يواصل المؤلفان رصد تفاصيل عملية صنع السياسة داخل الإدارة الأميركية بشأن العراق وهو تناول يكشف عن اختلاط الأمور حيث انتهى إلى إحالة ملف الأزمة في النهاية للعسكريين وتهميش وزارة الخارجية.
وهنا وفي تأكيد على فكرة العصبة التي تحكم الأمور في الولايات المتحدة في ظل الإدارة الحالية التي يترأسها بوش، يشير الكاتبان إلى أن تشيني والذي يصنف ضمن صقور الإدارة يعد أقوى نائب رئيس في تاريخ الولايات المتحدة وأن بوش فضل الاستعانة به في ضوء خبرته.
وقد عزز تحالف نائب الرئيس مع رامسفيلد من موقفه في صياغة المواقف الرسمية والسياسات التي يتم اتخاذها فعليا، واكتملت سيطرة هذا الفريق بوجود وولفويتز إلى جانبهم بما جعل منهم بمثابة فريق متكامل يدير السياسة الأميركية ويجذبها نحو التشدد.
من الجوانب المهمة التي يكشف عنها الكتاب وينبغي الالتفات إليها ويتغافل عنها الكثيرون في عالمنا العربي فكرة الأجنحة أو التيارات المتباينة داخل الإدارة الحاكمة.
حيث يميل الكثيرون إلى التعميم واعتبار الحديث عن أي خلافات أميركية على مستوى التعاطي مع قضايانا العربية أنه مجرد تمثيلية وقد ساد ذلك بالفعل بشأن ما أثير عن تباين داخل إدارة بوش حول الأزمة العراقية.
غير أنه مما يؤكد هذه النقطة هو ما يشير الكاتبان إليه بشأن اختلاف موقف كولين باول داخل إدارة بوش عن مجمل توجهات الفريق بالكامل.
ووفقا لما يرد في الكتاب، فإن سيطرة ثلاثي «تشيني رامسفيلد وولفويتز» على دفة الأمور كان يسبب إزعاجاً كبيراً لكولين باول الذي كان يجد نفسه، وهو المسؤول عن صنع السياسة الخارجية، آخر من يقوم بذلك الدور.
ولعله مما ساعد على عزلة باول، إذا صح التوصيف، توتر علاقته مع تشيني على خلفية ما حدث في حرب الخليج الأولى.. فقد كان تشيني أكثر تشدداً من باول بشأن سبل إخراج القوات العراقية من الكويت.
حيث قدم خطة بشأن الحرب إلى البيت الأبيض دون التشاور مع باول. وتأكيدا على ذلك يذكر هذا الأخير أنه لم ينسجم اجتماعياً على الإطلاق مع تشيني.
لقد عبر باول عن انتقاده لنمط إدارة السياسة الأميركية في وقت متأخر بعد سقوط بغداد واكتمال فترة حكم بوش الأولى، حيث أخبر الرئيس في لقاء جمعه معه أن عملية صنع القرار في مجلس الأمن القومي تصادف مشكلات .
وهنا يصف الكتاب الموقف على رأس الحكم بأنه نوع من الترويكا.. فالرئيس بوش يدير العملية السياسية وتشيني يقدم المشورة ورامسفيلد يطبق ما يتم التوصل إليه.
تغير موقف تشيني
ومن الجوانب التي يتطرق إليها الكاتبان في هذا الصدد التغير الذي لحق بموقف تشيني الأمر الذي يمثل مفارقة ينبغي التوقف عندها. ووفقاً للمؤلفين، فإن تشيني يعد الوحيد من بين القائمين على إدارة بوش، الذي غير موقفه بشكل ملموس بشأن العراق.
فخلال حرب الخليج الأولى كان تشيني يدافع عن فكرة سحب القوات الأميركية وعدم مواصلة القتال بعد إخراج القوات العراقية من الكويت وتجنب الوقوع في مصيدة القيام بدور واجبات سلطة احتلال في العراق عام 1991.
