يمثل السلوك العدواني هاجساً كبيراً لدى الوالدين، فعوضاً عن أنه قد يتسبَّب الطفل العدواني في إيذاء الآخرين، فهو يشكل حرجاً كبيراً للوالدين أمام ضيوفهم أو من يزورونهم، وقد يتعدى ذلك إلى مشكلات مع أسر الأقارب والجيران، وللوقوف على موضوع العدوانية لا بد لنا أولاً أن نعرّفها ونحن نخص بذلك العدوان الموجه نحو الآخرين وهو يعني اعتداء الطفل على الآخرين المحيطين به أو الاعتداء على ممتلكاتهم والخروج على القوانين والنظم المعمول بها وعدم الالتزام بالسلوك المقبول اجتماعياً.

ولا يخفى علينا ما تنشره الأخبار من حوادث في المدارس والشوارع تعكس عنفاً شديداً أبطاله شبابنا تلامذة المدارس، فمن اعتداء على طالب، إلى طعن معلم، إلى تخريب ممتلكات الغير.

والسؤال المهم: هل يمكن أن يُولد الطفل عدوانياً؟ أم انه أمر مكتسب؟ في الحقيقة ووفقاً لعلم نفس النمو، تظهر معالم العدوانية لدى الطفل في مرحلة ما بين السنة والسنتين وذلك لتحقيق رغبة التملك لدى الإنسان بدفاعه عن ممتلكاته من ألعاب أو أشخاص وأعني بذلك رغبة في تملك الوالدين وخاصة الأم.

ولكن سرعان ما تتلاشى هذه السمة لاكتشافه أنه يحتاج للعب مع الآخرين وأنه سيفقدهم كلما اذاهم، وتبقى درجة ذلك العدوان خاضعة للفروق الفردية التي نؤمن بها والتي تميزنا عن بعضنا البعض كأشخاص.

ومن ثم، فإن ما يظهر بعد ذلك من تصرفات وسلوك عدواني وعنف يظهر من الطفل إنما هو سلوك مكتسب. واسمحا لي أيها الوالدان أن أتجرأ بقولي انكما الأكثر تأثيراً بإيجاد ذلك السلوك، وإليكما السبب.

حينما استشار بشأن طفل عدواني يكون أول سؤال أطرحه على الوالدين هو: في حال خطأ ابنيكما كيف تتعاملان معه؟ كيف يكون سلوككما؟ وأكاد أجزم أن الإجابة عادة لا تخلو من استخدام الضرب. ويفاجئني الكثير من الآباء والأمهات بأنهم لا يتذكرون متى بدأ ذلك، فأبدأ أقرّب. هل هو قبل سن السابعة؟ ويفاجئاني بأنهما يجزمان على أنه قبل سن الثالثة ولكن لا يتذكران.

لماذا يُضرب طفل لم يبلغ الثالثة من عمره؟ وهل لذلك تأثير على شخصيته؟

دعونا نقف مكان الطفل ونرى كيف ينظر إلى ما يحدث من حوله، بل ما يحدث له. ونتكلم قليلاً بلغته الجميلة المبعثرة، ونحاول أن نكون بعقلية الأطفال ذات الآفاق الواسعة بلا حدود.

يخطئ الطفل ـ وهو بطبيعة الحال لا يعلم أنه مخطئ أو لا يدرك حجم خطئه ـ فهو قد يخطئ حباً في الاستكشاف أو إثبات الذات، أو جذب نظر والديه، وكلها في شريعة الأطفال مباحة، بل قد تصل إلى مستويات الفريضة. فكيف هي ردة فعل الوالدين، كلمات قاسية وضرب على اليد أو أكثر من ذلك.

يُفاجأ الطفل، فهو لا يعلم بالضبط لماذا ضُرب، إن الوالدين الغضوبين ينسيان غالباً حتى توضيح ما هو الخطأ، وإنما يضربان وهما يصرخان بصوت عالٍ بأداة النفي «لا.. لا.. لا»، و«لا» هنا لا تعطي أية معلومة لدى الطفل. وهنا يبدأ الطفل بتعلم لغة العنف، فهو يقول في داخله إن هذين الوالدين الكبيرين يعرفان كيف هو التصرف الصحيح، فإن غضبا فهما يضربان، إذن إذا غضبت على أحد فعليك أن تضربه، ولتكن قاسياً في ضربك وغاضباً أيضاً.

هذه لغة الحوار التي يتعلمها الطفل بكل بساطة: «إذا أخذ أحد لعبتي فسأغضب وأضربه، لأن والديّ إذا غضبا ضرباني». وبذلك يكتسب الطفل السلوك العدواني بشكل منطقي، ويكرّس الوالدان العنيفان تأثيرهما السلبي على الطفل حينما يضربانه حين يبدر منه سلوك عنيف تجاه الآخرين، فيتشتت ذلك الطفل الذي لا يدري ما هو سبب ضربه حين يُضرب، فهو يستخدم لغز الوالدين نفسها، فلماذا يغضبان؟

وبذلك تتشكل لديه عشوائية في العدوان، فهو يضرب حين يغضب، ويضرب حين يلعب، ويضرب حين لا يجد شيئاً يفعله.

وقد أثبتت دراسات عدة أجريت على مجموعة من الأطفال العدوانيين أنهم يعانون من انخفاض في مستوى تقدير الذات، وتقدير الذات هو شعور الطفل بقدراته وأنه يستحق السعادة، فكيف يمكن أن يكون لتعامل الوالدين العنيف مع أبنائهما أثر على تقديرهم لذواتهم؟