جامعة كاليفورنيا، تعرف رسميا باسم جامعة «كاليفورنيا ـ بيركلي» أو جامعة بيركلي فقط لتمييزها عن جامعات كاليفورنيا الأخرى على قمة الهرم الجامعي الحكومي في الولايات المتحدة الأميركية، وفي واقع الأمر ليس اسم «بيركلي» وحده هو الذي يميز تلك الجامعة العملاقة وإنما يميزها على أرض الواقع مكانتها المرموقة والفريدة على مستوى العالم، فهي حسنة السمعة الأكاديمية وفي معاملها تم تطوير القنبلة الذرية وتظاهر طلابها ضد مشاركة أميركا في حرب فيتنام.

وعندما تتحدث عن الجامعة الحكومية الأولى في العالم فأنت تتحدث عن جامعة بيركلي وليس عن جامعة أخرى تحمل اسم كاليفورنيا. وتتبوأ جامعة كاليفورنيا ـ بيركلي، على الأقل من حيث السمعة الأكاديمية، قمة هرم التعليم الجامعي الحكومي الأميركي وتتصدر منظومة «جامعة كاليفورنيا» الضخمة، التي انطلقت من هذه الجامعة التي كانت نواة لها.

فقد أُسست جامعة كاليفورنيا من بيركلي، وهي إحدى ضواحي مدينة أوكلاند الواقعة قبالة سان فرانسيسكو عبر خليج سان فرانسيسكو عام 1868 غير أن النمو السريع للولاية فرض تأسيس مزيد من المعاهد الجامعية، فأضيفت كليات أخرى إلى بيركلي على امتداد ولاية كاليفورنيا حتى بلغ عددها اليوم تسع جامعات متكاملة وشبه مستقلة تتفيأ ظل المنظومة الراقية.

وتُدرّس في بيركلي جميع أنواع التخصصات العلمية والأدبية تقريبا، في حرم جامعي جميل تبلغ مساحته الإجمالية 1232 فدانا، من أشهر معالمه برج ساعة مبني على الطراز المتوسطي الايطالي، وتعتبر بيركلي واحدة من أرقى الجامعات في العالم، ليس على المستوى الحكومي فحسب وإنما على جميع المستويات الأخرى، فهي تأتي في المركز الرابع بعد أكبر ثلاث جامعات في العالم وهي هارفارد وستانفورد وكامبريدج، بحسب أحدث تصنيف عالمي من معهد التعليم العالي التابع لجامعة شنغهاي جياو تونغ لأفضل خمسمئة جامعة في العالم.

* رسالة تعليمية

وتتحدث انجازات الجامعة عن نفسها بشكل واضح، فهي تتبنى رسالة تعليمية مميزة في مرحلة ما قبل التخرج الجامعي، وتمثل مركزا رئيسيا للبحوث في عدد كبير من التخصصات على مستوى العالم، وكان القرن العشرون بمثابة العصر الذهبي للجامعة في مجالات العلوم البيولوجية والكيميائية والفيزيائية.

وتشمل انجازات الجامعة خلال القرن المنصرم تطوير أول جهاز سيكلوترون، هو جهاز لتحطيم نوى الذرات على يد العالم المرموق إرنست لورنس، وعزل الفيروس المسبب لشلل الأطفال لدى البشر واكتشاف 17 عنصرا كيميائيا جديدا منها البلوتونيوم والبريكيليوم والكاليفورنيوم.

واستقطب حرم الجامعة اهتمام العالم بأسره مع مولد جماعة التعبير الحر التي نظمت تظاهرات طلابية ضد مشاركة الولايات المتحدة في حرب فيتنام، والتي كانت تعد من أولي التظاهرات الطلابية في تاريخ الولايات المتحدة.

وبدأت الجامعة تخطو أول خطواتها نحو الشهرة العالمية مع تولي بنيامين أيد هويلرفي الفترة من 1899 إلى 1919، إذ نجح بنيامين خلال تلك الفترة في الحصول على عدد من المنح البحثية وعلى تمويل للمنح الجامعية، هي المنح التي ساهمت بدورها في الارتقاء بمستوى الجامعة بين قريناتها من الجامعات الأميركية الأخرى.

وبعد ذلك تولى روبرت غوردون سبراول رئاسة الجامعة في الفترة من 1930 إلى 1985، وهو الرجل الذي يُنسب إليه فضل نقل الجامعة إلى مصاف الجامعات المرموقة في العالم، إذ جعلها واحدة من أهم المراكز البحثية الأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية وبدأت تنافس بشدة نظيراتها من الجامعات الموجودة على الساحل الشرقي من الدولة.

وقبل توليه المنصب، قضى سبراول ستة أشهر في التجول بين الجامعات والكليات الأميركية الأخرى عمل خلالها على دراسة أساليب تلك الجامعات في التدريس وفي الإدارة، وعمل أيضا على تأسيس علاقات وصلات بغية الارتقاء بمستوى الجامعة في المستقبل.

وعلى الرغم من الظروف المالية الصعبة التي كانت تمر بها جميع الجامعات الأميركية الأخرى بسبب فترة الكساد العظيم وتقليص الدعم الحكومي للمؤسسات التعليمية، نجح سبراول في الحفاظ على التميز البحثي للجامعة وذلك عن طريق البحث عن قنوات تمويلية خاصة. وبحلول عام 1942 أتت الجامعة ثانية فقط وراء جامعة هارفارد من حيث تميز الأقسام الجامعية، وذلك وفقا لتصنيف المجلس الأميركي للتعليم.

وأثناء الحرب العالمية الثانية بدأ معهد إرنست أورلاندو لورنس للإشعاع في بيركلي في التعاقد مع الجيش الأميركي بهدف الإبحار في العلوم الأساسية اللازمة لتطوير القنبلة الذرية.