وكان تقديره آنذاك يقوم على أساس أن صدام سوف يتم الإطاحة به من قبل قادة الجيش الذين يشعرون بالخزي الذي لحق بهم جراء تطورات الحرب، وقد سيطر عليه هذا التفكير إلى الحد الذي تصور معه أن صدام لن يصمد أكثر من سنة أو سنتين على الأكثر.
غير انه وخلال سنواته خارج السلطة فإن موقف تشيني بدأ يتغير لجهة إدراك أن استراتيجية الاحتواء التي ساهم في وضعها تتهاوى، وأن شبكة العقوبات الاقتصادية تتحلل وأن وضع صدام يتحول ليمثل تهديداً متنامياً. وفي ظل هذه الأوضاع حدث تغير في موقف تشيني في ظل ممارسته لمهام نائب الرئيس.
من هذه الجولة السريعة على التفاعل الحاصل داخل الإدارة الأميركية ينتقل الكاتبان إلى الغوص في تفاصيل تهيئة المسرح لعملية الغزو. وعودة إلى المهمة التي أسندت إلى تشيني، يشير مايكل جوردون وبرنارد ترينور إلى أن الرسالة التي كان نائب الرئيس يعتزم توجيهها للحلفاء المحتملين واضحة ومباشرة.
وهو أمر يكشف عن نمط توجه يسوده الغلظة والهيمنة. ففي مواجهة أي سؤال بشأن التهديد الذي ستركز عليه الولايات المتحدة بعد أفغانستان فقد كانت الإجابة لدى تشيني:
إنه العراق وإن برامج صدام المزعومة للتسلح،حسبما يذكر الكاتبان، غير مقبولة، وانه إذا ما وقعت الحرب فإن الولايات المتحدة سوف تنهي هذه المرة المهمة بإزاحة صدام. ولم يكن تشيني ينوي الدخول في مفاوضات تفصيلية خلال رحلته، وإن كان قد اعتزم وضع أسس اتفاق الحد الأدنى بشأن أي مشاورات مقبلة مع من تعتبرهم واشنطن في عداد الحلفاء.
لقد كان مقرراً أن يزور تشيني خلال جولته التي كان من المخطط أن تستغرق عشرة أيام نحو 12 دولة من دول المنطقة وقد تم استثناء سوريا من جولته رغم مشاركتها السابقة في عاصفة الصحراء في ضوء نظرة الإدارة الأميركية الحالية لنظام بشار الأسد على أنه جزء من المشكلة في ضوء ما يروج له مسؤولو البنتاجون من شبهات بشأن مساعي سورية لإنتاج أسلحة دمار شامل فضلا عن مساندة دمشق لحزب الله وعملياته ضد إسرائيل.
وفي طريقه إلى المنطقة توقف تشيني في بريطانيا لحاجة الولايات المتحدة لدولة أوروبية أو اثنتين للانضمام إلى تحالف الراغبين وخاصة في ضوء العلاقات الخاصة التي تربط البلدين.
وخلال محادثاته واجه تشيني صعوبات في عدد من الدول وسهولة في بعضها الآخر وكانت إحدى العقبات تركيا التي تعاملت مع الموقف الأميركي ببراغماتية عالية رغم العلاقات الوثيقة التي تربطها مع واشنطن.
لقد كانت أنقرة تخشى من أن تؤدي العملية الأميركية إلى تفكك العراق وقيام دولة كردية مستقلة في الشمال بما في ذلك من تداعيات سلبية على أكراد تركيا.
خطر الأسلحة الكيماوية
وضمن جولته في المنطقة خلال زيارته لليمن التقى تشيني في صنعاء بالرئيس على عبدالله صالح ليس من أجل الحرب على العراق ولكن من أجل التنسيق بشأن مكافحة الإرهاب .
وقد كان من الطبيعي أن يتطرق اللقاء الى الوضع في العراق. وهنا حذر صالح تشيني من إمكانية إقدام صدام على استخدام الأسلحة الكيماوية فكان رد هذا الأخير أنه في حال حدوث ذلك فإن الأميركيين سوف يتعاملون مع الأمر.
