فتت بعض السلوكيات التي انتشرت في الآونة الأخيرة بين الطلبة في المجتمع المدرسي والتي تراوحت بين العدوان والتدمير والتخريب والتطاول بالألفاظ أو اليد على الزملاء والمعلمين الانتباه إلى ضرورة إيلاء الصحة النفسية للطلبة أولوية قصوى بدلا من تجاهلها وجعلها في ذيل الاهتمامات ليس على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة فحسب بل دول الوطن العربي قاطبة .
الصحة النفسية السوية تعد احد الأهداف التي تسعى إليها المجتمعات المتقدمة من خلال تقديم أفضل رعاية نفسية واجتماعية لأفراد المجتمع خاصة الطالب الذي هو محور العملية التربوية والتعليمية وبقدر ما يمارس الأفراد في المجتمعات من سلوكيات ومهارات في التعامل مع الآخرين تقاس صحة الفرد النفسية وتحدد سويته أو شذوذه.
«الجيل» التقى عدداً من المختصين في مجال الرعاية النفسية خلال أسبوع الصحة النفسية الذي أقيم على مستوى الدولة للبحث في أهمية تأمين صحة أبنائنا النفسية والبحث في اسباب القصور في هذا الجانب.
اشرف العريان الاختصاصي النفسي في منطقة الشارقة التعليمية أكد ان الاهتمام المنصب في الميدان التربوي لا يحفل فيه إلا المعلمون فقط فيما يهمش دور الاختصاصي النفسي والاجتماعي لاعتقاد المسؤولين انها مهن تكميلية وهنا تكمن المعضلة الأولى خاصة في الوقت الحالي الذي تكثر فيه الامراض النفسية كالاكتئاب الشديد والانطواء وانفصام الشخصية،
مشيرا إلى ان ما ظهر في الآونة الأخيرة على سطح الميدان التربوي من تصرفات لا أخلاقية تعكس مدى الاضطراب النفسي الذي يعيشه مقترفها تدعو الميدان إلى الاهتمام ولو قليلا بتوفير الصحة النفسية السليمة للطلبة ولكافة أفراد المجتمع، داعيا كل من يتولى مسؤولية التوجيه والتربية في أي موقع سواء كان أبا أو اما أو معلمة ان يتقن بعض المعارف والمهارات والاتجاهات الأساسية التي تساعده على فهم ديناميات السلوك الإنساني في حالة الصحة النفسية أو المرض النفسي .
حاجة ملحة
وترى صديقة علي الاختصاصية الاجتماعية في مدرسة حطين للتعليم الأساسي ان هناك توجهاً قوياً لرعاية العاملين في التربية خاصة الطلبة، مشيرة إلى ان رعاية طلبة المرحلة التأسيسية نفسيا والغوص في أعماقهم وتوفير السكينة النفسية لهم يبني جيلا سويا لا تؤثر فيه مشاكل العصر وتعقيداته،
داعية توجيه البرامج والخطط إلى دراسة واقع الطلبة خاصة أولئك الذين تصدر عنهم سلوكيات سلبية كالعنف اللفظي أو الجسدي ومعالجتهم نفسيا، مؤكدة ان الاهتمام بالصحة النفسية سيفضي إلى تمتع الطالب بصحة العقل وسلامة السلوك مما يؤدي إلى الارتقاء به سلوكيا وتحصيليا، وتغيب في غضون سنوات قليلة كل الظواهر السلبية التي أخذت تغزو مجتمعاتنا نتيجة الانفتاح على الغرب وكثرة الفضائيات وغياب القدوة.
وذكرت نورا عبد الله الاختصاصية الاجتماعية في مدرسة دسمان للتعليم الأساسي في الشارقة ان التركيز على الصحة النفسية بدأ يأخذ حيزا اكبر في فكر العلماء والمختصين نظرا لما أكدته العديد من الدراسات في ان خرق القانون والسلوكيات التي تتسم بالعنف والشذوذ لا تصدر إلا عن المضطربين نفسيا ممن لم يحظوا باهتمام في صغرهم ما يدفعهم لاقتراف بعض التصرفات بغرض لفت الانتباه أو إلحاق الضرر بالآخرين،
مؤكدة ان الدول العربية بشكل عام لا تهتم بالصحة النفسية ويعتقد الكثيرون ان من يتوجه إلى طبيب نفسي مصاب بالجنون مما قلل من شأن هذه المهنة لسنوات طويلة على الرغم من أهميتها القصوى في حياتنا.
