أفكار صغيرة تليق بحجم أصحابها وتكبر مع طموحاتهم، وأجواء مفعمة بالمنافسة البريئة والقوية، وتحركات لفتية صغار ذهاباً وإياباً أشعلت ردهات الريف مول نشاطاً، وللوهلة الأولى يبدو لك أن المركز المتحضر والعصري ذلك انقلب إلى سوق شعبي يزخر بالأشكال الفنية البسيطة والأفكار المستنيرة في عصر زادت تعقيداته فصعبت المنافسة في مجتمع المال والأعمال، وما بالك بطلبة لا يتجاوز أكبرهم الثامنة عشرة من العمر، دفعتهم الحماسة للمنافسة بأفكار تجارية في سوق لا يرحم أحداً.
التاجر الصغير مسابقة أطلقتها مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب، وقد أقيمت للمرة الثانية هذا العام بعد تطبيقها ونجاح فكرتها العام الماضي، وهو ما أكده عبدالباسط الجناحي المدير التنفيذي لمؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب،
حيث قال: إن نجاح المسابقة العام المنصرم ساهم في تعزيز أعداد الطلبة الراغبين بالاشتراك، وارتفعت المشاركة بنسبة 30 في المئة، لتصل أعداد المشاريع المتنافسة إلى 72 مشروعاً، قام بتصميمها وإدارتها عدد من طلبة المرحلة الثانوية الذكور والإناث ومن مختلف الجنسيات في عدد من مدارس الدولة الحكومية والخاصة.
وفي خضم ذلك اتشح الريف مول لثلاثة أيام متتالية بمناظر براقة لمشروعات صغيرة بحجمها كبيرة بفكرتها، وأخليت ممراته لطلبة من مدارس مختلفة يعرضون أفكاراً تجارية، في هيئة مسابقة طلابية محفزة لدخول أصحابها معترك التجارة، وعلى أساس كمية البيع والربح وفكرة المشروع وطريقة العرض للجمهور تقام هذه الأعمال ليخرج في النهاية الفائز الأول من بين أكثر من سبعين مشروعاً متنافساً.
تجربة عميقة
أكشاك تجارية صغيرة تناثرت في أركان الريف مول، تزينت بأنامل أصحابها الصغار، واحتمت ببائعين لم يعتادوا هذه المهنة من قبل، لكنهم بدوا وكأنهم تجار ورثوا مهنتهم عن آباء وأجداد جابوا البلاد شرقاً وغرباً، فكان حضورهم القوي وتعاملهم مع الزبون أداة جذب لا يمكن لمن يمر عليهم تجاهلها، وهو ما يبرهن صدق وعمق التجربة في نفوس الشباب الذين أظهروا استمتاعاً كبيراً مع منتجاتهم بعيداً عن روتين الدراسة.
الأبطال الحقيقيون مشروع متميز وملفت للنظر عرضته أربع طالبات من مدرسة المواكب الخاصة بدبي في إحدى زوايا الريف مول، الطالبة آمنة بالهول تطمح في الوصول إلى حلمها البعيد وهو أن تصبح مخرجة مشهورة، ولذلك فهي صاحبة فكرة «الأبطال الحقيقيون» التي لاقت استحسان جميع الزائرين، ورافقها في هذا العمل ثلاث طالبات من مدرستها هن: نور بالهول وإنعام المرزوقي ودانا عيتاني.
الأبطال الحقيقيون
الأبطال الحقيقيون مشروع جاد يهدف إلى تنمية روح الوطنية لدى الأطفال، واستعاضت هؤلاء الطالبات برسومات متحركة تعرف الأطفال في قصص حقيقية عن أبطال حقيقيين وهم بناة الإمارات وسواعد نهضته من حكامه وشيوخه، وهؤلاء الأبطال هم المثل الأعلى الذي يجب الاقتداء به، كما ترى صاحبات المشروع.