وكان من بين المحطات التي شملتها رحلة تشيني، وفيها راح يعزف على نغمة «الخليط» الذي أصبح عنوان السياسة الأميركية وهو «محاربة الإرهاب» و«أسلحة الدمار الشامل»، حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جون . سي. ستينيز»
.حيث خاطب البحارة قائلاً : «إن هدفنا المقبل هو منع الإرهابيين والأنظمة التي تأويهم من تهديد الولايات المتحدة، أو من حلفائنا أو الأصدقاء بأسلحة الدمار الشامل، وحيثما وجدت تهديدات ضد العالم المتمدن فإننا سوف نرد .. ونرد بقوة».
ويعلق الكاتبان على هذا الحديث بالإشارة الى أنه يمثل استعادة لأطروحات رامسفيلد ومساعديه والتي قدموها في الأيام الأولى لوقوع أحداث سبتمبر، وكذلك التي قدمها بوش في خطابه بشأن حالة الإتحاد، مشيرين الى أنه كان هناك وجه آخر للحرب المزعومة على الإرهاب وهو العراق.
ويبدو من التقرير الذي يستعرضه الكاتبان بشأن حصاد جولة تشيني أن نائب الرئيس نجح في اكتساب التأييد لمواقف الإدارة الأميركية بشأن العراق. وعلى هذا تواصلت خطط الإعداد للحرب وكان من المفارقات المثيرة للسخرية، فيما يتعلق بهذا الجانب، أن يعقد تومي فرانكس اجتماعا مع عدد من القادة العسكريين الأميركيين في 21 مارس في ألمانيا للإعداد للحرب على العراق، وهذا البلد الذي يعارض الحرب.
وقد أحيط الاجتماع بسرية تامة، حتى أن المشاركين فيه ارتدوا ملابس مدنية. ويطرح ذلك العديد من التساؤلات حول أبعاد موقف ألمانيا آنذاك ومدى حقيقة معارضتها للغزو.
وهو تساؤل يعززه التعاون الاستخباراتي بين البلدين خلال الحرب الأمر الذي سنتطرق له في حلقة مقبلة. وتبدو أهمية هذا الجانب في أنه يزيل الوهم لدى من تصوروا أن معارضة روسيا وفرنسا وألمانيا للحرب إنما كانت نصرة للعرب وليس لأهداف ومصالح ذاتية.
في تأكيد على الحقيقة الأساسية التي يذهب اليها الكاتبان على مدى صفحات الكتاب بشأن خلافات الجنرالات واعتبارها السبب في جانب من الإخفاق الذي صادف القوات الأميركية فيما بعد يشيران الى خلافات عديدة سادت هذا الإجتماع والى أن فرانكس بدا غير متقبل لطرح القادة الذين شاركوا فيه.
لقد طلب قائد القوات الجوية وقتاً كافياً يتراوح في حده الأدنى ما بين عشرة الى 14 يوما من أجل القضاء على مواقع الصواريخ العراقية وقصف الطائرات الرابضة في حقولها وأجهزة الرادار.
وغير ذلك من عمليات تمهد الأرض لتدخل بري من قبل القوات الأميركية البريطانية. وتصادم ذلك مع خطط فرانكس التي تقوم على وصول سريع الى بغداد بمعدل زمني يفصل بين العمليات الجوية والأرضية يتراوح بين 24 الى 60 ساعة بحد أقصى.
في ظل احتدام النقاشات على مستوى قادة القوات المسلحة كان رامسفيلد يضغط لجهة الاستعانة بعدد أصغر من القوات، ليس ذلك فقط بل كان يعمل بجميع السبل للإسراع بالغزو.
وقد طرح ذلك عمليا عندما راح يلمح الى امكانية أن يتم العمل العسكري ضد العراق في ربيع 2002 أو على أقصى تقدير في صيف ذلك العام. وفي محاولة لتحقيق هدف رامسفيلد، عقد القادة العسكريون اجتماعات مكثفة لبحث مدى امكانية تحقيق هذا الأمر.