وأوضحت ان البرامج والخطط العلاجية التي يضعها المختصون النفسيون لن تكون ذات فائدة إذا لم تتضافر جهود الأطراف المعنية متمثلة في الأسرة والمدرسة والمجتمع مشددة على دور الأسرة باعتبارها العنصر الأكثر تأثيرا على الطالب.
خطط علاجية
وقالت انها كاختصاصية اجتماعية تهتم بدراسة بيئات الطلبة بشكل تفصيلي ليتسنى لها وضع خطط علاجية إذا اقتضى الأمر وصدرت بعض السلوكيات غير السوية من الطلبة لافتة إلى تنفيذها مشروعا يصب في تقويم السلوك وخلق شخصية متوازنة للطالب وهو مشروع شهادات السلوك حيث نمنح على ضوئه الملتزمين شهادات تقدير كل أسبوعين توجه إلى أولياء الأمور ليكونوا على اطلاع وتواصل دائم.
ومن واقع تجربتها كاختصاصية في التربية وعلم النفس تعتقد بدرية إسماعيل جمعة مديرة مدرسة حطين التأسيسية أن العامل النفسي مهم جدا بالنسبة للطالب بل ولجميع العاملين في الميدان التربوي خاصة في ظل التغيرات الحاصلة والتي تقتضيها طبيعة العصر ،
مشيرة إلى ان الغوص في أعماق الطفل واستخراج ايجابياته وعلاج مواطن الضعف والسلبية لديه اثبت نجاحه وفشلت باقي الأساليب خاصة تلك التي تعتمد على العقاب بشتى أشكاله مؤكدة أنها تعتمد في سياستها التربوية في المدرسة على أسلوب الثواب ومحاورة الطالب المخطئ بعد دراسة لواقعه الاجتماعي والبيئي الذي انحدر منه كي تكون أكثر قدرة على التعاطي مع الحالة والوصول بها إلى بر الأمان.
وقالت إيمان عبيد الاختصاصية النفسية في منطقة الشارقة التعليمية ان احد أهم الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها هو نشر مفاهيم الصحة النفسية بين أفراد المجتمع ليكون الفرد راضيا عن ذاته والمحيطين به ، معرّفة الصحة النفسية على أنها حالة دائمة نسبيا يكون فيها الفرد متوافقا نفسيا وشخصيا وانفعاليا واجتماعيا مع نفسه وبيئته ويشعر بالسعادة مع نفسه والآخرين ويكون قادرا على تحقيق ذاته واستغلال قدراته إلى أقصى حد ممكن.
وذكرت ان المجتمعات تغفل تأمين صحتها النفسية وتهتم بتأمين الصحة البدنية ومع ان السنوات القليلة الماضية شهدت صحوة في هذا الجانب وبدا الكثيرون يلتفتون إلى أهميته نظرا لكثرة المشكلات التي تنبع عن حالات الاضطراب النفسي، والميدان التربوي احد المتأثرين بذلك وشهد تفشي بعض الأمراض النفسية كالإعجاب السلبي لدى الطالبات اللاتي يتوجهن إلى ذلك نتيجة للفراغ العاطفي الذي يعشنه في المنزل إضافة إلى انتشار ظاهرة العنف اللفظي وغيرها .
وركزت على دور الأسرة في مشاركة الاختصاصي النفسي مراحل العلاج المختلفة مؤكدة على أن الغياب شبه التام عن متابعة بعض الأسر لأبنائهم يؤدي إلى دخولهم في حالات من الاكتئاب تدفعهم في بعض الأحيان إلى اقتراف سلوكيات خاطئة، واعتبرت قلة عدد الاختصاصيين النفسيين في المدارس معضلة تستوجب الالتفات لأن تأمين طالب سوي نفسيا من شأنه حماية المجتمع المدرسي والمجتمع المحيط من عشرات الظواهر السلبية التي تقض مضاجع المسؤولين إضافة إلى تأثيرها المباشر على رفع مستوى الطالب الدراسي.
