرلمان التركي برفض السماح باستخدام القاعدة الشمالية بمثابة قلب للخطط الأميركية رأسا على عقب خاصة أن القرار جاء في الوقت الذي كان من المقرر أن تحط فيه دبابات ومعدات عسكرية أميركية على الشواطئ التركية.

عرض ومناقشة: مصطفى عبدالرازق