لا يتوقف الحديث منذ قديم الزمن في الندوات والمؤتمرات المتخصصة عن تعريب العلوم ومواجهة اللغة العربية، صراعاً مع تحديات العولمة وسط مطالبة ملحة باستيعاب المنجزات العلمية والتقنية الحديثة ومواكبة سرعتها في التطور المصطلحي عبر تعريب العلوم، وفور أن ينتهي النقاش تتبارى اللجان المشكلة في صياغة مقترحات تنال إعجاب الحاضرين ويعلو رنين تصفيقهم في جنبات القاعات، وسرعان ما ينتهي الأمر إلى توصيات حبيسة الأدراج.

ويدعي الكثيرون أن التعريب يسبب تدني المستوى العلمي وأن اللغة العربية غير قادرة ولا تصلح للتعبير عن المعارف الحديثة واستيعاب العلوم، كما أن التعريب عزلة تشكل عقبة للبحث العلمي والتعليم العالي، وإن كان لابد لنا من التعريب فلابد من ترجمة جميع المراجع المهمة وإيجاد مصطلحات دقيقة في لغتنا الجميلة وتوحيدها في الوطن العربي.

وقال الدكتور سالم أبو فناس عميد كلية طب الأسنان في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا إن قضية تعريب العلوم مطلب قومي يساهم في تعزيز الوجود العربي الذي فشل في استيعاب العلم باللغة العربية، مشيراً إلى أن هذا الفشل ليس فشلا لغويا في استيعاب مفردات بلغات أخرى بل هو فشل امة،

وقال لا يمكن أن نبدأ بترجمة العلوم إلا بعد دراسة للواقع الحالي واتخاذ تشريعات على اثر يمكن من خلالها إنشاء مؤسسات متخصصة تعمل بهذا الاتجاه لتصل إلى درجة يصبح فيها النشر باللغة العربية موحد في العلام العربي إضافة إلى قيام المؤسسات بترجمة كل الأبحاث التي تطرح في العالم لنواكب من خلالها تطور العلم.

وأكد عميد كلية طب الأسنان انه من الضروري استيعاب العلم عن طريق اللغة الأم لان الإبداع لا يمكن له أن يتم إلا باللغة الأم، مشيراً إلى أن التدريس باللغة العربية لا يعني عدم الاهتمام باللغات الأخرى إذ من خلالها يمكن الاطلاع على ثقافات الآخرين واختراعاتهم والتطورات التي سبقونا إليها في المجالات العلمية.

المعنى المعرفي

وعرف الدكتور عدنان الخطيب موجه اللغة العربية في منطقة الشارقة التعليمية كلمة التعريب على أنها نقل دلالة اللفظة ومعناها من اللغة الأم إلى العربية، مشيراً إلى أن دلالات الألفاظ والعبارات والجمل لا يستطيع الإحاطة بها إلا أبناؤها فعند التعريب يتضح معنى المعرب وتبرز دلالاته والتعريب يجعل رسم المعرب ونطقه واضح المعنى المعرفي والدلالة الاصطلاحية من غير تخمين أو تبديل وتغيير ويوحد رؤاها ويبين دلالتها.

وقال إن تعريب العلوم بشتى صنوفه ضرورة لتوحيد المفاهيم والمصطلحات فالعلوم المعربة بكل مصطلحاتها ومسمياتها لها أثر الحسن من حيث الاستيعاب وسعة الانتشار وعمق الإدراك، أما غير المعرب فيبقى مجردا لا يؤدي أبعاده ومعناه إلا ضمن حيز دائرة استخدامه، مشيراً إلى أن الألفاظ الأجنبية التي يتم استخدامها بمسمياتها الأصلية لا ترقى من حيث الدقة والدلالة إلى منزلة المعربة فالتعريب يخرجها من هيكلتها الجامدة النطقية لتؤدي معنى حقيقيا في مضمار لغة الاستعمال.

وحمل الخطيب فشل المؤسسات التعليمية في الوطن العربي مسؤولية تخلفهم وغيابهم عن الساحة العلمية مشدداً على أن البدء بتعريب العلوم يعد بابا مساعدا لإعادة العرب إلى جادة الأبحاث والابتكارات لكي يكونوا مصنعين معرفة لا متلقين فقط.

بعد تاريخي

ويرى الدكتور أحمد بابكر الطاهر المتخصص في اللغات الأجنبية وأدب الترجمة في شبكة جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا أن اللغة التي يعبر بها أفراد المجتمع لها بعدها التاريخي الذي لا ينفصل عن تاريخ مجتمعها فعبرها ينتقل الواقع من البيئة إلى أذهان أفراد المجتمع وبهذه اللغة تنتظم تعبيراتهم في إبداعات حضارية واللغة معبر عن الواقع وهي الوسيلة للاتصال والتفاهم والتعبير عن الذات وهي أول وأغنى وسائل الإبداع.