وتشارك مريم العبيدلي الاختصاصية النفسية زميلتها الرأي حيث ترى انه آن الأوان ليدرك المجتمع قيمة الاختصاصي النفسي والتوجه إليه ليكون عونا ومساعدا في وضع الخطط العلاجية للطلبة، مشيرة إلى ان هذا المجال الذي بقي مهملا لسنوات بدا يحظى بقدر من الاهتمام ولكن ليس بالقدر المطلوب.
وقالت ان ما يفرزه المجتمع من أمراض نفسية زاد من حاجة المدارس لنا خاصة وأننا نتعامل مع أكثر الفئات أهمية وتأثرا بالمؤثرات الخارجية وبالتالي كانت مطالباتنا التي لم تجد أذانا صاغية في محلها ومازلنا نطالب بتعيين اختصاصيين نفسيين في المدارس بدلا من العدد القليل الذي لا يغطي في الشارقة الا ما نسبته 28 بالمئة من عدد المدارس كلها.
ومن وجهة نظر سوزان العابد نائبة مديرة مدرسة الشيماء للتعليم الأساسي ورئيسة لجنة الضبط والسلوك في المدرسة أن الطالب السوي نفسيا لا يمكن أن تصدر عنه أي سلوكيات غير مستحبة وسيكون إقباله على العلم شديدا ولكن للأسف فان التركيز على الصحة النفسية في ذيل الاهتمامات على الرغم من أن الصحة النفسية في العالم المعاصر تحظى باهتمام كبير ومجتمع الإمارات يحرص على توفير الحياة الكريمة والرعاية النفسية لأفراد المجتمع خاصة الطالب الذي هو محور العملية التعليمية
وذلك عن طريق نشر الوعي النفسي وتعيين الاختصاصيين النفسيين في المدارس حتى نستطيع تحقيق الصحة النفسية المنشودة والتي هي هدف وغاية المجتمعات المتقدمة وغاية مجتمعنا.
مناخ ايجابي
دينا محمد معلمة في مدرسة الشارقة النموذجية ترى من خلال عملها لسنوات طويلة في المدارس أن الرعاية النفسية لا تحفل بالكثير من الاهتمام رغم أنها تعد محركا أساسيا وعاملا رئيسيا في اجتثاث العديد من المشكلات التي تؤرقنا خاصة مع ازدياد العنف الموجه من قبل الطلبة للمدرسين مشيرة إلى أن الصحة النفسية تساعد على تنمية مدارك الطالب ورفع دافعيته للتعلم وإقباله على الحياة بصورة أفضل.
الدكتور سيد منصور الاختصاصي الاجتماعي في منطقة عجمان التعليمية يرى ان إيجاد مناخ ايجابي من العلاقات الإنسانية الداخلية داخل المجتمع المدرسي من شأنه ان يؤمن صحة الطلبة الاجتماعية والنفسية، مؤكدا على أهمية العلاقة المبنية على الاحترام بين الطالب وزملائه وعلاقته مع المعلمين التي تقوم على احترام الطرفين لبعضهما البعض وشعور المعلم باحتياجات الطالب واحترام آدميته وشخصيته كحالة فردية وليس كرقم داخل المجتمع المدرسي .
وقال ان تكوين شخصية سوية نفسيا واجتماعيا يتطلب أيضا ان يكون هناك شكل من أشكال العلاقة المستمرة بين الإدارة والمعلمين من جهة والمعلمين والطلبة من جهة أخرى إضافة إلى احترام آراء الطلبة وإشراكهم في صناعة القرار المدرسي خاصة اذا كانت القرارات تتصل بالطالب لأن إهمال رأيه يؤثر على نفسيته مشدداً على أهمية فتح باب المدرسة لأولياء الأمور بصفة دائمة وجعل البيئة المدرسية بيئة جاذبة تعطي إحساسا بالأمان والحب للطالب.
لطيفة الكتبي موجهة خدمة اجتماعية ترى ان عمل الاختصاصي الاجتماعي والنفسي يكمل بعضهما البعض وأنها من المهن التي على درجة عالية من الأهمية والخطورة اذ تتعامل مع مشكلات جيل من الطلبة تنتظر الدولة منهم تسلم مواقعهم في ميدان العمل وبالتالي من واجبنا إيجاد شخصية سوية ولابد هنا من تضافر جهود أولياء الأمور معنا في الخطط التي ننفذها، داعية إلى منح الاختصاصيين مزيدا من الصلاحيات لان همهم خدمة الطالب والأخذ بيده
تحقيق: نورا الأمير



