هي الجامعة الأكثر شهرة بين الطبقة الأرستقراطية الأميركية وتخرج فيها عدد من الرؤساء والمسؤولين الأميركيين يفوق مثيله في أي جامعة أميركية أخرى. إنها جامعة يال الأميركية، التي تعد المنافس التقليدي والرئيسي لهارفارد ـ الجامعة الأولى في التصنيف العالمي للجامعات ـ وأضحى التنافس على التفوق بين الجامعتين في جميع المجالات أشبه ما يكون بالتنافس التقليدي بين جامعتي أكسفورد وكامبريدج في بريطانيا.
وأُسست يال تحت اسم «الكلية الجامعية» عام 1701 في سايروك في ولاية كونكتيكت، وهي المدينة الممتدة بين بوسطن ونيويورك، على يد جماعة من القساوسة «المتطهرين» الذين أغضبهم «تحرر» هارفارد اللاهوتي. وفي عام 1716 انتقل مقر الجامعة إلى مدينة نيوهيفن، وأطلق عليها اسم كلية يال تقديراً لمساعدة سخية تقدم بها تاجر ثري يُدعى ايليهو يال، حملت الجامعة اسمه حتى يومنا هذا. وبشكل يميزها عن هارفارد المنافسة، اتبعت يال نظام «الكليات السكنية» الشبيه بنظام أكسفورد وكامبريدج.
واهتم الذين أشرفوا على نسقها المعماري باعتماد النمط المعماري القوطي الفاخر الذي قرّبها أكثر من صورة الجامعة البريطانية التقليدية. غير أن إيقاع التطور السريع شمل يال كما شمل غيرها وارتفعت فيها نسبة الكليات والمعاهد والدوائر المتخصصة بمرور السنوات.
ففي عام 1810 تأسست فيها كلية الطب، وعام 1824 كلية الحقوق، وفي عام 1861 صارت يال أول مؤسسة أميركية للتعليم العالي تمنح درجة الدكتوراه. وفي عام 1887 تغيّر اسمها رسميا إلى «جامعة يال»، وفي عام 1969 فتحت أبوابها للطالبات. ويزيد عدد طلاب الجامعة الآن على 12 ألف طالب، يدرسون في عدد ضخم من التخصصات التي تشمل الآداب والعلوم والفنون والعمارة والهندسة والتجارة والإدارة والطب والتمريض والصحة العامة والموسيقى والتمثيل والغابات والبيئة.
وتضم مكتبات الجامعة ـ وأهمها مكتبة ستيرلينغ التذكارية ـ أكثر من 10ملايين مجلد، كما أنشئ فيها أول معرض للفن، وتعد من أغنى جامعات العالم على الإطلاق.
ونظرة شبه تفصيلية إلى تاريخ الجامعة توضح أن إنشاء الجامعة تم بموجب قانون أقرته المحكمة العامة لمستعمرة كونكتيكت في التاسع من أكتوبر 1701، وهو ما يجعلها ثالث أقدم مؤسسة للتعليم العالي في الولايات المتحدة قاطبة.
وبعد انتقال مقرها إلى مدينة نيوهيفن مقرها الحالي، كانت هناك بوادر انشقاق تلوح في الأفق في جامعة هارفارد وذلك بين الرئيس السادس للجامعة، إنكريز ماثر، وبقية هيئة كهنوت الجامعة الذين كانوا من وجهة نظر ماثر متحررين بشكل مفرط ولا يلتزمون بتعاليم الكنيسة كما ينبغي.
وساءت العلاقة بين الطرفين بشكل أكبر بعد استقالة ماثر بعد أن رفضت إدارة الجامعة بشكل متكرر تولي ابنه كوتن ماثر منصب رئاسة الجامعة من بعده. ودفعت تلك العداوة ماثر إلى استغلال النجاح الذي حققته الكلية الجامعية التي انتقلت لتوها إلى نيوهيفن على أمل تحويلها إلى مؤسسة جامعية تلتزم بالتعاليم الأرثوذكسية بالشكل الذي يعوض فشل هارفارد من وجهة نظره.
وفي 1718 وبناءً على نصيحة الحاكم جاردن سالتونهول، اتصل كوتن ماثر برجل أعمال ناجح في ويلز يُدعى إليهو يال ليطلب منه مساعدة مالية من أجل إنشاء مبنى جديد للجامعة. وبالفعل استجاب رجل الأعمال الشهير، الذي كان قد جمع ثروته من التجارة في الهند لسنوات طويلة، وقام بإرسال كمية كبيرة من البضائع إلى إدارة الجامعة تم بيعها فيما بعد بأكثر من 560 جنيها إسترلينيا، وهو ما كان مبلغا كبيرا حينها.