، غير أن كل الأمور كانت تشير الى صعوبة خوض الحرب قبل دخول الصيف على أقل تقدير إذ ان الخسائر الأميركية في هذه الحالة ستكون عالية. ولم يكن أحد من السياسيين على استعداد لقبول خسائر كبيرة ما أدى الى موت فكرة الحرب المبكرة بحلول مايو عام 2002.
دعوى التحرير
في ذلك الشهر وبالتحديد في 11 منه بدأت عملية مراجعات لخطط الحرب من قبل الرئيس بوش في كامب ديفيد. وكان من النصائح التي تم طرحها على الرئيس في ذلك الوقت ضرورة العمل على تقديم الغزو على أنه تحرير للعراق.
وأن الرسالة الأساسية التي ينبغي تعميمها هي ان القوات الأميركية إنما تتحرك لكي تحرر العراقيين وأنها ليست قوات احتلال، وهو ما يشير الى تبلور الدعوة التي أطلقها برنارد لويس وأشرنا اليها في الحلقة السابقة، وتحولها الى حقيقة واقعة.
وخلال الاجتماع الخاص بمناقشة خطط الحرب عرض فرانكس العديد من السيناريوهات من بينها خطة تقوم على أساس توجيه الضربات الجوية لمدة 45 يوما على أن يتبعها خلال 25 يوما من بدء الضربات الجوية الهجوم البري، غير أن الرئيس بوش عبر عن تحفظه على هذا الطرح باعتبار طول الفترة التي يمكن أن تستغرقها العمليات .
وما يمكن أن يلقيه ذلك من تأثيرات سلبية على العلاقات الأميركية مع الحلفاء العرب في الحرب. ومع ذلك فقد أثارت الإجتماعات الكثير من الاسئلة أكثر مما قدمت إجابات وكان من بين الأسئلة: كيف يمكن ضمان عدم تدخل إسرائيل برد انتقامي حال تعرضها للهجوم من قبل العراق؟
وما العمل حال استخدام صدام بالفعل أسلحة دمار شامل؟ وما هو التصرف الواجب اذا ما أقدم صدام على الهرب؟ ومن بين كل الاسئلة فإن السؤال الأكثر صعوبة كان يتعلق باحتمال خوض العراقيين حرب شوارع وعصابات في العاصمة بغداد؟ ويؤكد ذلك أيضا عدم مبالاة قادة الحرب وعلى رأسهم رامسفيلد بالتخوفات والتقارير التي كانت مطروحة بشأن هذه القضية.
لقد ألقت نتائج الاجتماعات بتأثيرها على خطط بوش حيث يبدو أنه أدرك صعوبة الموقف، فقرر في أواخر مايو أنه قد يكون من الأفضل له إصلاح علاقاته مع اوروبا وتقديم وعود لهم بالتصرف بأسلوب أكثر مناسبة وحكمة مع التهديدات الإرهابية ومن بينها عدم المبادرة بالعمل العسكري والسعي الى التنسيق مع الحلفاء في هذا الشأن.
وانعكس ذلك التوجه في تصريحات لبوش أدلى بها في مؤتمر صحافي في برلين حيث أكد على أن برامج العراق لإنتاج أسلحة دمار شامل تشكل تهديدا خطيرا، لكنه أضاف انه رغم ذلك لم يعد هناك أية خطط لغزوه.
وقد أكد بوش على نفس الطرح في باريس بعد ذلك بثلاثة أيام حيث راح يقول: «لقد أخبرت المستشار ـ شرويدر ـ أنه ليس لدي خطط حرب على مكتبي.
وإننا سوف نستخدم كل الوسائل الممكنة من أجل التعامل مع قضية صدام حسين». وهو ما يكشف عن حجم الصعوبات على جميع المستويات التي واجهت إدارة بوش من أجل خوض الحرب سواء على مستوى الحصول على تأييد الحلفاء أو على المستوى العملياتي وكان من نتيجته ما تبدو محصلته النهائية مأزق أميركياً تجد إدارة بوش صعوبة في الخروج منه.