وشدد الكثير من الباحثين على أن جذور الهوية الوطنية تستمد من اللغة واستبعاد اللغة الوطنية أو عزلها أو تهميشها كلغة ثانية خاصة في التعليم يؤدي إلى قطع أواصر الصلة بين الأمة الواحدة، مؤكداً أن اللغة الأم عامل توحيد وطني قبل العقيدة وقبل العنصر إذ تضطلع بمهام تماسك الأمة وتقريب وجهات نظر أبنائها في رؤية الواقع والتعامل والتفاعل معه وهي التي توجه أفعالهم وسلوكهم وانتماءهم إلى حضارة معينة وهي التي تؤثر على عواطفهم ومشاعرهم وفي بلورة هويتهم وفي كل الأصعدة التي تعزز عوامل التوحيد والتأليف بين قلوب الأبناء في الوطن الواحد المتماسك.

وقال الدكتور الطاهر إن التعريب الذي ننادي به يحمل بذور الإبداع والخلق والتفاعل السوي مع الواقع والمجتمع والارتباط الحميم بالجذور التاريخية للأمة وبهذا تتجلى الهوية القومية والتعريب بهذا المعنى يصبح ضرورة تستدعي بذل كل غال للوصول إلى تحقيقه

واكتفى بالقول إنه يجب أن يكون تعريب الألفاظ قياساً على منهاج العرب وأصول التعريب عندهم بما يتجانس مع سائر القبائل العربية والتي اختلفت لهجاتها وتباينت ايما تباين وتجربة قدمائنا في تعريب سائر العلوم سبب وحافز كاف يجعل من التعريب أمراً يسيراً إذا أردنا تحقيق هويتنا العربية والقومية وخلع الهويات التي ظللنا نلبسها ركضا وراء التفوق الحضاري.

ويرى الدكتور أحمد بابكر أن اليوم هو صراع مع تحديات عصر العولمة ومطالبة باستيعاب المنجزات العلمية والتقنية الحديثة ومواكبة سرعتها في التطور المصطلحي تأكيداً لعلميتها وصلاحيتها في إطار المعاصرة الحضارية والإصلاح اللغوي القادر والمقتدر على المدافعة الحضارية والتي تكمن أساساً في الإصلاح النفسي إزاء أدوات الصراع أو الحوار في مواجهة الحضارات الأخرى والصراع يكون بين أدوات الحضارات

وأهمها اللغة والغلبة دائما للأقوى والأفضل وفوز الأمة في معركة الهوية الثقافية والحضارية يتوقف على الاعتماد على المنطلقات القومية في السعي لإثبات وتأكيد الهوية وفي طليعة تلك المنطلقات القومية اللغة فهي رأس الرمح.

وذهب الطاهر في قوله إلى أن التعريب ضرورة يقتضيها وجودنا وتطلعنا إلى انجاز مشروع حضاري لكن التعريب لن يفضي إلى هذا المشروع إلا في نطاق وحدة عربية مقامة على الديمقراطية والحرية وعلاء دور العقل وبهذا وحده نستطيع أن نوفر الإمكانات البشرية والمادية التي تسمح بكسر الطوق الذي يضربه العدو وهي التي تضمن الأمن القومي لدرء التحديات ويستدعي التعريب بالضرورة الانفتاح على اللغات الأجنبية والتمكن منها.

ودعا في هذا المقام إلى التنسيق بين مشروعات الترجمة القطرية في العالم العربي وإعداد قوائم بالكتب التي تحتاج المكتبة العربية إلى ترجمتها والتي تسد ثغرات حقيقية فيها وذلك بالتعاون مع الدول العربية والعلماء المتخصصين فيها إضافة إلى إعداد فهرس كامل شامل لما تم ترجمته إلى اللغة العربية مع إلزام كل باحث عربي ترجمة ما يكتبه بلغة أجنبية إلى اللغة العربية وترجمة الدوريات والمجلات.

مغامرة التعريب

وأوضح الدكتور محمد الحناش بروفيسور اللغة العربية في شبكة جامعة عجمان أن هناك قلة من الباحثين الداعين إلى الدخول في مغامرة التعريب مهما كانت النتائج، حيث أقيمت في العديد من الدول العربية مراكز مختصة في التعريب، منها معهدان في المغرب، أحدهما تابع لجامعة الدول العربية، تحت اسم:

مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي، والثاني تحت اسم معهد التعريب وهو تابع لوزارة التعليم العالي المغربية، هذا بالإضافة إلى ما تقوم به المجامع اللغوية في الوطن العربي، وما تبذله بعض الجامعات العربية وإن كان قليلا يكاد لا يذكر مقارنة بالمد الذي تعرفه اللغات الأجنبية في عقر بيئتنا العربية.