كما تبرع يال بـ 417 كتابا وصورة للملك جورج الأول للجامعة. وبعد تلك المساهمة الكبيرة من جانب يال اقترح كوتن تغيير اسم الجامعة إلى جامعة يال اعترافا بالفضل للرجل الذي نجح في النهوض بالجامعة وحولها إلى مؤسسة تعليمية معترف بها. وكان كوتن يهدف من ذلك الاقتراح إلى تشجيع الرجل على التبرع بمزيد من الأموال لمصلحة الجامعة.
وتناهى إلى مسامع يال خبر تغيير اسم الجامعة ليحمل اسمه ولكنه كان آنذاك في رحلة في الهند وهي الرحلة التي لم يعد منها مطلقا إلى مسقط رأسه في ويلز حيث وافته المنية وهو يمارس عمله في إحدى المدن الهندية. وعلى الرغم من أن الرجل كان قد أوصى بتوريث جزء كبير من ثروته إلى «الكلية الجامعية في مستعمرة كونكتيكت»، إلا أن الجامعة لم تستطع أبدا الحصول على تلك الثروة لأسباب قانونية عديدة.
وكانت الفئات الجادة من طلبة اللاهوت والعلوم الإلهية في أميركا، لاسيما في نيو إنغلاند، ينظرون إلى اللغة العبرية باعتبارها لغة كلاسيكية ينبغي دراستها جنباً إلى جنب مع اللاتينية واليونانية، وكانوا يعتبرونها لغة لا يمكن الاستغناء عنها لدراسة العهد القديم بنصه الأصلي. وكان عيزرا ستايلس، رئيس الجامعة في الفترة من 1778 إلى 1795، من أوائل الذي وضعوا أسس الاهتمام باللغة العبرية في الجامعة باعتبارها، من وجهة نظره، الوسيلة الرئيسية لدراسة النصوص الدينية بلغتها الأصلية،
وهو الأمر الذي كان متعارفا عليه في الجامعات المرموقة الأخرى مثل هارفارد. وقد تطلب ذلك من الطلبة الجدد المنضمين إلى الجامعة تعلم اللغة العبرية. والتحدي الأكبر الذي قابل ستايلز كان في شهر يوليو 1779 عندما احتلت القوات البريطانية المعادية نيوهيفن وهددت بنسف الجامعة.
ولحسن الحظ كان من بين الجنود البريطانيين شخص يدعى إدمون فانينغ تصادف أنه كان أحد خريجي الجامعة. وكان فانينغ سكرتير الجنرال البريطاني الذي كان على رأس قوات الاحتلال وقتها. وتدخل فانينغ لدى قائده وتمت حماية الجامعة مما كان يمكن أن يغير ملامح الحياة الأكاديمية الأميركية بعد ذلك بسنوات. وقد منح فانينغ وساماً ودرجة شرفية تقديرا لجهوده في خدمة الجامعة.
تقول صحيفة «بوسطون غلوب» الأميركية: «إذا كانت هناك كلية واحدة في العالم يمكنها أن تدّعى أنها علمت كبار قادة الدولة خلال العقود الثلاثة الماضية، فتلك الكلية هي يال». فمنذ 1972، يتمتع خريجو الجامعة بوجود دائم في كل الانتخابات الرئاسية الأميركية. فهناك قائمة طويلة من خريجي الجامعة تولوا رئاسة البيت الأبيض منذ حرب فيتنام. تلك القائمة تشمل الأسماء التالية: جورج بوش الأب، بيل كلينتون، جورج بوش الابن.
كما تشمل القائمة أسماء كبيرة أخرى خاضوا الانتخابات مثل جون كيري إلى جانب شخصيات أخرى ترشحت في منصب نائب الرئيس من أمثال ديك تشيني وجوزيف ليبرمان وسيرجينت شريفر. ويأتي ضمن القائمة ذاتها كل من هوارد دين وغاري هارت، اللذين كانا مرشحين عن الحزب الديمقراطي وكانت نسبة كبيرة من التوقعات تصب في صالحهما للفوز بالانتخابات.
ويُرجع الخبراء سبب تميز الجامعة في هذا الشأن إلى عدة عوامل منها وجود ما يسمى بمعمل القادة الجدد الموجود في الجامعة، وهو المعمل الذي بدأ نشاطه أثناء فترة تولي رئيسي يال ألفريد ويتني كريولد وكينغمشان برويتر. يقول رئيس الجامعة السابق ريتشارد برودهيد في هذا الشأن: «نحن نضع في الاعتبار بشكل كبير عند اختيار طلابنا البيئة التي يعيش فيه المتقدمون إلى الالتحاق بالجامعة. كما أن هناك قدراً كبيراً من أعمال وجهود التطوع داخل جامعة يال.