في المرحلة الأولى للمشروع اختارت الطالبات أربع شخصيات وعناوين وهي: المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «الأسطورة الحية»، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله «باني دبي»، والشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم طيب الله ثراه «اليد البيضاء»، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «الفارس الشجاع».
في أربعة كتيبات أخذ كل واحد منهم مكاناً حقيقياً له، حيث رويت عن كل شخصية قصص وإنجازات تجسد مسيرتها في البناء والعطاء، وأخرجت بطريقة جذابة مع صور تم تحويرها عبر برامج الحاسوب لتكون أشبه بالرسم، علاوة على أن هذه القصص وجدت بلغتين هي العربية والإنجليزية، وعرضت بأسلوب سلس يشجع الأطفال على القراءة والاستمتاع مع قصص حقيقية، بدلاً من الضياع مع «سوبر وسبايدر مان» فوق البنايات الخيالية.
فكرة وتساؤل
آمنة بالهول صاحبة الفكرة تقول: الفكرة بدأت عندما كنت صغيرة وأتردد على السينما وأتابع أفلام الكرتون، وتساءلت حينها لماذا لا توجد رسوم متحركة عربية أو إماراتية، ووضعت نصب عيني التفكير في رسوم تحكي عن دولتنا، وتبادر إلى الذهن لاحقاً وجود هدف نبيل ينمي فكر الطفل ويعرفه بحقائق راسخة، وانتهيت بالحديث عن شيوخ الإمارات وإنجازاتهم البطولية على صعيد بناء الوطن والمواطن.
فمنذ العام الماضي طرحت وزميلاتها هذه الفكرة، واستغرق التحضير لها الدورة الأولى لمسابقة التاجر الصغير، وفي دورتها الثانية كان النصيب أن تأخذ هذه الفكرة مكانها كمشروع يزاحم عشرات المشاريع التجارية المتسابقة، وتم إنجاز أربعة كتيبات عن الشخصيات الأربع التي سبق ذكرها،
إضافة إلى كتاب النشاط العام الذي يضم معلومات وصوراً عن أبرز معالم الدولة، وعما قريب وبعد أن تروج الفكرة وتأخذ حقها سنطور المشروع ونتطرق إلى الكثير من الشخصيات البانية لدولة الإمارات. وتضيف أن الهدف من هذا المشروع هو توعية وتعليم جيل الأطفال عن طريق قصص حقيقية لأبطال حقيقيين،
وليسوا مجرد خيال، كما عرف في وسائل الإعلام، وحلمها المستقبلي أن تنجز فيلماً متكاملاً لأبطال إماراتيين حقيقيين، يعرض على شكل رسوم مشوقة للأطفال، وينتشر ليس فقط على مستوى الإمارات، بل يتعدى ذلك ليأخذ مرتبة عالمية.
أما عن المادة القصصية التي احتوتها كتيبات الرسوم الأربعة فهي من تحرير الطالبات الأربع اللاتي استعن بمواقع وكتب إماراتية تحكي حياة وإنجازات الشيوخ وحكام الإمارات، فكانت النتيجة سيرة ذاتية حقيقية على طريقة رسوم أطفال هادفة، وفي اليوم الأول من عرض وبيع منتجات الفكرة في الريف مول تمكنت الطالبات من بيع 27 كتيباً، والعدد مرشح بقوة للزيادة إذ إن سعر الكتيب الواحد لا يتعدى العشرين درهماً.
عشرات المشاريع
ذلك كان مشروعاً من بين العشرات، إذ اصطبغ كل واحد منها بصبغة فريدة لا مثيل لها، وإلى جانب أولئك الطالبات وقفت مجموعة أخرى هي: موزة المعماري وأندريه شديد وبترا مطر وغانم بن سليم، وجميعهم يبيعون حقائب وإكسسوارات يدوية صنعت بلمسات وتصاميم متنوعة.