بوادر هدنة أميركية
وفيما بدا نوع من التراجع بغض النظر عن الأسباب سواء تمثلت في الصعوبات اللوجستية التي كانت تحيط بعملية الغزو أو بسبب الأجواء الدولية التي وجدت الولايات المتحدة نفسها فيها، ذهب فرانكس أبعد من رئيسه في محاولة الإيحاء بعدم وجود أي خطط للغزو، فعندما سأله أحد المذيعين عن عدد القوات التي يحتاجها لعملية غزو العراق بدت إجابة فرانكس غريبة .
حيث قال: «إن هذا سؤال جيد وهو سؤال ليس لدي إجابة عليه، حيث ان رئيسي لم يطلب مني على الإطلاق وضع خطة لمثل ذلك الأمر» .
وأضاف فرانكس: انهم لم يطلبوا مني شيئا بشأن هذا الإعداد وأنا اعتقد أنني أستطيع أن أخبرك بالأمر إذا ما جاء وقت وطلب مني فيه رئيسي مثل هذا الأمر، فحينئذ أجد أنه من الأفضل لي أن أزوده هو بهذه التقديرات..
ولكني على كل حال أشكرك على هذا السؤال وإن كان يشتم من هذه الإجابة ما يمكن اعتباره حالة من الإحباط تعكس مدى التخبط وعدم الحسم التي كانت تعيشها الإدارة الأميركية وفي القلب منها فرانكس باعتباره القائم على إعداد الخطط الحربية.
ويتحفظ الكاتبان على تصريح بوش مشيرين إلى أنه كان قد أمر بوضع خطط بديلة بشأن الحرب الجوية وقد عقد لقاءات عديدة مع فرانكس للاستماع إلى آخر التطورات بشأنها .
وفي ذات الوقت كان يعرض رؤاه بشأن الجدول الزمني لنشر القوات الأرضية وبشأن حدود العمل العسكري التي تتناسب مع مقولة التحرير وليس الغزو أو الاحتلال، كما أنه أرسل في الوقت ذاته نائبه تشيني إلى مختلف انحاء العالم لكي يضمن وجود حلفاء الى جانب الولايات المتحدة في عملياتها ضد العراق.
يعود الكاتبان إلى الإشارة إلى كولن باول، الأمر الذي يبين أن وجوده كان بمثابة نغمة نشاز داخل فريق متناغم، ففيما كان رامسفيلد يعمل على تحقيق مفهوم الحرب السريعة، كان هناك مبدأ باول بشأن حشد القوات،.
وهو الأمر الذي كان ينظر المحافظون إليه على أنه معيق للعمل ويعرقل عملية ممارسة الولايات المتحدة لهيمنتها، انطلاقا من أنه إذا كان على الولايات المتحدة أن تنخرط في إعداد قواتها خلال ستة أشهر في كل مرة تدخل فيها في مواجهة مع طرف آخر، فإن ذلك يعني أنه لن يكون لديها حرية حركة.
كما يبدو أن هذا الطرح المتعلق باستراتيجية الإعداد طويلة المدى، كان يتناقض مع توجهات رامسفيلد الذي يبدو أنه انبهر بالنصر الذي جرى تحقيقه في أفغانستان وبناء عليه أخذ يضع في اعتباره أن الهزيمة السريعة للعراق وفقا لما يراه سوف تؤدي إلى القضاء على ما قد يكون من مقاومة من الجيش.
ومن الواضح أن تلك التحركات الأميركية بدأت تؤتي بعض ثمارها ففي يوليو من 2002 اجتمع مجلس الوزراء البريطاني برئاسة طوني بلير من أجل مناقشة احتمالات التحالف مع الولايات المتحدة. وانطلاقا من هذه الخلفية صرح وزير الدفاع البريطاني بأن الوقت الأنسب لقيام الولايات المتحدة بشن الهجوم هو يناير 2003.