ولعب اكتشاف البلوتونيوم، على يد عالم الجامعة غلين سيبورغ، دورا مهما في عملية تطوير القنبلة الذرية خلال الحرب العالمية الثانية، وهي القنبلة التي قلبت موازين الحرب وغيرت مسار التاريخ فيما بعد.

وتولى أستاذ الفيزياء في الجامعة جي روبرت أوبينهايمر، رئاسة مشروع مانهاتن في 1942، وهو المشروع الذي طورت من خلاله القنبلة الذرية. ووافقت الجامعة على إدارة المشروع من دون أن تعلم الغرض منه، وهي الخطوة التي أرست علاقة وثيقة بين الجامعة ووزارة الدفاع الأميركية استمرت حتى وقتنا هذا.

وقد تحولت الغرفة 307 من قاعة جيلمان في الجامعة، وهي القاعة التي نجح من خلالها العالم الشهير سيبورغ في اكتشاف البلوتونيوم، إلى نصب تاريخي وطني تقديرا للدور الذي لعبه ذلك العالم في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية.

وخلال الفترة بين عامي 1943و 1952، جرى إنشاء معملين علميين في الجامعة، وهما معمل لوس ألاموس الوطني ومعهد لورنس لايفمور الوطني، وهما المعملان اللذان قدما أيضا الكثير إلى خريطة البحث العلمي في العالم.

واكتسبت الجامعة سمعة سياسية مميزة عن كل الجامعات في العالم بعد مرور قرن كامل على تأسيسها وذلك بعد أن شهدت أروقة الجامعة وحرمها تظاهرة كبيرة ضد اشتراك الولايات المتحدة الأميركية في حرب فيتنام.

وهي التظاهرة التي حرضت عليها حركة التعبير الحر التي نشأت داخل حرم بيركلي في 1964 وشكلت الهوية السياسية والأخلاقية لجيل كامل من الطلاب بعد ذلك وقد شهد العامان 1968 و1969 وجودا مكثفا لقوات الأمن والحرس الوطني في حرم الجامعة.

وكان من بين الذين شاركوا في الوجود العسكري الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان الذي شغل أيضا منصب حاكم ولاية كاليفورنيا قبل صعوده لسدة الحكم غير أن ذلك الوضع تغير بمرور السنوات.

واليوم يتضح أن الغالبية العظمى من طلبة بيركلي أقل وعيا من الناحية السياسية بالمقارنة بالأجيال السابقة من طلبة الجامعة ذاتها ويشتركون في اتجاهاتهم وانتماءاتهم السياسية مع نظرائهم في بقية الجامعات الأميركية الأخرى.

ويوجد في الجامعة أكثر من 130 قسما وبرنامجا أكاديميا مقسمة جميعها بين 14 كلية،ويعرف عن جامعة بيركلي أن الطلبة الذين تخرجوا منها وحصلوا فيما بعد على درجة الدكتوراة يفوق مثيله في أي جامعة أميركية أخرى.

كما أنها الجامعة الوحيدة في الولايات المتحدة الأميركية التي تُصنف جميع برامج الدكتوراة بها ضمن الأفضل في الولايات المتحدة الأميركية وفقا للتقرير العالمي والإخباري الأميركي،وهو التقرير ذاته الذي يضع الجامعة في المرتبة الأولى على قائمة الجامعات الحكومية في الولايات المتحدة الأميركية.

* ذكرى البدايات الصعبة

يعود تاريخ تأسيس جامعة كاليفورنيا إلى الفترة التي عُرفت بأيام فورة الذهب في عام 1849، وذلك عندما طالب واضعو الدستور الأميركي بصياغة تشريع يشجع على توظيف كل الإمكانات المتاحة بهدف الارتقاء بالحركة الفكرية والبحثية والعلمية والأخلاقية والزراعية لشعب كاليفورنيا.

فهؤلاء المشرعون كانوا يحلمون بوجود جامعة تساهم في جلب الرخاء والسعادة والازدهار للأجيال القادمة من أهل الولاية بشكل أكثر تأثيرا حتى من ثروة الذهب التي كانت تتمتع بها الولاية، وهو الهدف الذي تحقق فيما بعد.

ومن أجل ذلك الهدف خرجت الجامعة بالفعل إلى النور في أعقاب الاندماج الذي تم بين ما كان يسمى بكلية كاليفورنيا، التي كانت مؤسسة تعليمية خاصة آنذاك، وكلية الفنون الميكانيكية والتعدينية والزراعية، إذ انطلقت الجامعة لممارسة نشاطها في 23 مارس 1868 في مدينة أوكلاند وكان هنري ديورانت أول رئيسا لها.

وبدأت الجامعة نشاطها من داخل أحد مباني كلية كاليفورنيا القديمة، وبحلول عام 1873 تم الانتهاء من قاعتي الشمال والجنوب وانتقل مقر الجامعة إلى حرم بيركلي وبه 167 طالبا و222 طالبة.

جامعة كاليفورنيا، تعرف رسميا باسم جامعة «كاليفورنيا ـ بيركلي» أو جامعة بيركلي فقط لتمييزها عن جامعات كاليفورنيا الأخرى على قمة الهرم الجامعي الحكومي في الولايات المتحدة الأميركية،

وفي واقع الأمر ليس اسم «بيركلي» وحده هو الذي يميز تلك الجامعة العملاقة وإنما يميزها على أرض الواقع مكانتها المرموقة والفريدة على مستوى العالم، فهي حسنة السمعة الأكاديمية وفي معاملها تم تطوير القنبلة الذرية وتظاهر طلابها ضد مشاركة أميركا في حرب فيتنام.