وتساءل دكتور اللغة العربية في شبكة جامعة عجمان أين النتاج العلمي المصطلحي الذي أفرزته المجامع اللغوية ومراكز التعريب في الوطن العربي؟ مشيراً إلى أن القارئ قد يصاب بالدهشة إذا علم أننا أنفقنا أموالا طائلة اقتطعت من أرزاق الشعوب في بلدان عربية كثيرة ولكن نتيجتها كانت مجموعة قرارات «علمية» أو معاجم مختصة، ويسميها بعضهم «قواعد بيانات» ولكن مصيرها كان التكديس على الرفوف،

والكثير منها قضى نحبه، إذاً ما الجدوى من تكليف فرق بحث علمي «متخصصة» في صياغة المصطلح العلمي بالعربية دون الترويج له في سوق المدرسين والمتعلمين في أرجاء وطننا العربي؟ داعياً إلى فك القيود عن منتوج البحوث «والقرارات» التي توصلت إليها اللجان العاملة في هذه المراكز والمجامع، من أجل أن تفعل في العملية التعليمية وتفعل في المجتمع، فالمدرسة والجامعة هما الميدان الذي تبرز فيه قوة المصطلح، وهما المحك الذي يبين نجاح أي عملية تعريبية أو فشلها.

ورد حسام البكري موجه رياضيات في وزارة التربية والتعليم قبول اللغة العربية للكثير من المصطلحات العلمية واللغوية إلى خصائص اللغة العربية المتصفة بالمرونة والاشتقاق والنحت والتطور. وهذا يعمل على إغناء اللغة لغوياً وقلّ ما تتصف به لغة أخرى، وقال إن الطلبة اعتادوا في دراسة مناهجهم كالفيزياء والرياضيات على تعلم الرموز باللغة الانجليزية وأصبح ذلك بالنسبة لهم أكثر مرونة وسهوله وبالتالي فإن عملية تعريب المواد العلمية قد تواجه تحديات جمة لاسيما عند الطلبة الذين يدرسون بالاستعانة باللغة الانجليزية.

حروف وأصوات

استعرض الدكتور احمد بابكر الطاهر خصائص اللغة العربية مستنداً إلى ما وصلت اليه الدراسات الحديثة في مجالات علم الالسنة حيث تعتبر اللغة العربية أغنى اللغات المدروسة في ألفاظها وقواعدها وبمقياس موضوعي وعلمي بسيط فان اللغة العربية تستخدم جهاز النطق في الانسان على احسن وجه ولا تهمل وظيفة واحدة او عضواً واحداً منه فأصواتها ورموزها وكتابتها نموذج صوتي لا تعدله لغة اخرى .

فعدد حروفها يعادل عدد اصواتها وبمقاربة بسيطة بينها وبين اكثر اللغات حظا في يومنا هذا اللغة الانجليزية حروفها 28 حرفا وبها 45 صوتا وليس هناك صوت لا تستطيع العربية نطقه في الوقت الذي تصعب فيه بعض الاصوات العربية على غير العربي مثل الضاد كما ان للغة العربية قواعد تصريف واشتقاق بين مفردات كل مجموعة ذهنية لا نجدها في لغات اخرى.

وقال إن بنية اللغة العربية قابلة للقيام بالدور التعريبي دون تحفظ وحسب المعايير اللسانية التي يحكم بها على قيمة بناء اللغة وقدرتها الاستيعابية للصيغ الفكرية والعلمية وفاعليتها في توليد الاشكال الذهنية المواكبة للتقدم لمجالاته كافة فاللغة العربية بناء لساني راسخ مكن من توليد اشعاع ثقافي اثر تاثيرا عميقا في لغات اخرى فارسية وتركية وأردية.

مطلب قومي

قضية تعريب لغة العلوم مطلب قومي يساهم في تعزيز الوجود العربي الذي فشل في استيعاب العلم باللغة العربية.

خرجت أصوات تنادي بضرورة تعريب العلوم والخروج من حالة استهلاك العلوم إلى إنتاجها باستحداث لجنة تعريب تتولاها دولة عربية واحدة مع نبذ التعددية والعنصرية والانفعال في الحقل العلمي.

اعتماد اللغة العربية لغة تأليف علمي يؤدي إلى التطوير والنهوض من الكبوة التي نعيشها منذ زمن بعيد.

تعريب العلوم بشتى صنوفه ضرورة لتوحيد المفاهيم والمصطلحات ،فالعلوم المعربة بكل مصطلحاتها ومسمياتها لها أثر حسن من حيث الاستيعاب وسعة الانتشار وعمق الإدراك.

ترجمة العلوم أمر ممكن الحدوث إذا ما تماشى مع إمكانيات وقدرات المتخصصين العرب وان تكون المادة المختارة تعريبا والمفردات المراد ترجمتها على قدر كبير من الأهمية وتعود بالنفع في مجال اللغة العربية والأسس العلمية.

المؤسسات التعليمية في الوطن العربي مسؤولة عن التخلف والغياب عن الساحة العلمية، والبدء بتعريب العلوم باباً مساعداً لإعادة العرب إلى جادة الأبحاث والابتكارات لكي يكونوا مصنعي معرفة لا متلقين فقط

تحقيق ـ نورا الأمير: