أجرت مجلة «دير شبيغل» أخيرا حوارا مع الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، تحدث فيه الأخير عن أنشطته الخيرية والفارق بين أن يكون الشخص داخل السلطة وأن يكون خارجها.
وتطرق الحوار إلى طبيعة المهمة التي تضطلع بها «مبادرة كلينتون العالمية» التي أطلقها الرئيس السابق منذ ستة أشهر. وفيما يلي نص الحوار.
* منذ نصف العام قمتم بإطلاق «مبادرة كلينتون العالمية». ما طبيعة تلك المبادرة وما هو هدفها؟
ـ هي عبارة عن اجتماع يعقد كل عام تزامنا مع بداية انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة ويتجمع من خلاله عدد من القادة السياسيين وقادة الأعمال وقادة منظمات المجتمع المدني وأصحاب الأعمال الخيرية من الدول الغنية والنامية على حد سواء. ونتحدث سويا خلال ذلك الاجتماع عن المشكلات التي يواجهها العالم وكيفية التصرف حيالها.
وما يضفي قدرا من الخصوصية والتميز على تلك المبادرة هو أننا نخبر كل فرد من هؤلاء الذين يحضرون بأننا نتوقع منهم الالتزام باتخاذ خطوات عملية خلال العام المقبل أو الأعوام القليلة المقبلة.
* هل يتعين عليهم الالتزام بوعودهم؟
ـ نحن نخبرهم بأنه لن تتم دعوتهم مرة أخرى لحضور الاجتماع في حال عدم التزامهم بما يجري الاتفاق عليه. وخلال العام الماضي كان لدينا نحو 300 التزام وجمعنا تبرعات وصلت قيمتها إلى 5,2 مليار دولار خلال يومين.
* ولكن الأمر لا يتعلق بالأموال فحسب ،وإنما يتعين على المشاركين أن يفعلوا شيئا.؟
ـ بعض أفضل الإسهامات وأكثرها قيمة قد تكون تلك التي لا تتعلق بالنواحي المالية على الإطلاق. على سبيل المثال هناك معهد التصالح الديني الموجود في شيكاغو والذي يديره أميركي من أصل هندي يدعى إيبو باتل.
فقد توصل هذا الرجل إلى اتفاق مع الملكة رانيا، عقيلة العاهل الأردني الملك عبد الله، ينص على أن يتوجه وفد من المعهد إلى الأردن بغية التغلب على الخلافات الدينية الموجودة في الشرق الأوسط.
ففي مناطق الوسط الغربي في أميركا لدينا جالية إسلامية عربية كبيرة في شيكاغو وفي ديترويت ،وكذلك جالية يهودية ضخمة في المدينتين. وكذلك هناك عدد متزايد من الهنود غالبيتهم وليس كلهم من الهندوس. ومن ثم فإننا نتعامل مع كل هؤلاء كل يوم في أميركا.
* حديثك كله يدور حول المال والأفكار. ما هي المجالات التي تركز عليها مبادرتك؟
ـ نحن نحاول تقليص معدلات الفقر عن طريق الأنشطة الاقتصادية. ونعمل على تحسين سبل الإدارة والحكم في البلدان الفقيرة. معظم الناس يعتقدون أن البلدان الفقيرة تعاني قدرا كبيرا من الفساد وما يرتبط به من مشكلات ضخمة.
نعم هناك عدد من تلك الدول يعاني مثل تلك المشكلات بالفعل، ولكن هناك أيضا عدد منها ليست لديه مشكلات من هذا النوع. غير أن جميع تلك البلدان تعاني من مشكلات متعلقة بالقدرات والإمكانات أثناء مؤتمر الأمم المتحدة الذي عُقد في بون وناقش قضية أن بعض الدول لديها أنظمة إنذار مبكر ضد الكوارث الطبيعية.
ولكن ليس لديها داخل أراضيها الأنظمة الضرورية اللازمة لتدريب وتعليم الأفراد كيفية القيام بما يلزم في هذا الشأن- أثناء ذلك المؤتمر اكتشفنا أن درجة جودة الإدارة.
وأساليب الحكم تمثل عائقا أمام عجلة الاستثمار الذي هو أمر لا يمكن الاستغناء عنه من أجل خلق فرص العمل والتغلب على الفقر وتقليص خطر ظاهرة الاحتباس الحراري. والأمر ذاته ينسحب على الرعاية الصحية وعلى قضية التصالح الديني.
* ما الشيء الذي يستطيع رئيس سابق أن يفعله ولا يستطيع انجازه رئيس في سدة الحكم؟
ـ حسنا. عندما كنت في الحكم لم يكن لدي فيالق من الشعب يعملون من أجلي. ولكن كان لدي القدرة على التركيز على عدد محدود من المجالات وعلى أن أظل أعمل في تلك المجالات عاما بعد عام.
عندما تكون رئيسا تنشب بين لديك معركة مستمرة بين الأشياء التي صعدت إلى سدة الحكم من أجل انجازها وبين الأشياء التي يريد منك الآخرون فعلها. على سبيل المثال.
وليس الحصر نجد أن الرئيس بوش لم يقل في عام 2000 «انتخبوني لأنه في خلال تسعة أشهر سينتشر الإرهاب في العالم ولأن الطائرات ستضرب نيويورك وواشنطن، ومن ثم سأكون هناك من أجل التعامل مع الموقف».
لم يكن يستطيع أن يقول ذلك لأنه لم يكن يعرف أن ذلك كان سيقع. ولذلك فعندما تكون قائدا سياسيا تعمل في وظيفة مثل تلك، فإنك تكون حائرا بين ثلاثة اتجاهات: أن تفعل ما وعدت بفعله وأن تستجيب للناس الذين طلبوا مساعدتك، ثم هناك تلك الأشياء التي تستجد ويتعين عليك التعامل معها.
* عندما تتحرر من القيود هل تستطيع اختيار ما تريد فعله؟
ـ عندما تنتهي ولايتك كرئيس يمكنك القول: هذا هو برنامج عملي وسأعمل على تنفيذه.
* هل تعمل الآن على تمثيل الجانب الأفضل من أميركا؟
ـ حسنا هذا سؤال مركب وثقيل. لقد حاولت أن أجعل أميركا مكاناً أفضل عندما كنت رئيساً. ولكنني الآن لست مضطرا إلى أن أتبنى عددا كبيرا من المواقف الجدلية. فبعد أن تحررت من تبعات المنصب وأصبح لدي ملكة الاختيار، بات الأمر أكثر سهولة بالنسبة لي أن أمثل الوجه الأفضل لأميركا.
* قلت سابقاً إن الشعب مصاب بالغطرسة لأننا مهووسون بالحاضر. إن هذا قصور بشري وبالتأكيد يمثل مشكلة تتعلق بالجوانب السياسية. هل يمكن للقطاع الخاص أو المنظمات الأهلية أن تجسر تلك الهوة؟
ـ نعم ولا في آن واحد وتلك ليست إجابة دبلوماسية. ففي مجالات السلام والأمن لا تدع الدولة أي طرف غيرها يتصرف وبالتالي فإن المنظمات الأهلية لا تستطيع فعل أي شيء يناقض تصرف الحكومة.
ولكن على الوجه الآخر وبالتحديد في مجالات مكافحة الفقر وتخفيف الديون والاحتباس الحراري والرعاية الصحية والتعليم- في تلك المجالات هناك قدر من الثقل يتمتع به الطرفان، ولا أعتقد أنه من قبيل المبالغة القول إن القطاع الخاص والجمعيات الأهلية لديها الآن ثقل أكثر من أي وقت مضى في التاريخ البشري للقيام بأعمال خيرية للصالح العام.
فلتنظر على سبيل المثال كيف تصرف المواطنون الألمان أو الهولنديون أو البريطانيون أو الأميركيون مع ضحايا كارثة تسونامي عبر الانترنت. فلو كان هناك ملايين مثل هؤلاء لكان الأثر عظيم وذلك في ضوء الطريقة التي يتم بها جمع وتوزيع الأموال.
*هل أحدث صعود نجم المنظمات الأهلية تغييرا كبيرا؟
ـ في 1993 عندما توليت الرئاسة في أميركا وكان هيلموت كول لا يزال في منصب المستشار في ألمانيا وكان وقتها يعمل مع الرئيس الأسبق جورج بوش بجدية لدعم التحرك نحو الديمقراطية أولا مع جورباتشوف-حينها وجدت نفسي أتبنى تلك القضية بعد أن خلفت بوش.
وأول تحد كبير واجهته كان العمل على إقناع الكونغرس بالموافقة على إرسال مساعدات تُمكن الحكومة الروسية من إعادة القوات الروسية التي كانت مرابطة في الدول المجاورة إلى بلدها.
في تلك الآونة لم تكن هناك أي منظمات أهلية مشاركة. أما الآن فهناك 000, 63 منظمة غير حكومية. وحتى في الصين هناك تلك الجماعات التي تساعد الشعب على الحصول على حقوقه القانونية. فأنت تعلم أن حركة المنظمات غير الحكومية آخذة في الصعود ليس فقط في ألمانيا.
فهناك أيضا جمعيات مماثلة في أميركا. نعم يمكننا أن نفعل الكثير من خلال المنظمات الأهلية التي يمكنها أن تجسر كثيرا من الهوات. نعم سيكون هناك دائما هوات.
ولكن تلك الجمعيات سيكون بوسعها دائما أن تصنع فارقا ضخما بشكل أكبر بكثير جدا من ذي قبل. ولهذا السبب تجدني أفعل ما أفعله الآن.
ترجمة: حاتم حسين