فيما سادت بعض التساؤلات على الجانب البريطاني بشأن بعض الصعوبات العملية الأمر الذي أدى الى إبطاء الحماس للتحالف مع الولايات المتحدة لدى عدد من الوزراء في حكومة بلير.
وفي إطار استعراضهما لمشكلات عملية التغيير في العراق من خلال عملية الغزو التي كانت تعدها الإدارة الأميركية يشير الكاتبان إلى مخاوف أخرى وجدت على الجانب الأميركي ووردت هذه المرة على لسان كولن باول.
ولعل القارئ يلاحظ أن هذه هي المرة الثالثة التي يتطرق فيها الكاتبان إلى مواقف لباول كلها يعكس حمائميته، ما يجعلنا نؤكد ثانية على ضرورة التعامل مع الآخر بمنطق وجود تمايزات تسمح بمساحة يمكن استغلالها من أجل كسب التأييد للمواقف التي تناصر قضايانا، والتخلي عن نظرة الأبيض والأسود في التعامل مع القضايا السياسية.
باول يحذّر
المهم أنه في اجتماع له مساء 5 أغسطس على مائدة العشاء مع بوش ورايس في البيت الأبيض، تحدث باول للرئيس بأنه تلقى موجزا عن خطط الحرب ولكنه لم يسمع ما يكفي حول ما يمكن أن يتبعها من نتائج. وأضاف باول أنه إذا ما سيطرت الولايات المتحدة على الجيش العراقي فإن ذلك يمثل ضربة قاصمة للمؤسسة التي تحافظ على تماسك الدولة.
فعندما ينهار الجيش العراقي، فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى انهيار الحكومة العراقية فيما سيكون بوش فخورا بإدارة شؤون 24 مليون نسمة آخرين. وحينئذ فإنه سيكون مطلوبا قدرا من الوقت الكافي لكي يتم تشكيل حكومة عراقية جديدة وفي نفس الوقت فإن الولايات المتحدة ستجد نفسها تلعب دور هذه الحكومة.
وهو التزام قد يتواصل لسنوات الأمر الذي يمكن أن يربط ما نسبته 40 % من الجيش الأميركي في هذه المهمة لعدة سنوات. ويوضح التأمل في مفردات هذا الكلام لغة التحذير المهذبة التي يخاطب بها باول رئيسه.. ولم يكتف باول بذلك، بل راح يطرح البديل للعمل العسكري والذي يمكن لبوش أن يسلكه.
لقد أخذ باول يؤكد لبوش على أنه إذا كان بمقدوره الذهاب في خططه بشأن العراق الى نهايتها فإن عليه أن يذهب أولا إلى الأمم المتحدة ويحصل على قدر من التغطية الدبلوماسية.
ووفقا لرؤية باول، فإنه إذا استطاع بوش الحصول على مساندة الأمم المتحدة لخططه، فإنه يمكن أن يعزز فرصة أن يسمح صدام لفرق التفتيش بالعودة مرة ثانية ونزع سلاح العراق.
وأنه في حال عدم استجابة العراق للجهود الدبلوماسية ما يعني أن استخدام القوة قد يكون ضروريا فإن الولايات المتحدة في هذه الحالة لن تكون وحدها بل سيكون لها حلفاء يشاركونها في تحمل عبء الحرب.
ويبدو أن رؤى باول كانت مغرقة في المثالية إزاء ما يجري التخطيط له على صعيد وزارة الدفاع وجناح المحافظين الجدد حيث راح باول يسرد تصوراته ومنها أنه إذا اختار صدام التجاوب مع جهود المنظمة الدولية.
وتخلى عن برامج التسلح بأسلحة الدمار الشامل التي يشتبه في قيامه بإنتاجها، فإنه يجب على الإدارة الأميركية في هذه الحالة التخلي في المقابل عن هدف تغيير نظام حكم صدام، الأمر الذي كان من الواضح أنه ليس على أجندة بوش وفريقه المتشدد على الإطلاق.