وهناك شخصية مميزة للجامعة تقوم على تنظيم العمل بشكل من الصعب أن يجده الطالب أو حتى الأستاذ في أي مؤسسة أكاديمية أخرى في العالم. وهناك تركيز فريد أيضا من نوعه على العلوم السياسية وعلوم الإدارة وحسن انتقاء للطلبة الدارسين في تلك الأقسام التي تتميز بها الجامعة عن أي جامعة أخرى في العالم وليس في أميركا فحسب.» ولا شك أن الإحصائيات تؤكد ما يقوله رئيس الجامعة السابق، إذ تُعد يال من أكثر الجامعات الأميركية تشددا فيما يتعلق بإجراءات قبول الطلبة.
ففي خلال الأعوام القليلة الماضية، تم قبول أقل من 10% من أصل 20 ألف طالب تقدموا بأوراقهم إلى الجامعة في مرحلة ما قبل التخرج، و70% فقط من هؤلاء الذين قُبلت أوراقهم قرروا حضور المحاضرات. وكلية الحقوق في الجامعة تقبل 6% فقط من المتقدمين إليها سنويا والبالغ عددهم أكثر من 4000 طالب. ويلخص رئيس الجامعة الحالي، ريتشارد سي. ليفن أهداف الجامعة في هذا الصدد بالقول: «في الوقت الذي نتطلع فيه نحن إلى المستقبل،
تبقى يال ملتزمة برسالتها التعليمية في مرحلة ما قبل التخرج وتظل مصممة وعازمة كل العزم على تخريج جيل من القادة في القرن الواحد والعشرين يساهمون بفعالية في مجريات الأحداث العالمية. ومن ثم فإن مناهج يال تركز في المقام الأول على القضايا الدولية وهموم العالم وتتمتع بتمثيل قوي بين المجتمع الطلابي في العالم».
ولدى الجامعة تشكيلة من الكتب والمخطوطات النادرة في مكتبة بينيك للكتب النادرة. ويحتل مجمع المكتبات الخاص بالجامعة المركز الثاني في قائمة أكبر المكتبات في العالم، إذ يحتوي على نحو أحد عشر مليون مجلد. والمكتبة الرئيسية في هذا المجمع هي مكتبة ستيرلينغ التذكارية وتحتوي وحدها على خمسة ملايين مجلد من الكتب. كما يضم مركز يال للفن البريطاني أكبر تشكيلة لمخطوطات الفن البريطاني خارج بريطانيا.
وهناك أيضا تشكيلة مهمة من الصور واللوحات المهمة في كل من متحف بيبودي للتاريخ الطبيعي، وهو المتحف الأشهر في مدينة نيوهيفن، وهناك أيضا جاليري جامعة يال للفن، الذي يعد أول متحف للفن يلحق بجامعة في الولايات المتحدة الأميركية.
وكان عقدا السبعينات والثمانينات من العقود المميزة في تاريخ الجامعة، إذ شهد العقدان تفشي ظاهرتي الفقر والجريمة في مدينة نيوهيفن، مما أثر سلبا بشدة في الحياة الطلابية داخل الجامعة وعلى قدرتها على استقدام الطلبة إليها
وبالتالي على سمعتها بين الجامعات الأميركية الأخرى في وقت كانت الجامعة قد نجحت فيه بالفعل في الانتقال من مرحلة أن تكون مجرد مكان أكاديمي لتدريس العلم إلى تبوؤ مكانة مميزة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية. ونتيجة لتلك التطورات اجتمع مجلس إدارة الجامعة ليضعوا أسساً خاصة تجعل من الجامعة واحدة من أكثر المؤسسات الأكاديمية في الولايات المتحدة أمانا، وهو الهدف الذي تحقق بالفعل بحسب إحصائيات وزارة التعليم الأميركية.
وبحسب أحدث الإحصائيات المتوافرة في هذا الشأن فإن الجامعة خلال السنوات الثلاث الأخيرة شهدت 14 جريمة عنيفة فقط في حين أن منافستها اللدودة هارفارد شهدت أكثر من 83 جريمة عنيفة وشهدت برينستون 24 جريمة وستانفورد 54 جريمة. وفي الوقت ذاته فإن حرم الجامعة شهد عددا أقل من الجرائم غير العنيفة مثل السرقة والحرق مقارنة بالجامعات الأميركية الأخرى.
يال في سطور
ـ الشعار: النور والحق
ـ تاريخ الإنشاء: 1701
ـ النوع: جامعة خاصة
ـ القيمة الوقفية: 225. 15 مليار دولار
ـ الرئيس: ريتشارد سي. ليفين
ـ عدد الطلبة: 11400
ـ عدد طلبة ما قبل التخرج: 5300
ـ المقر: نيوهيفن، ولاية كونكتيكت
ـ مساحة الحرم الجامعي: 260 فداناً
إعداد وترجمة: حاتم حسين