وكما توضح تلك المجموعة فإن مشروعها الذي تنافس فيه ضمن مسابقة التاجر الصغير عبارة عن حقائب متنوعة الواحدة لا تشبه الأخرى، ولا مجال لبيع مثيلاتها في السوق كونها نتاج أفكار مبتدئة في عالم التجارة والمشاريع، فالطلبة أنفسهم أنجزوا هذه التصاميم وراعوا فيها اختلاف الواحدة عن الأخرى، ثم أرسلوا تصاميمهم هذه إلى خياط كل ما عليه تطبيق التصميم.
المجموعة عرضت في محلها الصغير 32 حقيبة نسائية، جميعها مختلف في التصميم وهي قطع فريدة، أما أسعارها فتتراوح بين 450 و850 درهماً للقطعة الواحدة، وإضافة إلى أنها حقائب فريدة من نوعها فهي مرصعة بأحجار كريمة وإكسسوارات جذابة، وقد لاقت رواجاً واسعاً عند الجمهور، وفي الساعات الأولى من يوم العرض الأول باعت المجموعة قطعاً متنوعة بمبلغ 1850درهماً، ومن المتوقع أن تصل الأرباح النهائية بعد اليوم الثالث والأخير إلى 16 ألف درهم أي 50 في المئة من مجمل المبلغ المجني.
مجموعة أخرى مكونة من الطالبات أسماء السويدي وهند العلي وسارة القرق وراما حسام الدين من مدرسة دبي الوطنية ارتأت أن تشارك في المسابقة كمحترفات يزينَّ الموبايلات والإكسسوارات ومختلف الأشياء الصغيرة مثل الحقائب وأجهزة الحاسوب المحمولة وغيرها، بحبيبات الكريستال غالية الثمن لينتج عنها في النهاية شكل آخر جميل يختلف كلياً.
وكما توضح الطالبات فإن الزبون يأتي إلى المحل وهن بدورهن يكملن القطعة التي يريد بترصيعها بالكريستال الذي اشترينه من المحال كحبيبات متفرقة، ومشروعهن يمثل تجسيداً لذوق فني وجمالي، وإضافة إلى ذلك فهن يبعن سبحات عملت بطريق جذابة وحبيباتها مرصعة بالكريستال، ووصل مجموع مبيعات الساعات الأولى من يومهن الأول إلى ثمنمئة درهم، وجمهورهن من العرب والأجانب.
عنصر الإناث
مشروع آخر برز فيه عنصر الإناث أيضاً، فكان ذلك العنصر الغالب بين المتسابقين، وهذه المرة للطالبات لينا قداح، وعلياء لوتاه وشيخة ولد عريب وهيفاء حسين، ومشروعهن يتمثل ببيع حقائب دراسية، وقمصان ومخدات وغيرها من الإكسسوارات منقوش عليها رسومات يدوية جميلة.
وهذه المنتجات جاءت من المصنع مباشرة بعد شراء الطالبات للكمية التي تكفيهن للمشاركة في مسابقة التاجر الصغير، والطالبات عملن معاً وتشاورن كفريق واحد لمدة تزيد على الشهر في التخطيط والانتاج، ولذا كانت مشاركتهن ناجحة ومميزة على الأقل بالنسبة لهن ولزميلاتهن في المدرسة.
الأهم من ذلك كما قالت الطالبة لينا قداح حجم الفائدة التي تعود على المشاركين في هذه المسابقة، سواء في الاعتماد على الذات أو في مواجهة الجمهور أو في اكتساب الخبرة العملية لدروس نتعلمها نظرياً في مادة الاقتصاد والتسويق بالمدرسة، فهذه المسابقة كانت خير تطبيق عملي نقوم به.
وأضافت ان توفير مثل هذه المسابقات أمر يساهم كثيراً في الارتقاء بمستوى التعليم والاندماج مع السوق والتعرف على الجمهور وممارسة المنافسة الشريفة، فالتعليم الروتيني وحده لا يكفي، والتجربة هذه كانت مشجعة وإيجابية كثيراً، والطلبة أظهروا حماساً كبيراً وأخذوا الأمر على محمل الجد، وعملوا في مشاريع غنية وذكية لا تتطلب الكثير من الوقت والمال
متابعة: عنان كتانة



